السلامة العامة: مع السلامة
مع السلامة... العامة
ضحى شمس
«مع السلامة العامة»، هو الشعار الذي كنا لنختاره لحملتنا المواطنية المتخيّلة، لو أتيح لنا القيام بها. ففي لبنان، مدهش كم مرة في النهار تنجو من الموت. مدهش كم مرة في النهار، والليل طبعاً، تكاد أن تقتل، لأسباب لا يخطر أغلبها في بالك. وأنت في البيت، حين ينقطع التيار أو «يأتي» حسب قوة «الفولت»، وأنت تهمّ بالدخول إلى المصعد على حافّة حدود ساعة التقنين، وأنت تحاول الخروج من المصعد العالق بين طبقتين بكبسك على زر إنذار تبيّن لنا بجولة سريعة على مصاعد الأبنية، أنه في تسعين من الحالات لا يعمل. وأنت تحاول العثور على فسحة في الرصيف تستطيع أن تصل عبرها إلى بر الأمان، فلا تجد. تجبرك السيارات التي حوّلت الرصيف إلى «باركينغ»، على النزول إلى الزفت. وهناك: حاول أصلاً أن تعبر على خط المشاة. لا نتحدث عن الأوتوسترادات. ولكن عن مجرد العبور، تحت أعين شرطي السير عند تقاطع الطرق. تنظر إلى الشرطي وأنت تهمّ بالعبور، متخوّفاً من أن «يمشّي» السير أثناء عبورك. تنظر إليه كأنك تقول: رأيتني. أليس كذلك؟ ينظر إليك بدوره. تظهر على شفتيه ابتسامة أقرب إلى «التلطيش» منها إلى ابتسامة شرطي يطمئن مواطنة تعبر الطريق. يبتسم تلك الابتسامة، موعزاً في الوقت عينه بحركة «ميكانيكية»، بالإشارة إلى السير المتوقف أن...يمشي!
ماذا عن الأرصفة المختلة الهندسة؟ ماذا عن الجُوَر وسط طرقات الزفت تكتشفها وأنت تعبر سريعاً وقد حسبت المسافة بينك وبين السيارة المقبلة؟ ماذا عن ورش البناء في بلد لا تهداً فيه حركة الإعمار والحمد لله، ربما لأن حركة الدمار بالأصل لا تهدأ؟
نعيش اليوم رمضان. ماذا عن الأمن الغذائي؟ ماذا عن العيد المقبل؟ ماذا عن سلامة مدن الملاهي التي يقبل عليها أطفال وعدوا أنفسهم بالترويح عن النفس وليس بـ«ترويح النفس»؟ هل من الطبيعي أن يضيع «شنكاش» مراقبة سلامة هذه المنشآت؟ هل من الطبيعي أن تكون التعديلات على «مرسوم الحماية والوقاية والسلامة» أغفلت وجوب وجود مسؤول عن السلامة العامة في كل ورشة؟ هل من المعقول أن يكون هناك في لبنان، مفتش وحيد، مولج التدقيق في سلامة آلاف الورش؟ أمعقول أن تمر في شارع ويكون السير متوقفاً، وفوقك ترقص رافعات الورش «حاملة محمّلة»، في رقصة «باليه» رعب صامت؟ وما لها تلك الورش تتّشح مرغمة بتلك الشباك الخضراء الممزقة، كفتاة ينزلق منديل غير مرغوب عن شعرها ؟هل يحق لأيّ كان أن يعرّض المارة تحت مرمى ورشة ولو إلى حصاة صغيرة قد تقع «كجلمود صخر حطّه السيل من عل» على رؤوسهم فتقتلهم لساعتهم؟ ألم يحصل ذلك لشهيدة السلامة العامة ريم صالحة منذ بضع سنوات؟
قد يقول قائل: تفكرون بالسلامة العامة في بلد قد تنفجر فيه سيارة مفخخة في أي لحظة؟ هذا عبث. لكن، نظن أن العبث نفسه هو في هذا الاستخفاف الذي ينزع عن المواطن الرغبة في محاسبة المسؤول، ما يحوّل هذا الأخير، كما هو حاصل اليوم، إلى خطر على السلامة العامة.
تعميمات وزارة الداخلية
مع بداية العام الدراسي، وحرصاً على سلامة التلامذة، أصدر وزير الداخلية والبلديات زياد بارود تعميماً، يوم أمس، يتعلق بتنظيم السير أمام المدارس والجامعات في المناطق اللبنانية المختلفة. بموجبه، طلب الوزير من المحافظين إبلاغ القائمقامين والبلديات الإيعاز إلى عناصر الشرطة البلدية بأن يكونوا موجودين بصورة مكثفة خلال أوقات فتح المدارس والجامعات أبوابها، كما خلال مواعيد الإقفال، وذلك بالتنسيق مع المديرين فيها، منعاً لوقوع أي حادث. كما طلب بارود إلى المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي الإيعاز لقطاعاتها الإقليمية توفير هذه الحماية في الأماكن التي يتعذّر فيها على البلديات توفير العدد الكافي من عناصر شرطتها، وذلك كي يأتي التنفيذ شاملاً كاملاً من دون أي إشكالات، على أن يتولى المحافظون شخصياً تنسيق هذ الأمر على جميع المستويات.
من ناحية أخرى، أحال بارود برقية إلى محافظ البقاع يطالب فيها بالتحقيق في موضوع التفجيرات في كسّارات منطقة «قب الياس» (راجع الأخبار أمس)، وما نتج منها من أضرار بالممتلكات جرّاء التفجيرات المتتالية.
