برغم الخوف من الألغام: تفاؤل بموسم يعوّض خسائر ١٠ سنوات عجاف
سجلت أسعار الزيتون والزيت في حاصبيا ارتفاعاً مع بداية موسم العام الحالي تجاوز نسبة الخمسين في المئة، للمرة الأولى منذ ما يزيد على عشر سنوات، وذلك أساساً لكون نوعية الموسم أفضل من الأعوام السابقة.
ويجمع مزارعو حاصبيا والعرقوب على أن موسم زيتون هذا العام هو الأفضل منذ أكثر من ربع قرن إن لجهة النوعية أو الأسعار، معربين عن تفاؤلهم في أن تسهم أسعار منتجاتهم في تعويض خسائر الأعوام السابقة.
وتشير التقديرات الأولية للعاملين في القطاع ولمسؤولي التعاونيات الزراعية الى أن إنتاج الزيت للموسم الحالي قد يتجاوز عتبة المئة وعشرين ألف صفيحة من النوع الممتاز.
إلا أن خطر الألغام والقنابل العنقودية يأتي لينغص تفاؤل المزارعين بموسم مميز، مع وجود آلاف القنابل العنقودية التي نشرها جيش الاحتلال الإسرائيلي وسط مئات البساتين، وعند الطرقات المؤدية إليها.
بالإضافة إلى ذلك، يخشى المزارعون الكساد والعجز عن تصريف الإنتاج، خاصة بعدما تخلت الدولة عن دعمها المحدود لزراعة الزيتون.
موسم مميز
يتباهى مزارعو الزيتون في حاصبيا بنوعية زيتهم، فيصفونه بأنه الأفضل على صعيد لبنان ككل، وذلك بسبب جودة التربة والمناخ وامتناعهم عن استعمال الأسمدة الكيماوية.
وقد اكتسب مزارعو المنطقة خلال السنوات الماضية خبرات فنية وتقنية جديدة، تتعلق بكيفية القطاف وحفظ الزيتون ونقله، والفترة الزمنية التي تفصل بين قطفه وبين عصره، وصولاً إلى نوعية الأوعية المفضلة لتخزينه، وذلك بفضل عشرات البعثات الزراعية الأجنبية والعربية التي أقامت سلسلة ندوات حول زراعة الزيتون وسبل ووسائل تحسين إنتاجه.
كما أن عدداً من قرى حاصبيا تمكن على امتداد الأعوام العشرة الماضية من اقتناء معاصر أوروبية حديثة ومتطورة، بإمكانها استيعاب وعصر ثلث الإنتاج اللبناني بسهولة.
وفي دراسة مفصلة عن الزيتون في حاصبيا أعدتها التعاونيات الزراعية العاملة في المنطقة بالتنسيق مع بعض المؤسسات الخاصة، تبين أن عدد أشجار الزيتون في المنطقة وصل الى حدود المليون وأربعمئة الف شجرة، موزعة على حوالى خمسين الف دونم من الأراضي البعلية، بينها حوالى ٢٥٠ الف شجرة معمرة، يقدر إنتاجها من الزيت السنوي بحوالى المئة وخمسين ألف صفيحة سنة الحمل، والخمسين ألف صفيحة سنة المحل.
ووجدت الدراسة، وعنوانها »شجرة الخير إنتاج ومعاناة«، أن ما نسبته ستون في المئة من الإنتاج كان يصرّف في الأسواق المحلية اللبنانية، الا ان هذه النسبة انخفضت الى نحو ٤٥ في المئة خلال السنوات الأربع الماضية، وهناك تخوف من أن تنخفض النسبة هذا العام الى ما دون النصف، بسبب الأوضاع الاقتصادية التي تمر بها البلاد.
وحددت الدراسة كلفة إنتاج صفيحة الزيت بحوالى السبعين دولاراً، وكانت تباع في العام ٢٠٠٠ وقبله بحدود المئة دولار. أما على امتداد الأعوام العشرة الماضية ، فقد انخفض الثمن إلى حدود الكلفة تقريباً، بحيث بات المزارع مضطراً لبيع الصفيحة بسعر الكلفة تقريباً حتى لا تتكدس المواسم عاماً بعد عام.
