المازوت الانتخابي أمل المواطنين لتخطي برد الشتاء
لم يتوانَ عدد كبير من المواطنين في المتن الأعلى عن قطع الاشجار المثمرة لتأمين مستلزمات التدفئة، وإذا كانت »النار فاكهة الشتاء« بحسب المثل العربي القديم، فذلك يعني لمن قاسوا البرد والصقيع أن الدفء أكثر حاجة وضرورة، وإن اقتضى الأمر قطع شجر مثمر ما عاد »يسمن ولا يغني عن جوع«، ما يعكس واقعاً معيشياً مأزوماً بوجهين مختلفين، وإن كان يشكل إطارا واحداً لواقع مأساوي، بين قطاع زراعي يتهاوى ويندثر، وعجز المواطن عن تأمين مستلزمات التدفئة، فتتحول الأشجار المثمرة حطباً لمواقد الشتاء.
المواطنون هيأوا المواقد في عاليه والمتن الأعلى، لكن قلة منهم بدأت استخدامها، طالما أن البرد الحقيقي لم يطل بعد، مع تحول نسبة كبيرة إلى شراء مواقد (وجاقات) الحطب بديلاً عن المازوت، وكان هذا التحول عندما بلغت الاسعار رقما قياسيا، إذ وصل سعر برميل المازوت إلى نحو ٣٨ الف ليرة.
وثمة مشكلة طاولت عدداً كبيراً من المواطنين الذين عمدوا إلى شراء المازوت خوفاً من ارتفاع الاسعار أكثر. مروان زين الدين من المتن الأعلى، قال: أعمل بأجر يومي في مجال الدهان (طلاء جدران البيوت) واستدنت لاشتري ثلاثة براميل مازوت ثمن البرميل الواحد ٣٨٠ الف ليرة، واليوم اصبح سعر البرميل ٢٨٠ الفا، أريد ان اسأل المسؤولين في الدولة من يعوض علي ٣٠٠ الف ليرة؟ بالرغم من أنني سأكون بحاجة لشراء ثلاثة براميل أخرى.
ثمة مواطنون يجدون ان الفرصة سانحة لتأمين مستلزمات التدفئة، إذ يؤكد المواطن ع. س. أنه ينتظر »المازوت الانتخابي«، ويرى أن »الامر سيكون مجديا هذه المرة«، وقال: العام الماضي انعم الله علينا بالمازوت السياسي، بمعدل برميل للبيت الواحد، اما الآن فنتوقع ان تكون حصة البيت بمعدل ثلاثة براميل، لان التنافس بدأ، وهذا من مصلحتنا، وهي فرصتنا الوحيدة لنحصل على المازوت الانتخابي، ولا يهم ان كان من السعودية وايران او من بلاد الواق الواق، فقط ندعو الله ان تشتد المنافسة الانتخابية لنحصل ايضاً على »الزفت« للطرقات والمنح الدراسية لاولادنا. وأشار إلى »اننا لا نسخر ولكن يجب الاستفادة من هذا الوضع، لان المسؤولين لا يتذكروننا إلا في المواسم الانتخابية«.
تجدر الاشارة الى ان معدل استهلاك البيت الواحد من المازوت مع التقنين واعتماد مدفأة واحدة يصل إلى خمسة براميل كحد أدنى وثمانية براميل كحد أقصى، لذلك لم يتمكن أحد من ملء خزانات المازوت على أسطح المنازل.
وبالتوازي، فثمة مشكلة على مستوى أسعار الحطب ومخلفات الصنوبر الناجمة عن التقليم وبقايا الأكواز وكِسر حبات الصنوبر الصلبة، لانها ترتفع تلقائياً إلى مستوى سعر المازوت، حتى أن مخلفات الصنوبر أصبح مردودها المالي أكثر من الحبوب البيضاء، أي من الانتاج، بعد أن استعاض المواطنون عن المازوت بحطب الصنوبر الناجم عن عمليات التقليم ومخلفات عمليات الكسر والفرز، التي تستخدم في مواقد الحطب التي استعادها كثيرون من الأهالي بديلاً عن مدافئ المازوت، وأعادوا صيانتها لتتصدر قاعات الاستقبال في المنازل.