ماذا يقول «مرسوم تنظيم الحماية والوقاية والسلامة»؟
رافعات في وسط بيروت (مروان طحطح)رافعات في وسط بيروت (مروان طحطح)تكاد وزارة العمل وأصحاب الورش يختنقان بثماني صفحات من مرسوم حماية عمال البناء (تعديل شباط عام 2004)، فيما تفوق صفحات قانون «الحماية والصحة في ورش البناء الصادر عن منظمة العمل الدولية في جنيف» 120صفحة.
يتضمّن المرسوم اللبناني 52 مادّة، وجلّ ما يتوخّاه هو التقليل من إصابات العمّال، وتجنيب أصحاب ورش العمل المساءلة، حسب النص.
أمّا في ما يخصّ البنود المتعلقة مباشرة بسلامة العمال، فينصّ على «ضرورة اتّخاذ الاحتياطات اللازمة لوقاية الأجراء من أخطار السقوط والأشياء الساقطة والشظايا المتطايرة (..) ويتوجّب على صاحب العمل أن يقدّم، وعلى نفقته، للأجراء معدّات الوقاية الشخصيّة والألبسة الواقية المناسبة لدرء الأخطار ولإبعاد الضرر، على أن يُلزم الأجراء باستعمالها». كما يقع على عاتق المسؤولين عن ورش العمل «إعطاء الأجراء قدراً كافياً ومناسباً من المعلومات عن مخاطر السلامة والصحّة المحتملة التي قد يتعرّضون لها في مكان عملهم، إضافة إلى تدريبهم بشأن الوسائل المتاحة للوقاية من هذه المخاطر ومكافحتها». وفي ما يتعلّق بإصابات العمّال أثناء الدوام، يفرض المرسوم «على صاحب العمل ضمان توفير الإسعافات الأولية من الأدوية والرباطات اللازمة وأشخاص مدرّبين إذا أمكن ذلك، وتقع على عاتقه إجراء ترتيبات لنقل العمال الذين يتعرضون لحادث أو مرض مفاجئ إلى مراكز الرعاية الطبّية طيلة أوقات العمل (..) على أن يبلّغ صاحب العمل عن الإصابات في الورشة خلال مهلةٍ أقصاها 24 ساعة من وقوع الحادث».
أمّا في ما يخصّ سلامة المارة ، فقد لفت المرسوم إلى «وجوب تركيب مظلّات متينة ومصنوعة من مواد صلبة فوق الممرات لوقاية المارين والقائمين بالعمل عليها من خطر سقوط الأشياء». ويعهد المرسوم «إلى جهاز تفتيش العمل والوقاية والسلامة في وزارة العمل الإشراف على مراقبة تنفيذ هذه الأحكام، بما في ذلك أحكام اتفاقيات العمل الدولية والعربية ذات الصلة التي تمت المصادقة عليها».
رش البناء: من يحمي العمّال والمارة
راجانا حمية
قبل نحو عام، سقط أحد العمّال من مبنى قيد الإنشاء في «المشرفيّة». مرّت حادثة السقوط بهدوء. لم يعلم بها سوى بضع عمّال ومهندس المشروع السكني، وشاهد من «جهاز تفتيش العمل والوقاية والسلامة» في وزارة العمل، صودف وجوده عند نافذة مقابل الورشة. لكن، لسوء حظ الضحية، فقد التزم المفتّش، وهو الوحيد في «الجهاز» التابع للوزارة، الصمت.
لم يجرؤ المفتش الوحيد في الدولة اللبنانية على التصرف. فقد "تعلّم" من التقرير الذي أعدّه ضدّ مخالفات إحدى الشركات الكبرى "أن لا يعيد الكرّة". لم يكن موت عامل في ورشة، مفاجئاً في مسلسل السلامة العامّة لورش البناء الذي تظهر أخباره من وقت لآخر في "متفرقات" الجرائد. وإن كان العمال الضحايا يمرون "متفرقات" في الصحف، فالمارة بجانب تلك الورش، وهم المعنيون الآخرون بالحرص على قوانين سلامة الورش، قد يصادفون "حظ" إحداث ضجة او فضيحة في الرأي العام. ولعلّ أكثر الحوادث حضورا في الذهن، مقتل الطالبة ريم صالحة التي قضت، قبل أربع سنوات، إثر سقوط لوحٍ خشبي من سقالة إحدى ورش البناء على رأسها أثناء مرورها على الطريق المؤدّية إلى كلّية الآداب والعلوم الإنسانيّة في "الأونيسكو" حيث كانت تتابع دروسها.
هكذا تنتهي كلّ الحوادث من دون صخب. فيُطوى ملف الموت بتعزية عائلة الضحيّة، والتعويض عليها، وكأنّ شيئاً لم يكن. فيما أسباب هذا الموت متشعّبة وضائعة بين لامبالاة غالبيّة أصحاب ورش البناء بسلامة عمّالهم والعابرين على الطرقات القريبة من مكان العمل وسلامة البناء أيضاً، وبين "مرسوم تنظيم الحماية والسلامة في البناء" غير المطبّق والمحفوظ في أدراج جهاز التفتيش في وزارة العمل منذ صدوره وبين العمّال أنفسهم الباحثين عن لقمة العيش من دون أدنى اكتراثٍ لإجراءات الوقاية.
