اهتزاز أمني يسابق الحوار والمصالحة: اغتيال صالح العريضي في بيصور
وسط أجواء المصالحات في طرابلس والبقاع، وبعيد الإعلان عن موعد الحوار الوطني، استشهد أمس القيادي في الحزب الديموقراطي اللبناني صالح العريضي في تفجير هو الأول من نوعه منذ اغتيال النقيب وسام عيد يوم 25/1/2008..
استشهد مساء أمس عضو المكتب السياسي في الحزب الديموقراطي اللبناني صالح فرحان العريضي، بتفجير عبوة ناسفة في سيارته التي كان يهمّ بتشغيل محركها، أمام منزله في بلدة بيصور ـــــ قضاء عاليه. وذكرت مصادر أمنية رفيعة المستوى لـ«الأخبار» أن التحقيقات الأولية رجّحت أن العبوة الناسفة كانت مزروعة أسفل مقعد السائق، وهي ملصقة بهيكل السيارة بواسطة مغنطيس، وقدّر خبراء المتفجرات زنتها بنحو 500 غرام من مادة TNT. وأشارت المصادر إلى أن العبوة الناسفة شبيهة بالمتفجرتين اللتين استخدمتا لاغتيال الأمين العام الأسبق للحزب الشيوعي الشهيد جورج حاوي ومحاولة اغتيال الزميلة مي شدياق عام 2005. ورجّحت أن تكون العبوة قد فُجّرَت عن بعد، فيما لم تكن التحقيقات التي فتحتها القوى الأمنية المختلفة قد أدّت إلى تحديد مشتبه فيهم بالاشتراك في الجريمة، وذلك حتى ما بعد منتصف الليل.
ويعدّ العريضي أحد أبرز مساعدي رئيس الحزب الديموقراطي اللبناني الوزير طلال أرسلان، وهو مسؤول عن العلاقات مع الأحزاب ومع سوريا التي يزورها أسبوعياً. وكان العريضي في صفوف الحزب الاشتراكي حتى عام 1998، حين انتقل إلى الحزب الديموقراطي. وذكرت مصادر مطلعة أنه كان دوماً من دعاة التقريب بين الحزبين.
تجدر الإشارة إلى أن الشهيد العريضي هو ابن الشيخ فرحان العريضي الذي يُعَد من المراجع الدينية الدرزية التي تحظى باحترام كبير بين الأطراف السياسية المختلفة.
وأدى الانفجار إلى إصابة 7 أشخاص بجروح طفيفة، هم سليم العريضي وغسان زين وإبراهيم العريضي وباسم ملاعب ورامي خداج ونوال صبح. واحترقت سيارة الشهيد بالكامل.
وبعيد وقوع الجريمة، انتقل النائب وليد جنبلاط إلى بيصور حيث تحدّث عن وجود متضررين من المصالحة التي جرت في الجبل بينه وبين الأمير طلال ارسلان، ومن تلك التي جرت في طرابلس بالأمس، «ومن محاولات التقارب بين النائب سعد الحريري والسيد حسن نصر الله». ووجّه جنبلاط تحية إلى «المقاوم الوطني والقومي صالح العريضي الذي قاوم المشروع الانعزالي والصهيوني مع أهالي بيصور ومع المقاومين الشيوعيين والقوميين ومن حركة أمل، ومع المجاهدين، لفتح طريق الكرامة وتحرير بيروت والإقليم والجنوب».
بدوره، رأى الأمين العام للحزب الديموقراطي اللبناني زياد الشويري أن «من المبكر توجيه اتهام لأحد في عمليّة الاغتيال»، لكنه وضعها في سياق المتضررين من التفاهمات على الساحة اللبنانيّة ابتداءً من الدوحة «وهؤلاء معروفون»، كما رأى أن الاغتيال يستهدف خط حزبه وخط الوزير طلال ارسلان والوحدة الوطنية والسلم الأهلي، «وكأن من اغتال يقول لنا أستطيع أن أضرب رغم تفاهمكم».
