لبنان يتدفّأ بوسائل القرن التاسع عشر
التدفئة في طرابلس: مزيج وسائل للتوفير..
عدد كبير من عائلات طرابلس ستعتمد الفحم هذه السنة (مروان طحطح)عدد كبير من عائلات طرابلس ستعتمد الفحم هذه السنة (مروان طحطح)لا يعاني أهل الساحل برداً قارساً لدرجة يتحوّل معها تأمين التدفئة في فصل الشتاء إلى موضوع دراماتيكي للفقراء. لكن، بما أن الحرارة تتناقص كلما اتجهت شمالاً، يتحوّل موضوع تدفئة الشتاء إلى أساسيّ في طرابلس مثلاً، التي تقلّ درجة حرارتها 4 درجات عن حرارة العاصمة المعتدلة. ويصبح القرار باعتماد واحدة أو أكثر من وسائل التدفئة المتوافرة، أساسياً في تحديد ميزانية الشتاء
ديما شريف
«لا أطفئ المكيّف، بس بيصير ع الساخن أكيد: من أول تشرين حتى نهاية آذار» تجيب شادية طقان، السيدة الستينية الطرابلسية، عن سؤالنا عن أيّ وسيلة تدفئة ستعتمد هذا الشتاء. وتؤكد طقان أن لا شيء ينفع مع برد عاصمة الشمال إلّا المكيّف. لا تكترث السيدة لفاتورة الكهرباء المرتفعة، فهي تعوّدتها، لأنها تريد أن تعيش مرتاحة كما تردّد. وتضحك عندما تخبرنا كيف عارضت تركيب مكيف منذ 10 سنوات، عندما قرر ولداها إهداءها إياه في عيد الأم، لكنها لا تستطيع العيش دونه اليوم، وخصوصاً في فصل الشتاء. جارتها، أمينة كبّارة، تستعمل المكيف أيضاً للتدفئة شتاءً ولكن لفترة وجيزة مساءً لتدفئة غرفة النوم، وتعتمد على مدفأة الغاز لأنها ترتاح لها أكثر، وتستطيع أن تسخّن الأكل عليها كما تقول. وتؤكد الجارتان أنهما رفعتا نسبة اشتراكهما في مولّد الكهرباء إلى عشرة «أمبيرات» حتى لا تحرما نفسيهما استعمال المكيّف، صيفاً وشتاءً.
هاتان السيدتان تمثّلان حالة استثنائية في طرابلس «أم الفقير»، لكونهما ميسورتي الحال، وتستطيعان تحمّل كلفة فاتورة كهرباء، واشتراك مولّد، في ارتفاع دائم. ولكن أغلبية العائلات الطرابلسية تضطر إلى التأقلم مع الوضع المعيشي والارتفاع في الأسعار الذي يطرأ دائماً على المحروقات، لاختيار وسيلة التدفئة الأنسب لصحة أفرادها وجيبهم.
قرر محمود هوشر، وهو أب لخمسة أولاد يتعلمون في مدارس خاصة، أن يتخلى منذ سنوات عن المدفأة الكهربائية، والاستعاضة عنها بأخرى «على الغاز لكونه أوفر». ولكن مع ارتفاع أسعار الغاز، اتخذ محمود قراره السنة الماضية بالعودة إلى «منقل الفحم»، بعدما قاربت فاتورة قوارير الغاز المئة ألف ليرة في الشهر. «أولادي أحقّ. تلزمهم حاجيات كثيرة للمدرسة في الشتاء، وأفضّل صرف هذا المبلغ على ذلك». يتدخل حسين ابنه، ذو الثلاثة عشر عاماً، ليقول إنّه شاهد على «قناة الديسكوفيري» أنّه مع الاحتباس الحراري «ما عادت الشتوية كتير باردة».
زياد الأحمد من جهته، يحتفظ «بالمنقل للزينة فقط» كما يقول. ولا يسمح لزوجته باستعماله لأنّ «الفحم والدقّ» يضران بالصحة. تعتمد عائلة زياد على المدفأة الكهربائية لتدفئة غرف النوم، ومدفأة الغاز لغرفة الجلوس. «نحتاج إلى ثلاث قوارير غاز في الشهر، لأننا لا نطفئ المدفأة إلا عند الذهاب إلى النوم»، يؤكد زياد، الذي احتسب إلى جانب سعر القوارير، فاتورة الكهرباء الناتجة من استخدام تلك التي تعمل على الكهرباء، فوجد أنّها أوفر من استخدام المكيف الذي يتركه لفصل الصيف. وتعترض زوجته دائماً حيث إنهم لا يستطيعون أكل الكستناء إلا لماماً «لأنّ زياد يكره غبرة الفحم ورائحته». وترى أن ضرر مدفأة الغاز والمنقل سيّان.