إلّا أنّ ذلك لا يمنع رئيس نقابة عمال البناء كاسترو عبدالله من استثناء العمّال من المسؤولية، فالمسؤول الأوّل عن تزويدهم بما يجب عليهم القيام به لحماية نفسهم وغيرهم هو المهندس المشرف على العمل، وفقاً لما تنصّ عليه المادّة 38 من مرسوم السلامة العامة. ولكن، هل هذا ما يحصل في ورش البناء؟
"ورش البناء قنابل موقوتة". هكذا يصفها عبدالله. ويضيف"صعب انتهاء ورشة من دون حوادث أو إصابات.وربّما هذا ما يحدث، حتّى في أكثر الورش التزاماً بإجراءات الوقاية". ففي إحدى أضخم الورش وسط مدينة بيروت، قد تجد بعض الخروق لتلك التعليمات، التي تصادفك لحظة الدخول. عامل يقف على إحدى سقالات البناء منتعلاً "شحّاطة" قد تعلق بأي شيء ما يجعله يتعثر ويسقط، وآخر يعتمر قبّعة للشمس وليست مخصّصة لصدّ "الأشياء الساقطة". وعند السؤال عن الإجراءات، يسكت الجميع بانتظار مسؤول السلامة العامّة، الذي لم يصرّح سوى باسمه الأوّل "المعلّم علي". يفاجئك المعلّم علي بغضبه، ليس بسبب السؤال، وإنّما لتعدّيك على أرض "الدولة"، كما يقول. علماً أنّ الأرض هي لشركة "سوليدير". تحتاج للدخول إلى هنا إلى إذنٍ مسبق. لا يزال المسؤول غاضباً، إنّما كان عليه تبرير العاملين المخالفين. سرعان ما يأخذك إلى مكتبه عند أطراف الورشة ليرشدك إلى ورقة الإجراءات الخاصّة بسلامة العمّال. لكن، يبدو أنّ شدّة حرصه على سلامة هؤلاء العمّال دفعته إلى خرق المرسوم بنفسه، فبدلاً من وضع الورقة عند مدخل الورشة ليتسنّى للعمّال الإطّلاع عليها كما ينص القانون، الصقها على حائط مكتبه!
لكن مخالفات هذه الشركة، كانت الأخفّ بين غيرها من الورش. فعلى بعد شارعين منها، ترتفع ورشة بناءٍ وسط المباني السكنيّة المأهولة. تعترض معدّاتها الطريق العام، معيقة حركة السير الطبيعيّة. فيما "شبك" الحماية الأخضر الذي يفترض أن يغطي جميع جوانبها لحماية العابرين، كان أشبه بزينة مشلوحة على شجرة الميلاد.
الورشة خالية إلا من عاملٍ واحد يستريح في فيء السقالة. لا يعرف العامل عبدالله السعدي، وهو حلبي، شيئاً عن إجراءات الوقاية، باستثناء "الحذاء الخاص المدبب من الامام" الذي غالباً ما يدفعون هم ثمنه. وفي أبسط الأحوال يبلغ ثمن هذا الحذاء 100$، يحتاج العامل لشرائه 9 أيّام من العمل المتواصل، خصوصاً إن كانت يوميته 12$ فقط. لا يجد السعدي مفرّاً من شرائه، فعمله كلّه يعتمد على هذا الحذاء، وهو كل ما يحتاجه للصعود إلى السقالة. ويستغرب السعدي سبب السؤال عن الإجراءات الإضافية كحزام الأمان والملابس العازلة، ويقول "لشو، يكفي الحذاء والإنتباه، وكلّه على الله هو الحامي".
لكن يبدو ان العمّال، وغالبيّتهم من سوريا، يتبنّون شعار "الله الحامي". ففي إحدى الورش في الضاحية ، يختصر العامل سليمان الحسن الإجراءات بجملةٍ واحدة "سمّي بسم الله وقول يا رب وطلاع على السقالة وبس تموت بتكون نزلت ورقتك". كان الحسن برفقة شابين آخرين: سلّوم محمّد ومحمّد الحجفي، فيما الصديق الثالث يعتلي "برميلاً" على حافّة شرفة الطابق الثالث. يبتسم الثلاثة لحظة السؤال عن السقالة، فيجيب سليمان "بطلنا بحاجتها، بس هونيك عم يورّق الحيط، ومنّو كبير لنرجع نركب السقالة"! وعند السؤال عن مسؤول السلامة العامّة، يستغرب الشباب! "يمكن سوليدير وحدها عندها هالمنصب". هذا ما يقوله رئيس نقابة عماّل البناء كاسترو عبدالله. فقد اسقطت "وظيفة مسؤول السلامة العامّة من مرسوم الحماية خلال جلسات تعديله في مجلس الوزراء" العام 2004 حسب ما يقول!
وفي غياب هذا المسؤول، لا يبدو أنّ سلامة العمّال "مضمونة". فالبلديات من جهة ووزارة الأشغال العامّة من جهة اخرى حصرت اختصاصها بمراقبة سلامة الأبنية وإعطاء التراخيص. أمّا نقابة عمّال البناء، فلا تستطيع ممارسة دورها "إلا بإذنٍ مسبق من صاحب العمل، وهو ما يستحيل حصوله"، كما يلفت عبدالله. والمرّات القليلة التي مارست فيها النقابة دورها "كانت في غالبيّتها تسلّلا، عن طريق أحد العمّال المقيمين في الورشة". اما "جهاز التفتيش والعمل والوقاية والسلامة" في وزارة العمل، فهو بأختصار يضم ..مفتشا واحدا لكل لبنان بعدما "تنازل" مفتّشا الشمال والبقاع عن مهامهما.