ومن ناحية أخرى، طلب رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان «التنبه الى كل المؤامرات التي تحاك لإعادة توتير الأجواء وعرقلة مساعي المصالحة والتحضيرات الجارية لمؤتمر الحوار الوطني»، وذلك في سلسلة اتصالات أجراها مع النائب جنبلاط والوزير أرسلان الموجود خارج لبنان، وقائد الجيش ومدير الاستخبارات. أما رئيس الحكومة فؤاد السنيورة فأجرى بحسب مكتبه الإعلامي «سلسلة اتصالات سياسية وأمنية لتطويق ذيول جريمة الاغتيال والحؤول دون أي مضاعفات».
---------------------------------
وكتبت السفير:
جهود لوأد الفتنة المتنقلة ... وجنبلاط في بيصور للتهدئة وتوحيد الموقف مع أرسلان..
بصمات إسرائيلية في جريمة اغتيال المقاوم صالح العريضي..
تعرضت الهدنة السياسية الداخلية، وما يتخللها من بداية مناخات سياسية إيجابية ومصالحات مناطقية، كانت باكورتها الأولى مصالحة الجبل، الى محاولة للاغتيال من جانب المتضررين منها، وذلك على مسافة ايام قليلة من دعوة رئيس الجمهورية ميشال سليمان لالتئام مؤتمر الحوار الوطني، وبعد أيام من إنجاز المصالحة الطرابلسية.
وقد تمثلت هذه المحاولة، ليل أمس، بتفجير سيارة القيادي في »الحزب الديموقراطي اللبناني« الشيخ صالح العريضي، الأمر الذي أدى الى استشهاده فورا، بالاضافة الى جرح عدد من ابناء بلدته بيصور ممن كانوا قريبين من سيارته لحظة انفجارها، بعدما تبين أن الجناة قد زرعوا العبوة تحت السيارة أو قربها وقاموا بتفجيرها لاسلكيا من نقطة قريبة.
وإذا كانت هذه الجريمة قد سمّمت الأجواء السياسية العامة، فإن سرعة تحرك القيادات السياسية ولا سيما رئيس »اللقاء الديموقراطي« النائب وليد جنبلاط، وقيامه بزيارة بيصور ومنزل الشهيد العريضي، قد نجحت في تطويق مشروع فتنة كان يراد له أن يطل برأسه مجددا من منطقة الجبل.
واللافت للانتباه أن عملية الاغتيال ترافقت مع حملة شائعات منظمة سرت كالنار في الهشيم، عبر الترويج في قرى وساحل الشوف وعاليه، لاستنفارات متبادلة بين المعارضة وتحديدا »حزب الله« من جهة والحزب التقدمي الاشتراكي من جهة ثانية، غير أن قنوات الاتصال فتحت سريعا بين قيادة »حزب الله« ممثلة بالحاج وفيق صفا والحزب الاشتراكي ممثلا بالنائب أكرم شهيب، حيث عملا، ومن خلال لجان ميدانية، على قطع دابر أية محاولة لاشاعة الفوضى في الجبل، ولعبت قيادة الجيش اللبناني ومديرية المخابرات أيضا دورا حاسما عبر تعزيز الاجراءات الأمنية وتكثيف الاتصالات في كل الاتجاهات سعيا الى تطويق الموقف.
ووفق المعلومات التي توافرت، فإن العريضي، يعتبر الذراع اليمنى للوزير طلال ارسلان، ومن أبرز الذين تولوا العمل على خط المصالحة بينه وبين النائب جنبلاط، مستفيدا من موقعيته السابقة في الحزب التقدمي وعلاقته بجنبلاط ومعظم قيادات »الاشتراكي«، وهو معروف أيضا بصلته الوثيقة بعدد كبير من القيادات السورية وتوليه ملف الأحزاب اللبنانية بما فيها ملف العلاقة بين »الحزب الديموقراطي« و»حزب الله«، فضلا عن الرمزية التي يشكلها والده الشيخ المرجع أبو صالح فرحان العريضي أحد رموز الاعتدال والوسطية بين اليزبكية والجنبلاطية في الجبل.
وقد شكل اغتيال العريضي، استهدافا لكل »التقاطعات« التي يمثلها، وهو الأمر الذي جعل الوزير ارسلان (موجود في الخارج وقد قرر العودة سريعا الى بيروت) كما نقل عنه قياديون في حزبه، يوجه الاتهام
الى اسرائيل باعتبارها صاحبة المصلحة في إثارة الفتنة وتفجير الوضع الداخلي.