عائلة زياد ليست وحدها التي تعتمد مزيجاً من أنواع التدفئة للتوفير. فجورجيت خوري وزوجها اللذان يسكنان في مدينة الميناء، اعتمدا على وسيلتي الكهرباء والفحم اللتين يعتقدان أنهما الأوفر. أما المدفأة الكهربائية، فيستخدمانها لفترة وجيزة عند اشتداد البرد والرطوبة، فيما الاعتماد بشكل كبير على «منقل الفحم». وتعترض جورجيت على الغش الذي يقوم به أحياناً بائعو الدق والفحم، ففي مرات عديدة اضطرت إلى رمي ما اشترته «لأنه رطب جداً ولا يشتعل». وترفض جورجيت استعمال مدفأة الغاز التي تملكها منذ بداية زواجها، لخوفها من زيادة المصروف. «يكفينا ما نشتريه من قوارير للطبخ شهرياً. وسعر الجرة الجديدة (فراغة + غاز) أصبح تسعين ألفاً. أستطيع أن أشتري بهذا كمية كبيرة من الفحم».
وتمثّّل العائلات التي تستعمل أكثر من نوعين من التدفئة حالات قليلة. كعلي الكردي وزوجته اللذين يستخدمان مدفأة على الكهرباء في غرف النوم والحمام، وعلى الغاز في غرفة الجلوس إلى جانب «المنقل» الذي لا بد منه. «لا شيء يدفّئ مثل الفحم» يؤكد علي، فيما زوجته تقول إنّهم يوفّرون صيفاً لفاتورة التدفئة في الشتاء، التي يرتفع رقمها من سنة لسنة «ولكن لا يهمنا لأن صحة الأولاد أهم من الأموال».
ولكن يظهر بعد جولة على عدد من المنازل اعتماد عدد كبير من العائلات على التدفئة التقليدية، على الفحم لارتفاع سعر الغاز. ويؤكد هؤلاء أن استهلاك الغاز وشراء المدافئ في تراجع. تقول ربى صباغ إنّها أعطت مدفأتين على الغاز كانت تملكهما لشقيقها لأنها لم تستعملهما منذ موسمين لكونها لم تعد تستطيع تحمل مصروفهما.
موضوع ينفيه مصطفى العلي وهو صاحب متجر متخصص في بيع الأدوات الكهربائية. قبل فصل الشتاء يضيف مصطفى إلى مجموعة المدافئ الكهربائية في متجره، أخرى على الغاز. ويؤكد أنّ نسبة المبيع لم تنخفض بشكل كبير في السنوات الماضية، وهو لا يزال يبيع تقريباً العدد نفسه سنويّاً مع انخفاض بسيط جداً لا يتعدى الواحدة أو الاثنتين. ولكن يلاحظ مصطفى أنّ عدداً كبيراً من الزبائن يسألون دائماً عمّا «تصرفه المدفأة الكهربائية قبل شرائها». ويؤكد مصطفى أنه حتى النساء من زبائنه يردّدن السؤال التقليدي «كام واط بتصرف هالدفاية؟» عند اختيار واحدة. ويلاحظ أن الأغلبية تشتري تلك التي يمكن التحكم في درجة حرارتها، أي التي تحتوي مستويين أو أكثر من الحرارة.
أما أبو فادي شعراني، وهو بائع فحم ودق في أحد شوارع طرابلس، فيقول إنّه يسمع عن تخلي الناس عن المدفأة الكهربائية، وتحوّلهم إلى الفحم دون أن يرى نتيجة ملموسة في نسبة المبيع في متجره. «منذ عشر سنوات وأنا أبيع بالنسبة نفسها. لم تتغيّر هذه النسبة حتى مع ارتفاع أسعار الغاز والكهرباء. والناس لن يتخلّوا عن وسائل التدفئة ولو اضطروا إلى الأستدانة، أليس كذلك؟ ». يسأل.