إحصاءات منظمة العمل
2,2 مليون عامل يموتون سنويّاً في ورش البناء والمصانع والمناجم (..). هذا ما أظهرته إحصاءات منظّمة العمل الدوليّة عن الإصابات والأمراض المتعلّقة بالعمل. كذلك أشارت الإحصاءات إلى أنّ عدد حوادث العمّال في ميدان العمل يتخطّى 270 مليون حادث، تتوزّع ما بين حوادث الموت وحوادث الإصابات المهنيّة التي تصل إلى 160 مليون عامل
عندما تجول في بيروت: أُنظر فوقك
ثمّة خرق آخر للمرسوم، قد ينتج منه موت مضاعف: عمّال وعابرون، وهذا ما يحصل في غالبيّة المشروعات. يبدو الأمر واضحاً في تلك الرافعات التي تجول بين الورش وفوق رؤوس العابرين في الشوارع المزدحمة بالسير العادي كل النهار، وهو ما يعدّ مخالفة صريحة للقوانين. في ورشة «أسواق بيروت الجديدة» مثلاً، يبدو الخطر واضحاً من خلال تجوال «رافعات» (كراين) وضعها المهندسون على أطراف الورشة. هناك، تتنزّه أكثر من تسع «رافعات» بأحمالها، رُكّزت على أطراف منشآت أسواق بيروت، تضاف إليها حوالى ستّ أخرى في ورش مجاورة في الشارع نفسه. أمّا مسؤول السلامة العامّة في الورشة، فيتذرّع بأنّ الرافعة تمرّ فوق الطريق عندما يخلو من السيارات والمارّة، بناءً على تعليمات عامل الرافعة الواقف عند جانب الطريق، ثمّ إنّ الشارع هو شارع تجاري، غير مأهول بالسكّان (شارع بلدية بيروت)، وإن كان هناك أحد، فهم فقط الموظّفون في المكاتب والعمال». ولكن، فلنفترض جدلاً، ماذا لو سقطت الحمولة على مكاتب الموظّفين أو على تجمّعات العمّال أو إحدى السيّارات؟ وهل يجيز القانون أن تمرّ أربع رافعات من فوق مبنى مدرسة «البيزانسون» مثلاً الواقعة أسفل شارع المصارف؟ لا يبدو الأمر «محبّذاً» حسب تعبير رئيس الديوان في دائرة التنظيم المدني أحمد حمزة. فهو يشير إلى أنّ «قانون البناء يحرّم جميع الأعمال التي تضرّ بالمواطنين من دون أن يحدّدها تفصيلياً. غير أنّ التنظيم المدني لا يستطيع اتّخاذ أيّة إجراءات، لأنّ وظيفته تنحصر بإعداد مشاريع القوانين، أمّا تنفيذها، فيقع على عاتق القوى الأمنيّة أو المحافظ أو القائمقام أو البلديات». وفي الوقت الذي تتقاعس فيه هذه «السلطات التنفيذية» عن تأدية عملها، تعمل هذه الرافعات مستفيدة من «عدم تطبيق القانون»، حسب ما يقول. أما «شوارع بيروت الضيّقة فهي تضطرّ صاحب العمل إلى خرق السلامة العامة»، بحسب ما يلفت أحد المهندسين المراقبين في دائرة التنظيم!
لا تعمل الرافعات فقط في وسط بيروت الذي لم تتوقف حركة الإعمار فيه. فهناك الكثير منها في شوارع مزدحمة بالناس ليلاً ونهاراً فقط لا غير، منها رافعتان مثلاً فوق الطريق المؤدية إلى فندق البريستول، وأخرى فوق مبنى السفارة السعوديّة الجديدة في رأس بيروت، وواحدة عند مفترق إحدى الطرق في منطقة رأس النبع واثنتان فوق «مجمّع سيدّ الشهداء» في الضاحية وغيرها الكثير حتى تكاد فضاءات بعض المناطق تختفي خلفها.
راجانا...
جسور تحصد أرواح مشاتها
قاسم س. قاسم
كانت آخر مباراة كرة سلة تلعبها مريم الحسيني ابنة الـ18 ربيعاً على ملاعب قصقص. كلّفها غياب جسر للمشاة عمرها، وهي تجتاز الشارع لشراء زجاجة ماء، لتروي عطشها. كانت النتيجة مرّة على عائلتها، فلم تعد مريم ترتاد الملاعب وعلى رغم من موتها، لم يقتنع المعنيون بضرورة إقامة جسر لرواد ملاعب قصقص.
يتحدث محمد الحسيني عمّ الفتاة عن معاناة العائلة، وكيف دفعه موت ابنة أخيه للانضمام إلى اليازا لكي «يرى نتيجة دمائها على الأرض». يشرح العم تفاصيل حادثة مريم «صدمتها سيارة كانت مسرعة، والقانون اللبناني «تعيس» سمح بخروج السائق بعد دفع سند كفالة». لم تقف مشاكل العائلة عند هذا الحد، فمطالبتهم بإنشاء جسر للمشاة لم تلقَ آذاناً صاغية، «لم نترك وسيلة إعلامية إلّا وتحدّثنا لها» يضيف محمد، «كانت تحركاتنا على صعيد بلدية بيروت، شعرنا بمشاكل بين المحافظ ورئيس البلدية فكانت المماطلة على حساب الجسر». وُعِدَت العائلة بإنشاء الجسر من جانب أحد أعضاء بلدية بيروت خلال 15 يوماً، ولكن بحسب عم الفتاة «كلّه كلام بكلام، ومجرد وعود»، وما زالت عائلة الحسيني على الرغم من مرور 4 أشهر على وفاة مريم تترقّب إنشاءه «رحمةً بالعائلات الأخرى»، وقد أمهلت العائلة بلدية بيروت شهرين لتحقيق مطالبها وإلّا فستبدأ بتحركات سلمية على الأرض.