إلا أن الوضع تبدل بشكل مفاجئ هذا الموسم حيث بيعت صفيحة الزيت بمئة دولار وفي بعض الأحيان تجاوز ثمنها حدود المئة دولار. أما كيلو الزيتون فيباع بنحو أربعة دولارات.
ويذّكر رئيس التعاونية الزراعية في حاصبيا رشيد زويهد بأنه ما بين العامين ١٩٩٨ و٢٠٠٠ كانت الدولة تشتري مئة ألف صحيفة زيت سنويا للجيش بسعر مئة وخمسة آلاف ليرة للصفيحة. وفي العام ،٢٠٠٣ خفض السعر الى ثمانين ألف ليرة لتتوقف بعدها عملية الاستيعاب بشكل نهائي بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية.
وأكد زويهد أن العديد من تجار الزيت بدأوا بالتوافد الى المنطقة هذا العام لحجز كميات كبيرة من زيتها، مما يوحي بأن الموسم سيكون في وضع مريح إذا نجا من المضاربة الخارجية.
مع ذلك ، يبدو أن حمل البساتين لم يكن متساوياً. ويشير المزارع محمد عبد اللطيف من مرج الزهور، الى انه »وعلى الرغم من اعتبار هذه السنة سنة حمل، الا ان بعض البساتين خيبت آمالنا. وعلى سبيل المثال، كان بستاني في الطرف الغربي للبلدة يعطي في سنة الحمل ٨٠ مداً وهذه السنة قطفنا منه ١٥ مداً فقط«.
يضيف أنه »لما سألنا كبار السن وأصحاب الخبرة عن هذه الظاهرة المغايرة للقاعدة لم يجزم أحد باجابة قاطعة إلا أنهم أشاروا إلى تغير الطقس، فخلال فترة العقاد كان الطقس حاراً مع رياح شمالية قوية اثرت على الزهر، في حين رد البعض السبب الى الشح في الأمطار والعطش الذي يضرب البساتين«.
بدوره، يقول الشيخ عزالدين عماشة أن موسم زيتون هذا العام يعد فوق الوسط، مع أن هذه السنة هي سنة حمل »وليس بمقدور أي من مزارعي المنطقة تحديد السبب في الخلل الحاصل في المعادلة الطبيعية المعهودة، أي سنة حمل وأخرى محل، والبعض يرد السبب الى التبدل والتغير بالمناخ، إلا ذلك يبقى في إطار الاستنتاجات الشخصية وليس له دلائل علمية تتطلب دراسة معمقة يجريها خبراء وفنيون ومهندسون زراعيون وهو غير متوفر في بلادنا«.
أما المزارع محمد أحمد يحيى (٨٥ عاما) من كفرشوبا، فيقول: الحمل مقبول هذه السنة وكنا نأمل ان يكون افضل، لكن يبدو ان القنابل الإسرائيلية خاصة الفوسفورية فعلت فعلها في ضرب شجرة الزيتون، فبدت أغصان بعض الشجار مصفرة وتميل الى اليباس وهذا ادى بالتالي الى نقص في الثمار.
يضيف »نحن هنا في العرقوب نجمع الزيتون المخلوط بالقنابل العنقودية، والله ينجينا من شرها. قبل المباشرة بالقطاف، أقوم مع أولادي بجولة في البستان بحثاً عن أي أجسام مريبة، الأمر الذي يستغرق نحو ساعة يومياً نضيعها«. ويقول يحيى إن الجهات المعنية والمتخصصة في نزع القنابل العنقودية »أزالت مشكورة المئات من القنابل، لكن عملها بطيء جداً ونأمل ان ينتهي الموسم على خير وبأقل خسائر بشرية ومادية ممكنة«.
أما رضا حسن شبلي، فيذّكر باسم مزارعي بلدة حلتا بمقتل الطفل رامي شبلي وجرح شقيقه خضر ونفوق عشرات رؤوس الماشية بسبب العنقودية، مشيرا إلى أن »عتبنا كبير على الجهات المسؤولة عن نزع الألغام والقنابل العنقودية، فعملها يسير ببطء. نقطف الزيتون في ظل خوف شديد، فقد جرفت السيول الكثير من القنابل والعشرات منها معلقة بالشجر«.