وإذا كانت قيادات مقربة من ارسلان، رفضت تأكيد المعلومات التي ترددت مؤخرا حول رسائل نقلها رئيس »الديموقراطي« بين دمشق وجنبلاط، خاصة أن ارسلان التقى الوزير غازي العريضي عشية الزيارة وغداتها ايضا، فإن المقربين من جنبلاط رفضوا أيضا الخوض في الموضوع.
ووضع الامين العام للحزب الديمـوقراطي زياد شـويري الجريمة في خانة محاولة ضرب وتخريب الاستقرار والمصالحة في الجبل، وقال لـ»السفير« انها رسالة مشبوهة بتوقيتها ضد نهج الاعتدال والاستقرار.
واستنكر شيخ عقل الطائفة الدرزية الشيخ نعيم حسن، الجريمة، واعتبرها فعلا جبانا يستهدف المصالحة الوطنية.
ووضع النائب جنبلاط الاغتيال في خانة »المتضررين من المصالحة بيني وبين الأمير طلال«، وقال انها ايضا برسم المتضررين من مصالحة طرابلس والمصالحات العامة في البلد وأجواء التقارب السياسي الداخلي.
وقال جنبلاط لـ»السفير« انه اتصل فور وقوع الجريمة بأرسلان واتفقا على أن يأخذ العدل مجراه وأن لا يتم استباق التحقيق وأن يصدرا موقفا موحدا مما جرى، داعيا الى أوسع مشاركة في تشييع العريضي بوصفه شهيدا لكل أبناء الجبل.
وسأل جنبلاط »هل نحن أمام بداية مسلسل جديد من الاغتيال السياسي«؟ وقال ان والد الشهيد الشيخ أبو صالح فرحان العريضي أبلغه بصريح العبارة أنه مسامح لمن قام بالجريمة، لأنه كان ينظر الى المستقبل ويريد أن يقطع الطريق على من يريد اشعال الفتنة في الجبل واستهداف السلم الأهلي مجددا.
واستعاد جنبلاط في خطابه في بيصور سيرة العريضي المقاوم ووصفه بأنه بطل »من أبطال المقاومة العربية والوطنية اللبنانية«، وقال انه وقف مع بيصور »أم الشهداء في مواجهة المشروع الأميركي والمخطط اليهودي الصهيوني وفتح الطريق مع رفاقه في كل الأحزاب من دون استثناء من اشتراكي إلى قومي إلى أرسلاني إلى شيوعي الى »أملي« ـ آنذاك لم يكن حزب الله موجوداً ـ الى المجاهدين وفتح معهم الطريق من اجل تحرير بيروت والإقليم والجنوب من الاحتلال الاسرائيلي.
وأفاد مراسل »السفير« في عاليه، أن بعض المشاركين في الاجتماع الموسع الذي عقد في بيصور، بمشاركة جنبلاط وقيادات سياسية، أطلقوا هتافات ضد اسرائيل واتهموها بمحاولة اشعال الفتنة مجددا في الجبل، وأوضح ان المغدور العريضي (٥٥ سنة) استقل سيارته »المرسيدس« من منزله قرابة التاسعة والنصف ليلا، وتوجه الى ساحة بيصور لأمر ما لم يستغرق طويلا، وعاد الى منزله بعد دقائق قليلة، وأوقف سيارته بعيدا عن المنزل لتعذر وجود مكان قربه، ثم عاد بعد فترة ليركنها قرب المنزل، ولدى وصوله اليها، انفجرت عبوة ناسفة ادت الى استشهاده فورا، وتدمير السيارة واحتراقها كليا.
وأفادت المعلومات الاولية ان العبوة جرى تفجيرها عن بعد وكانت موضوعة في السيارة وتردد أن زنتها لا تقل عن خمسة كيلوغرامات وقدر المحققون أن المغدور كان يخضع لمراقبة دقيقة وأن التفجير من صنع محترفين أمنيا.