لم تكن كل حالات الصدم مأساوية، فأم محمد حرب لا تستطيع أن تجد التفسير المناسب لبقاء ابنها على قيد الحياة. «صدمته سيارة على طريق المطار، ولكنه بقي على قيد الحياة ليخبر قصته»، لم يستعمل علي ولدها الصغير ابن الـ13 عاماً جسر المشاة لاجتياز الطريق. كان عائداً من مباراة كرة قدم هو وأصدقاؤه على طريق المطار، «اجتاز جميع أصدقائي الشارع، لكنّي كنت متردداً في اجتيازه»، يضيف علي «كنت واقفاً بالقرب من الجسر لكنّني لم أستعمله لأننا كنا مستعجلين»، يضحك ليقول «بعد اقترابي من الشارع لم أعد أذكر شيئاً». تضمّّه والدته لتشكر ربها على نجاة ولدها. على الرغم من نجاة علي إلا أنه لا يزال مقتنعاً بأنه لو اجتاز الطريق بسرعة لكان نجا «أنا خفت، كان لازم أركض».
مع بداية عهد الحكومة الجديد، وعد وزير الأشغال العامة والنقل غازي العريضي المسؤولين في اليازا ببناء 67 جسراً للمشاة. وبحسب دراسة قامت بها مؤسسة الأبحاث العلمية (SRF)، فإن معظم جسور المشاة تشهد التزاماً باستعمالها بنسبة 60 ــ90%، في وقت يموت فيه مئات المشاة سنوياً تحت تلك الجسور مباشرة. وتبيّن للمؤسسة أنه حين جرى تركيب فاصل حديدي بالقرب من جسر المشاة في منطقة الكرنتينا يبلغ طوله حوالى 200م وبتكلفة بسيطة، أدى هذا الفاصل إلى منع المشاة من العبور تحت الجسر، وبالتالي إجبارهم على الحفاظ على سلامتهم. دفعت هذه الدراسة وارتفاع عدد القتلى الذي بلغ 300 قتيل منذ بداية العام الحالي، اليازا إلى توجيه رسالة إلى جميع البلديات التي تقام ضمن نطاقها هذه الجسور، مطالبة بتركيب فواصل حديدية تحتها من أجل زيادة فعاليتها ولإرغام المشاة على استعمالها. من هنا تمنّت اليازا على المعنيين أخذ الاقتراح بعين الاعتبار، للحفاظ على حياة المشاة وإجبارهم على عدم عبور الطريق الأقرب إلى الموت!
مدن الملاهي: من يضمن سلامة اللاهين؟
رنا حايك
يتداول المواطنون أخباراً مفجعة عن مصرع أطفال يلهون في مدن الملاهي، ثم يتنفّسون الصعداء بعد أن يكذّبها رسميّون. لكن التكذيب لا يغني عن فتح ملف السلامة العامة الذي يتّضح أنه ملغوم بالفوضى والإهمال
في الذوق طفلة ماتت في مدينة الملاهي. لدغها ثعبان كان قابعاً في اللعبة التي صعدت إليها. في النبطية وقع حادث مشابه. في صيدا قضت طفلة حين علق شعرها في إحدى الألعاب. تنتشر هذه «الخبريات» انتشار النار في الهشيم لتبثّ الرعب في نفوس الأهالي، وتذهب محاولات التوصل إلى هوية الضحايا سدى.
التقارير الرسمية تؤكد عدم وقوعها: تقارير الصليب الأحمر لا تذكر أي حادث أدى إلى مصرع أطفال في مدن الملاهي. رئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي، الرائد جوزف مسلّم، ينفي حدوثها، ويؤكد أن الشعبة لم تتلقَّ أي خبر عن حادث من هذا النوع مما يثبت أنها شائعة.
ورغم أنها شائعة، إلا أن مجرد تخيّل المشهد أصبح يمثّل حاجزاً نفسياً بالنسبة إلى الأهالي، يرعبهم، وخصوصاً مع غياب عناصر موضوعية ولوجستية في مدن الملاهي تطمئنهم إلى أن ضريبة لهو أطفالهم لن تكون موتاً فظيعاً.
ريما تختار لطفلتيها الأماكن المقفلة، تفضّلها على المدن المنشأة في الهواء الطلق، لأنها «تشعرها بالأمان أكثر»، رغم أنه أمان غير مطلق: «نحتاط زوجي وأنا في اختيار نوعية الألعاب التي نسمح لطفلتينا بالصعود إليها، ولا نفارقهما ولا لحظة، لكننا نفتقر إلى عناصر الاطمئنان وضمانات السلامة، وبعدما سمعت بشائعة الحية التي كانت مختبئة بين «الطابات الملونة»، لم أعد أسمح لطفلتيّ باللهو في تلك اللعبة».
تشارك فاطمة ريما رأيها وتضيف إن «الموضوع مرتبط أيضاً بوضع الأسرة الاقتصادي. فأنا أستطيع أن أصطحب ابني إلى مدينة ملاهٍ غالية أضمن فيها سلامته أكثر، لكن الأسر الفقيرة والمكتظة بالأطفال من الصعب أن تقوم بذلك، فتسترخص».
في ظل حالة الارتياب المسيطرة على الأهالي، تسلّم زهرا أمرها للقدر «لو فكّرت ملياً في الأشياء، لن أصطحب أطفالي إلى أي مكان».
أما جوان، فهي تقاطع مدن الملاهي، لأنها تجد أنها تفتقر تماماً إلى شروط السلامة العامة. كسرت قاعدتها هذه ذات مرة واصطحبت طفلتها آملة أن تعيد النظر في قرارها، لكن الواقع لم يزدها إلا تشبثاً به: «عمال الإنقاذ غائبون، وكذلك مراكز الإسعافات الأولية. العمال الذين يشغّلون الألعاب لم يحظوا بأي تدريب لممارسة مهمّاتهم».