عكّار: بين تشرين وتشرين شتاءٌ ثانٍ
عكار ــ خالد سليمان
فاجأ هطول الأمطار المبكر سكان قضاء عكار الذين لفحتهم موجات الصقيع العام الماضي، ما أدى إلى مقتل شخص وإتلاف محاصيل زراعية، فيما أدى ارتفاع أسعار المازوت إلى الإقبال على شراء الحطب وتخزينه منذ الصيف. في قرى سهل عكار الطقس دافئ نسبياً. لكن بواكير الشتاء جعلتهم يستعدون لفصل قاسٍ، حيث غمرت المياه معظم السهل، وبدأت رياح الشمال تهبّ ليلاً في خريف المنطقة.
خضر عثمان، من بلدة القليعات، يستخدم مدافئ الغاز، وقال لـ«الأخبار» إنه بصدد شراء حاجته من خشب الليمون للتدفئة هذا العام، شارحاً أنه أقل كلفة (طن خشب الليمون بمئة ألف ليرة) وضرراً على الصحة العامة، منتقداً استخدام المدافئ الكهربائية التي تؤدي إلى التعليق، وبالتالي فصل المحول الكهربائي وانقطاع التيار، حيث «بتنا تحت رحمة مستخدمي هذه المدافئ».
لا تنفع مدافئ المازوت والكهرباء في ردع الصقيع القارس في قرى جرد عكار. وبدأ الأهالي في تجميع الخشب منذ حزيران الماضي. وتقول أم وليد حمود، وهي تجمع الخشب: «ما بين تشرين الأول وتشرين الثاني هذا العام شتاء ثانٍ، لا صيف ثانٍ كما يقول المثل»، متوقعة أن يكون الشتاء قاسياً وطويلاً. وتضيف أنها تنتظر بونات المازوت من صندوق الزكاة الذي وزع العام الماضي حصصاً على الفقراء. في القبيات وعندقت يعمد بعض الأهالي إلى تجميع بقايا الغابات المحترقة صيفاً رغم تشدد مأموري الأحراج في ضبط المخالفات. وما سلم من النيران لم يسلم من عمليات القطع العشوائية، ما أدى إلى مشاكل في القبيات بين مجلس البيئة والأهالي الذين قطعوا مئات الأشجار على طريق القطلبة بحجة توسيع الطريق.
أما سكان المناطق الحدودية، فبدأوا بشراء الخشب السوري المهرب منذ الصيف الفائت (الطن بين 5آلاف و7 آلاف ليرة سورية). ومن كان ميسوراً خزّن حاجته من المازوت السوري المهرب (21 ألف ليرة) بعدما وصلت إلى 33 ألف ليرة بداية الصيف مع ارتفاع أسعار المحروقات عالمياً. ولا يخفي علي السعيد من بلدة العماير الحدودية ندمه من التسرع في شراء كميات كبيرة من الحطب بداية الصيف خشية ارتفاع أسعاره، فيما اليوم تتراجع أسعار المشتقات النفطية إلى ما دون أسعار الخشب، الأمر الذي دفعه إلى شراء برميلي مازوت احتياطاً.
شعلات «جبل الرفيع» تخفّف عن كاهل البيئة
إقليم التفاح ــ كامل جابر
بدأت شعلات «جبل الرفيع» تأخذ موقعها في مؤونة وقود الشتاء، بعد تجربة ناجحة في عربصاليم، استفادت من «جفت» الزيتون، فخفّفت عن كاهل الأحراج. ولأن الفكرة نجحت، أصبحت معاصر زيتون منطقة إقليم التفاح غير معنية بالبحث عما يريحها من بقايا الزيتون؛ ففي المصنع المعني في عربصاليم، هناك من يتكفل أمر «الجفت» بعد «الحجز» المسبّق عليه. ما جعل سعر الطن «الخام» منه يرتفع من 23 دولاراً للطن المستقدم احتياطاً من سوريا، إلى 40 دولاراً في المعاصر هنا.