ردود فعل تدين الجريمة
وفيما تابع رئيس الجمهورية ميشال سليمان مجريات الوضع مع جميع القيادات السياسية والأمنية والقضائية، استنكر رئيس مجلس النواب نبيه بري جريمة الاغتيال في بيصور، معتبرا أنها موجهة ضد السلم الأهلي وضد الخطوات الواسعة والايجابية التي تم اتخاذها ولا سيما مصالحة الشمال وصولا الى الدعوة لالتئام مؤتمر الحوار الوطني مجددا، وأكد لـ»السفير« أن هذه الجريمة تحاول اعادة لبنان الى حلقات الاغتيال السود مجددا وذلك في سبيل تخريبه وضرب استقراره، داعيا الجميع للتنبه والحذر وكذلك تفويت الفرصة على من يتربص بلبنان شرا.
وأجرى بري اتصالات لهذه الغاية بكل من النائب جنبلاط والوزيرين العريضي وأرسلان.
وفور تبلغه بجريمة الاغتيال، اجرى رئيس الحكومة فؤاد السنيورة سلسلة اتصالات سياسية وأمنية لتطويق ذيول الجريمة والحؤول دون أية مضاعفات، وأجرى لهذه الغاية اتصالات بكل من ارسلان وجنبلاط وقائد الجيش العماد جان قهوجي ومدير عام قوى الامن الداخلي اللواء اشرف ريفي ومدعي عام التمييز القاضي سعيد ميرزا.
وطلب السنيورة اتخاذ الاجراءات الامنية الكافية والمكثفة في منطقة الجبل وإجراء التحقيقات اللازمة داعيا الى التهدئة وانتظار نتائج التحقيقات التي تجريها القوى الامنية.
وأجرى النائب سعد الحريري اتصالا بنائب رئيس الحزب الديموقراطي زياد شويري وطلب منه نقل تعازيه واستنكاره باستشهاد العريضي الى ارسلان. كما اجرى اتصالا بجنبلاط، مستنكرا حادث التفجير وحيِّا جهوده التي يبذلها للحفاظ على وحدة الصفّ.
الحريري: الفتنة هواء أصفر دخيل
في هذه الأثناء، وعلى عكس مسلكه شمالا، اختار النائب سعد الحريري، أن يدخل الى البقاع، من بوابة الخطاب السياسي التعبوي لجمهوره وتياره، أولا، ومن غير أن يطرق أبواب الطيف السياسي البقاعي المتنوع، طائفيا وسياسيا، في الوسط كما في البقاعين الشمالي والغربي.
وأكد الحريري في افطار اقيم في بارك اوتيل ـ شتورة على شرف قيادات بقاعية »ان صفحة الاحداث التي شهدتها بلدات سعدنايل وتعلبايا والجوار، يجب ان تطوى الى غير رجعة، وأنا على ثقة بأن الاصل في هذه المنطقة هو التعايش الوطني وصلات القربى، وأن الفتنة هي هواء اصفر دخيل على عاداتنا وتقاليدنا على العلاقات الاهلية والاجتماعية لاهل البقاع«.
وشدد الحريري على اهمية الحوار الوطني الذي دعا اليه رئيس الجمهورية، وقال »الحوار فرصة لا يجب ان نضيعها كما ضيعنا فرصا اخرى«، معتبرا ان »الحوار قوة للبنان ويختصر كل المصالحات«، وأكد أننا »سنذهب الى الحوار وفي يدنا سلاح الموقف للدفاع عن الدولة وفي يدنا الاخرى غصن الزيتون للدفاع عن السلم الاهلي«، وشدد على ان »لا معنى للحوار اذا كان على حساب الدولة ومؤسساتها او شكل فرصة للاستيلاء على مقدرات الدولة بالجملة او المفرق«. وأكد انه يأتي الى البقاع »وفي قلبي جرح بيروت التي لا تنحني للفتنة وهي تعرضت للطعن مرات وبقيت مرفوعة الرأس«.
الى ذلك، من المفترض ان تنطلق اليوم في القصر الجمهوري ورشة التحضير العملي لاستضافة مؤتمر الحوار يوم الثلاثاء المقبل، حيث سيرأس رئيس الجمهورية ميشال سليمان اجتماعات لهذه الغاية مع فريق العمل الخاص بهذا الموضوع لدرس النواحي اللوجستية للمؤتمر، وكيفية توجيه الدعوات الى الاركان الاربعة عشر المشاركين.