تتشارك جميع الأمهات هذا الهلع من فقدان أطفالهن في مدن ملاهٍ اتّضح بعد تتبّع إجراءات إنشائها وأساليب الرقابة عليها أنها بمثابة «مغارة علي بابا»، يترك أمر صيانتها لمالكيها وضمائرهم، وتتوزّع الرقابة عليها بين جهات حكومية متعددة، فتضيع معها «طاسة المسؤولية».
يؤكّد أحمد أمهز، وهو صاحب عدة مشاريع في زحلة والهرمل وبيروت، أن مسؤولية الصيانة واحترام مبادئ السلامة العامة متروكة، إلى حد كبير، لصاحب المشروع: «أنتدب في كل مركز مهندساً أو مهنياً يقوم بتفقّد الألعاب والغاز والكهرباء يومياً. رقابة الدولة غائبة، والجهة المسؤولة عنها غير واضحة، نستخرج رخص المنشآت من وزارة السياحة ورخص الألعاب من البلدية بناءً على معاينة ميدانية من أحد موظفيها.
يختلف توصيف الجهة الرقابية من مالك مدينة ملاهٍ إلى آخر، فالاختصاصي في تجهيز مدن الملاهي ومصنّع الألعاب محمد دمج، يؤكد أن: «الدفاع المدني يكشف على المدينة لكن من دون أن تخضع الرقابة لدفتر شروط معين. نحن نمارس الصيانة اليومية لكن الجهات الرسمية تعاين دورياً، في المواسم. كذلك نحن نضمن نوعية الألعاب، فنحن نستوردها من شركات ذات صدقية عالية ونتّبع خرائطها والمواصفات التي تمليها».
أما رئيس نقابة أصحاب المطاعم والمتنزّهات والمؤسسات السياحية في الجنوب، وصاحب العديد من مشاريع مدن الملاهي، علي طباجة، فيؤكد أن «الرقابة تمارس سنوياً من جانب وزارة الصحة على أنظمة السلامة العامة، وخصوصاً في ما يتعلق بالكهرباء وبمواقع الألعاب». ويضيف طباجة أنه لاحَق موضوع الشائعة التي انتشرت، وأنه ادّعى في النيابة العامة على مطلقها «المدفوع باعتبارات سياسية»، شارحاً «إننا نفرض، كمديري مشاريع، الصيانة الدورية، والدليل على نجاحنا في مهمتنا أنه خلال 12 عاماً من عملي في هذا المجال، لم تقع ولا حادثة واحدة خطيرة أو مميتة».
يتّضح من أحاديث أصحاب مدن الملاهي أن الرقابة ذاتية بجزء كبير منها، أما الجزء الرسمي، فهو غير واضح المعالم، مما استوجب «رحلة» على جميع الوزارات والدوائر: وزارة السياحة نفت دورها الرقابي وأحالتنا على وزارة الداخلية والبلديات، التي أحالتنا بدورها إلى المحافظات والبلديات.
يشرح الوزير ومحافظ بيروت السابق يعقوب الصّراف أن مدن الملاهي تندرج ضمن إطار «المؤسسات المصنفة التي تمنحها البلديات التراخيص المتعلقة بشروط السلامة العامة. وتتمحور هذه الشروط حول مواضيع الكهرباء والحريق وبوالص التأمين وعقود ضمان الشركات التي تركّب المعدات: فلكل لعبة دفتر شروطها الخاص بها، وعلى المستثمر أن يقدم ضمانات بأنه سوف يحترم بنوده. أما دور البلدية، فهو يتعلق بإعطاء رخصة الإنشاء ثم، بعد معاينة المنشأة، ومطابقتها للشروط، تمنح البلدية المستثمر رخصة الاستثمار لتشغيل المدينة».
لكن ماذا عن الرقابة اللاحقة، خلال التشغيل؟
عن هذا السؤال، يجيب الموظف السابق في احدى البلديات، الذي رفض ذكر اسمه، أن «المراقبة الدورية مهمة جداً لكنها غائبة، لأن الإدارة فارغة، فقسم المؤسسات المصنفة في البلدية الذي يجب أن يحوي 30 مراقباً، لم يعد يعمل فيه سوى اثنين، ولا يتحرك إلّا بناءً على شكوى، مما يتيح لأي كان افتتاح منشأته وتشغيلها دون أن يلتفت إليه أحد. لم يطلب مني يوماً أن أكشف على مؤسسة مصنفة، وحين قمت بذلك بمبادرتي الشخصية وأعطيت صاحب أحد النوادي الليلية في الجميزة إنذاراً لأن ناديه لا يحترم قواعد السلامة العامة، تلقّيت إثر ذلك أكثر من تهديد من جهات سياسية وزعماء سياسيين».
أما رئيس الدائرة الإدارية في بلدية الشياح، حكمت دعيبس الفغالي، فهو يعيد الفوضى المستشرية في مجال الرقابة على السلامة العامة في مدن الملاهي إلى التّشتت القانوني: «إن منح الرخص وصلاحيات المراقبة موزعة بين عدة جهات (راجع الكادر). يجب توحيد القوانين وحصر المرجع المسؤول عن مراقبة تطبيقها في جهاز واحد يضم ممثلين عن جميع الوزارات والجهات المعنية في منح الرخص والقيام بالمراقبة. فما يحدث الآن هو لا مركزية قانونية يصبح معها ضبط الأمور أصعب».
قد تسمّى لامركزية قانونية على سبيل التّساهل في التوصيف، إلا أن رائحة الفوضى المستشرية والإهمال وشبهات المحسوبيات والفساد التي تفوح من آليات تنظيم ومراقبة قطاع مدن الملاهي تطرح سؤالاً أساسياً: «هل يجب أن ننتظر لتصبح الشائعة حقيقة ويموت طفل وهو يلهو في مدينة الملاهي حتى يتمّ التحرك لتنظيم هذا القطاع وتفعيل الرقابة عليه؟.