استقدم أصحاب المصنع مكبس الجفت من تركيا، قبل الشتاء الماضي، وبدأ العمل بنحو 300 طن من الجفت الخام. «صار المكبس يعطينا بين 30 و40 حبة (شعلة) في الدقيقة؛ ونحتاج إلى نحو ثلاثة أطنان يومياً. وبسبب الإقبال الشديد عليها وتهاود سعر الشعلات، بعنا كل ما لدينا، واستعنّا بنحو 200 طن من سوريا»، كما يقول مدير المصنع محمد حسن نظر، الذي يميّز بين جفت زيتون سوريا وجفت لبنان «فالأول يُستخدم في صناعة الصابون وتُستنفذ منه مادة الزيت، لذلك يكون اشتعاله بطيئاً، ويحتاج إلى حطب يساعده على هذا الاشتعال؛ أما الثاني، فيبقى فيه واحد في المئة يساعد على احتراق رائع من دون دخان». تكفي الشعلة الواحدة المكبوسة من جفت الزيتون لنحو ساعة ونصف ساعة من الاشتعال المتواصل، مع حطب أو من دونه. ويمكن أن لا تتجاوز حاجة المنزل منه طوال فصل الشتاء إلى طنين، أي نحو 1800 حبّة لكل الموسم. ويختلف سعر الحبة الواحدة بين معلّب وغير معلّب «فالصندوقة الواحدة التي تتّسع لـ12 حبة بأقل من دولارين، والطن بمئة وخمسين دولاراً، يصير بمئة دولار، بالبيع المفرّق، أي بالأكياس». بحسب تأكيد نظر.
لا خوف على الشعلة المضغوطة بنسبة عالية جداً تحوّلها إلى شبه خشبية، من المطر أو تسرّب المياه «فهي لا تتفكّك بسهولة، وسرعان ما تعود إلى طبيعتها وفعلها بعد جفافها، وهي لا تحتاج إلى مكان شاسع للتخزين، فحجمها يتوزّع بين طول لا يتجاوز 20 سنتيمتراً وقُطر لا يتجاوز 7 سنتيمترات، ووزن يبلغ كيلوغراماً واحداً ونصف أوقية».
ولأن البعض حاول استغلال هذه المادة واحتكارها، قرر مصنع عربصاليم أن لا يبيع أكثر من طنين اثنين للمنزل الواحد، «يكفيان مؤونة الشتاء؛ لقد قام مصنع آخر في منطقة حاصبيا، بعد مصنعنا بمحاولات جيدة، لكن الضغط على مصنعنا، جعلنا نخطّط لإنتاج أكثر من 500 طن في الموسم، وبعد اتصالات بمعاصر الجنوب، يمكن أن نستغني عن الاستيراد من سوريا». ولأن للجبل الرفيع، المنتصب فوق عربصاليم مكانة احتلها بفضل عمليات المقاومين «أطلقنا على منتجنا اسم جبل الرفيع»، ويتساءل: وهل من اسم يخفّف عن أحراج المنطقة، ويريح أصحاب المعاصر من جفت الزيتون أفضل من جبل الرفيع؟».
تدفئة بـ«صرامي» وزيت محروق وروث البقر
راجانا حمية
يصحو محمد رياض، وهو الاسم الذي يناديه به أبناء حيّه في بلدته طاريّا البقاعية، قبل شمس الصباح بقليل. يفتح عينيه وينهض بسرعة كما لو أنه لم يكن نائماً. على عجل، ينتعل حذاءه الحاضر دائماً إلى جانب الفراش، ويحمل عدّته التي لم تتعدَّ يوماً كيساً كبيراً من «النايلون». يبدأ محمد «مشواره» من حيّه، متنقّلاً بين بيوت الجيران، يجمع في كيسه ما يجده في الطريق، وأمام تلك البيوت من أحذية قديمة. وإذا ما اكتفى بـ«غلته»، يتوقف، وإلّا فإن جولته تمتد إلى الأحياء المجاورة. لدى عودته، يجد محمد عائلته منتظرةً قدومه. فهي تتّكل عليه من أجل إيجاد وقود «مبتكر» للمدفأة: ما جمعه من «صرامي». لم يتوقّف محمد يوماً عن جمع الأحذية القديمة واستخدامها للتدفئة وصدّ العوز، قبل «ارتفاع أسعار المحروقات في العالم» وقبل الأزمة الماليّة العالمية! وإن كان محمد استثناءً في بلدته طاريّا في ذلك الوقت، حيث لم يكن الأهالي، قبل 10 سنوات مثلاً، يحسبون للتدفئة حساباً، لأسباب كثيرة، لعل أهمها أسعار المحروقات التي لم تتعدَّ في حينها الحدّ المعقول، لكن الوضع اليوم اختلف. فمع الارتفاع الجنوني