بت منح الرخص
يشرح رئيس الدائرة الإدارية في بلدية الشياح، حكمت دعيبس الفغالي، دور البلدية في إجراءات إنشاء مدينة الملاهي، فالمستثمر يقدم الطلب إلى مصلحة الصحة في المنطقة التي تحوّله إلى البلدية استناداُ إلى أحكام المادة 51 من قانون البلديات لإبداء الرأي. تنشر البلدية إعلان الإنشاء وتوافق عليه إذا لم يجرِ الاعتراض عليه من المواطنين خلال 15 يوماً من نشره (وقد سجلت عدة سوابق منحت فيها الرخصة للمنشأة رغم اعتراض البلدية). وبعد أن تحيله على المحافظة للاستكمال، تكشف مصلحة الصحة على المنشأة، ثم يمنح الترخيص من جانب المحافظة أو القائمقام بحسب الفئة التي تنتمي إليها المنشأة. أما دور مصلحة المؤسسات المصنفة، فهو يتعلّق، بحسب المصدر الذي رفض ذكر اسمه، بمراقبة احترام شروط السلامة العامة. وهي شروط تُستخلص من عدة قرارات ومراسيم ويطبقها الموظف «بنسب معينة بحسب خطورة الألعاب التي يكشف عليها». إذا، تضاف إلى مشكلة تشتّت بتّ منح الرخصة وإجراء الرقابة مشكلة مصطلح السلامة العامة وتحديده الموزع في عدة وثائق، وتطبيقه الخاضع لنسبية خطورة الألعاب.
دراسة بقاعيّة عن سلامة نقل تلامذة المدارس
عفيف دياب ــ نيبال الحايك
تكاثر حوادث السير التي تتعرض لها حافلات المدارس في لبنان، وفقدان كل مقومات السلامة العامة فيها، ألزمت عضو مجلس بلدية زحلة ورئيس لجنة السلامة العامة فيها، المحامي توفيق رشيد الهندي إعداد دراسة شاملة عن «السلامة العامة في الحافلات المدرسية» ضمّنها قراءة قانونية وإرشادات مفصلة وشاملة، تضمن سلامة التلامذة. ويرى الهندي في دراسته، وهي الأولى من نوعها وأمضى أشهراً يعدّها وتولى توزيعها لاحقاً على مدارس رسمية وخاصة ضمن نطاق بلدية زحلة، أنها «تنشر التوعية وتعمم ثقافة سلامة التلامذة في المجتمع اللبناني بعد ازدياد ضحايا حوادث سيارات نقل الطلاب». ويوضح الرجل أن معظم «مدارسنا الرسمية والخاصة، لا تكلف مراقباً مسؤولاً في حافلاتها يعمل على ضمان سلامة التلامذة». ويلفت الهندي إلى أن المادة الأولى من القانون الرقم 551/1996 المتعلق بوسائل نقل تلامذة المدارس، تنص على أنه «يمنع منعاً باتاً نقل تلامذة المدارس الرسمية والخاصة في جميع مراحل التعليم ما قبل الجامعي من البيت إلى المدرسة أو بالعكس أو إلى أي مكان آخر بمختلف وسائل النقل المعدة من قبل المدرسة لهذا الغرض دون وجود مراقب مسؤول، في كل وسيلة نقل، مكلف من قبل المدرسة في حال كانت المدرسة تملك هذه الوسيلة أو تستأجرها، ومن قبل مالك هذه الوسيلة في الحالات الأخرى». فالأسباب الموجبة لاقتراح القانون هذا كانت: ازدياد حوادث سيارات نقل الطلاب التابعة للمدارس التي أدت إلى سقوط ضحايا. تكاثر هذه الحوادث يعود في معظمها إلى قلة احتراز إدارة المدارس نفسها في مجال مراقبة صعود الطلاب إلى وسائل النقل ونزولهم منها، وكذلك إلى وسيلة النقل نفسها. كذلك تعود إلى زيادة عدد الطلاب في وسيلة النقل الواحدة، وعدم وجود مراقب. ويضيف أن وسائل النقل التي تملكها المدارس في لبنان قلما تكفيها لتزايد عدد الطلاب حيث «عمدت بعض المدارس إلى تلزيم عملية النقل بجزء منها أو بكاملها لأشخاص طبيعيين أو معنويين، وكلهم يهدفون إلى الربح، ما زاد في الإهمال في ظل غياب قانون ينظم عملية النقل ككل، ويحدد المسؤوليات في حال وقوع حوادث». ويلفت المحامي الهندي إلى أن القانون المذكور «قيد نفسه بالمادة 4 منه عندما ربط تحديد مهام المراقب وعدد التلامذة الممكن نقلهم في وسيلة النقل بصدور مرسوم تطبيقي، ولكن هذا المرسوم لم يصدر بعد، فارتأينا أن ننشر بعض الإرشادات التي قد تسهم في تحقيق الغاية التي صدر من أجلها القانون المذكور، وقد استقينا معظمها من قانون السير اللبناني الرقم 76/67، ومن قانون السير لمقاطعة أونتاريو الكندية، وضمنا دراستنا كل تفصيلات السلامة العامة في حافلات نقل تلامذة المدارس، وهي تتضمن عناوين أساسية لتقنيات القيادة الدفاعية، وإصعاد التلامذة وإنزالهم، وإرشادات خاصة بالمراقبين والمدارس والأهل والتلامذة».