لسعر مادّة المازوت، التي يستخدمها أهالي البقاع في التدفئة بشكل كبير، تبدو العودة إلى تقنيّات البؤس التي اخترعها محمّد رياض قبل نحو 10 سنوات ممكنة، أو في بعض الأحيان ضرورية. هكذا بعد «صرامي» محمّد رياض، قد تسجل نجلاء حميّة «اختراعاً» آخر في مجال تدفئة الفقراء. فهي تدخل هذا الشتاء عامها الثالث في استعمال مادّة «زيوت السيّارات المستعملة» في التدفئة. انطلقت نجلاء في فكرتها، من «نار أسعار المحروقات من جهة، ومن وفرة هذه الزيوت في منزلنا من جهة أخرى»، لكونها باقية من استخدام عدة الآت زراعية. تتذكّر نجلاء أنّها في إحدى السهرات كان البرد قارساً، ولم يكن في إمكانها شراء المازوت لإشعال المدفأة، لأنّ الوقت كان متأخّراً جدّاً، فلم تجد أمامها خياراً سوى استعمال «الزيت المحروق»، الذي كان يستعين به شقيقها إبراهيم في سهراته. طوّرت نجلاء الفكرة في العام التالي، فباتت «خبيرة في التدفئة على الزيوت لأنه يخدم كثيراًَ»، كما تقول. فعمدت إلى صناعة مدفأة خاصّة، مكوّنة من «تنكة موصولة بقسطل من الحديد المثقوب من جميع الجهات، لتسريع عمليّة الإشعال والتهوية». أمّا تقنيّات إشعال المادّة، فأسهل ما يكون: «تعبئة التنكة بحوالى ليتر من الزيت المحروق وإشعالها بعود ثقاب، والاستمتاع بسهرة تطول خمس ساعات أحياناً». وأخيراً فكّرت نجلاء في تطوير مدفأتها «بحيث أوصيت صاحب أحد المحالّ التجاريّة على مدفأة من الحديد».
ولا تتوقف ابتكارات الفقراء التي تعيد «المجد» إلى وسائل قديمة. إذ ابتكرت أم وسام، أو بالأحرى أعادت اكتشاف التدفئة والطبخ على «روث البقر». فقد عمدت إلى وضع روث أبقارها في بئرٍ عميقة، وفي كلّ يوم تقوم بخضّ المادّة، التي يتولّد من حركتها تلك انبعاث غاز ما فتقوم بإشعاله وطهو الطعام. هذه التقنيّة التي بدأت في الصين، تحطّ في طاريّا هذا العام، لكنّها لا تقف عند هذه الحدود، حيث تقوم أم وسام، في بعض الأحيان بـ«تطبيع الزبل، وتنشيفه، ومن ثمّ استعماله في موقد التدفئة».
هذه بعض تقنيّات البؤس في طاريّا، لكن، ما لم يكن في الحسبان أنّ خدمات التدفئة، التي يصنّفها أهل البلدة مجانية، كادت تقتل في فترة سابقة مخترعها الأوّل: محمّد رياض، وقد تفعل ذلك الآن. هنا، يشير رئيس مؤسّسة خبراء حماية الصحّة والبيئة، ضومط كامل، إلى الخطر الذي تنتجه هذه الوسائل، حيث «تؤدّي الغازات الكيميائيّة المنبعثة من اشتعال الزيوت المستعملة والكاوتشوك إلى زيادة الإصابة بالسرطان وقتل المناعة في الجسم».
بين الجيب والصحة
لا يقف الاحتيال على الأزمة المادية للتدفئة بالعودة إلى الوسائل القديمة التي للأجداد الفضل في اختراعها، مثل روث البقر. إذ إنّ بعض الأهالي في منطقة البقاع، الباردة جدّاً، عمدوا إلى استخدام موادّ هي بالحقيقة قاتلة للصحّة، بدلاً من الجيب! وقد بدأت مادّة «الفحم الحجري» ومنذ أكثر من موسمين، تشقّ طريقها في عدد من القرى البقاعيّة، إضافةً إلى طاريّا، ومن هذه القرى الكرك والنبي شيت ورياق بعلبك ودورس وحورتعلا وكفردان وكفردبش وغيرها. ولئن كانت هذه المادّة غير مجّانية، كما الأحذية وروث البقر، فإنّها في رأي الكثير من الأهالي «أوفر من المازوت»، ولو كان على حساب صحتهم، إذ تبيّن بعض الدراسات أن التعرّض لمستويات عالية من مادة ثاني أوكسيد الكربون الموجودة في الفحم الحجري تؤدّي إلى أمراض كثيرة منها الربو وضيق الجهاز التنفّسي.