دراسة الهندي تعطي أهمية قصوى لدور المراقبين «في ضمان السلامة العامة للتلامذة». كذلك «أشرنا إلى أن عدد المراقبين يتوقف على عدد التلاميذ، ففي السيارات الكبيرة التي تحمل من 30 إلى 40 تلميذاً وطفلاً يستحسن وجود أكثر من مراقب، مهمته أن ينقل للتلامذة قواعد السلامة، وأن يعمد إلى تدريب التلامذة على الوقوف بالصف خلف بعضهم إفرادياً دون تدافع ومساعدة التلامذة الصغار، ومراقبة التلامذة أثناء توجههم إلى مقاعدهم ومساعدتهم للجلوس بسرعة قبل تحرك الأوتوبيس، والتأكد من خلو الممر الرئيسي داخل الأوتوبيس من الحقائب والكتب ومن أي عائق آخر، والانتباه إلى النتوءات المعدنية الحادة داخل الأوتوبيس (مسامير، براغٍ) وإبلاغ السائق عنها، وتذكير التلامذة بوجوب وصولهم قبل الوقت لنقلهم لأن تأخرهم يعني تأخير الأوتوبيس أو تركهم، وتذكيرهم بأن يقفوا دائماً على الأرصفة (إذا وجدت) أو إلى أقصى طرف الطريق في مكان آمن، مكشوف من الوجهتين. وعلى المراقب التأكد من إمكان القيام بهذه العملية بدون أي محذور، وأن يكون مستعداً وجاهزاً للتدخل ومساعدة السائق في أية طريقة، مستنداً إلى الإجراءات والتعليمات الخاصة بالسلامة التي يكون قد تعلمها أثناء التدريب، ومساعدة سائق الأوتوبيس على ضبط النظام وإبقاء التلامذة هادئين، ومساعدة السائق على التحقق من عمل الإشارات الضوئية، والأنوار الأمامية والخلفية قبل القيام بالرحلة الصباحية»، خاتماً بأن الغياب الواضح للمراقبين في الحافلات المدرسية «لا يعطي أهمية تذكر لهذه الإرشادات، فغياب المراقب يعني عدم فعالية الإرشادات، وبالتالي يجب إلزام المدارس تكليف مراقب واحد على الأقل في كل حافلة مهما كان حجمها وعدد ركابها».
وماذا عن أمن الحضانات؟
ليال حداد
لا يزال معظم الأهل يجهلون حتى اليوم الطريقة المثلى لاختيار حضانة أولادهم، فهم يسجّلون أطفالهم في حضانات قريبة من المنزل أو من مكان عملهم. إلّا أن ما لا يعرفه هؤلاء هو أنّ في لبنان ما يزيد على مئتي حضانة غير مرخّصة، إضافة إلى أن الحضانات المرخّصة قد لا تتمتّع بالمواصفات التي نصّ عليها المرسوم رقم 12286 الصادر بتاريخ 15/4/2004.
وكان هذا المرسوم قد فرض على كل حضانة وجود غرفة إدارة واستقبال، غرفة نوم للأطفال، غرف لعب، غرفة طعام، غرفة عازلة للمرضى، مطبخ، حمام، مراحيض... إضافة إلى تفاصيل أخرى عن هندسة دار الحضانة. إذ يجب أن لا يقلّ ارتفاع سقفها عن ثلاثة أمتار، وأن تفرش الأرض المبلّطة بمادة لدنة، وأن تكون التهوئة والإضاءة جيّدتين. كما يجب على الجهاز العامل في الحضانة أن يتألف من ممرضة مجازة، مساعدة ممرضة لكل عشرة أطفال لا يمشون، حاضنة ومساعدة حاضنة وخادمة لكل عشرين طفلاً يمشون، إضافة إلى طبيب مجاز.
غير أن نظرة إلى واقع الحضانات تثبت أن هذه الشروط غير متوافرة في معظمها، في ظل تقصير واضح من وزارة الصحة اللبنانية في مراقبة الحضانات والتساهل مع تلك التي لا تستوفي الشروط..
وشهد لبنان في السنوات الأخيرة أربع حالات وفاة لأطفال في حضاناتهم، في مناطق، بتغرين والنبطية والمنصورية، ليتبيّن أن هذه الحضانات لا تستوفي أياً من شروط الترخيص، أو أنها قدّمت معلومات كاذبة في ملف طلب الرخصة، كما حصل مع حضانة «عروس البحر الصغيرة» التي توفّيت فيها الطفلة بيرلا أبو عبود، إذ كانت صاحبة الحضانة قد أوردت في الملف أن الحضانة ستديرها مسؤولة حائزة إجازة في علم النفس، تنوب عنها سيدة حائزة شهادة اختصاص في التربية الحضانية، إضافةً إلى حاضنة حائزة الشهادة الأخيرة، ومساعدة لهذه الحاضنة، فضلاً عن ممرضة مجازة بدوام كامل. كما ذكرت أنها تعاقدت مع طبيبة أطفال لمعاينة أطفال الدار دورياً وعند الاقتضاء. وهو ما يفرضة المرسوم. إلا أن الواقع كان مخالفاً، إذ تبيّن في التحقيق أن الموظفين في الحضانة لا يستوفون الشروط العلمية والمهنية التي تخوّلهم العمل.
ولكن ما هي الطريقة المثلى لاختيار الحضانة؟ سؤال أجاب عنه نقيب أصحاب الحضانات المختصة، شربل أبي نادر، أكثر من مرة، إذ طلب من الأهل أن يزوروا أكثر من حضانة، وأن يطلبوا رؤية الترخيص، والسؤال عن برنامج الحضانة والتدابير المتخذة لحماية الأطفال. كذلك يفترض بالأهل أن يعرفوا الأشخاص العاملين في الحضانة ويتأكدوا من كفاءتهم ومؤهّلاتهم وخبرتهم في هذا المجال.