غير أن الإقبال على مخلفات الصنوبر، لم يحل المشكلة، حتى بدا الأمر كمن »يستجير الرمضاء بالنار«. فتزايدُ الطلب على كسر الصنوبر الصلب والأكواز والحطب، زاد في الأسعار إلى مستويات غير معهودة من قبل، لكنها تظل أقل كلفة من المازوت، فسعر الطن الواحد من حطب الصنوبر لم يكن يتعدى في الظروف العادية الثمانين دولاراً في حين وصل سعره مؤخراً إلى مئتين وخمسين دولاراً، وكانت »نسبة أهالي المتن الأعلى الذين يعتمدون الحطب العام الماضي نحو أربعين بالمئة ومن المتوقع ان تتعدى هذه السنة الثمانين بالمئة«، يقول المواطن جاد وهبة، ويشير إلى أن »سعر الطن الواحد من أكواز الصنوبر الفارغة لم يكن يتعدى الثلاثين دولاراً، فيما تجاوز الآن المئة وخمسين دولارا«، ولفت إلى أن »الأمر نفسه طاول كسر الحبوب السوداء التي كانت تباع بنحو أربعين دولاراً للطن الواحد، فيما قارب سعرها اليوم المئتي دولار«، ويؤكد وهبة أن »حطب السنديان بات من العملة الصعبة والطن الواحد يباع بسعر يتراوح بين ٢٠٠ و ٢٥٠ دولارا«، ولفت إلى أن »استخدام حطب السنديان يقتصر على الأثرياء الذين يعتمدونه لمواقد القصور والفيلات«، وأشار إلى أن »حاجة البيت الواحد مع الاقتصاد والتوفير هي بحدود أربعة أطنان من الصنوبر والكسر والأكواز أو إلى نحو طنين ونصف الطن من حطب السنديان الذي لا يمكن أن نطاله بسبب ارتفاع أسعاره«.
إلا أن المواطنين في غالبيتهم، غير قادرين على تأمين لا حطب الصنوبر ومخلفات الإنتاج ولا المازوت، ويشير أحمد زيتوني إلى أنه يؤمن »مستلزات التدفئة من جمع بقايا أغصان الصنوبر من الأحراج«، ولفت إلى أن »ما كان يبقى في أحراج الصنوبر من أغصان دقيقة، أصبح من الصعب العثور عليه بسهولة هذه الأيام«.
أما المزارع فادي شمعون فأشار إلى أن »كسر الصنوبر والأكواز والحطب الناجم عن التقليم أصبحت تضاهي الانتاج«، ولفت إلى أن »ما تنتجه شجرة صنوبر واحدة من الحب الأبيض بات أقل مردودية وربحا من حطب الصنوبر ومخلفات عمليات الكسر والفرز«، واعبر شمعون أن »هذا الأمر يساعدنا على تجاوز تبعات مشكلة تصريف الانتاج مع استمرار المنافسة وإغراق الأسواق المحلية بالصنوبر التركي والصيني«.
سميرة الاعور، قالت: لو لم يكن ابني الوحيد في الخليج لما كان في مقدوري تأمين الحطب، فأنا احتاج الى طنين ونصف الطن من الكسر فضلاً عما اجمعه من حطب من الاحراج القريبة، الا انني اتمكن من شراء أكثر من طن ونصف الطن، وثمن الطن الواحد ٢٥٠ دولارا، ولايصال الطن الى المنزل علينا ان ندفع عشرة دولارات لاحد العمال، فضلاً عن أن كلفة نقل الطن بالشاحنة الصغيرة يتراوح بين ٤٠ و ٥٠ دولارا، بحيث يصبح سعر الطن الواحد حوالى ٣٠٠ دولار.
أما سعيد العريضي، فأشار إلى أنه »لن يكون في مقدوري شراء لا الحطب ولا المازوت ولذلك سأعمد إلى شراء ما ينتج عن عصر الزيتون وهي مخلفات تعرف بـ (المهل) أو (الجفت) وتباع بأسعار بخسة بسبب صعوبة استخدامها«.
كل مواطن عمد الى مواجهة واقع الحال، ويبدو حتى الآن أن المواطنين سيعتمدون على الكهرباء »لانها باتت الوسيلة الاقل كلفة للتدفئة« يقول سامر ابو سعيد، ويضيف: مدافئ الكهرباء لا تؤمن تدفئة مهمة في شتاء الجبال لكن لا بد من التوفير، واستخدام المازوت عند انقطاع التيار الكهربائي.
رئيس »جمعية غدي« فادي غانم رأى أن »لهذه الأزمة حسنات رغم المعاناة الكبيرة التي تطاول الأهالي«، وأشار إلى أن »الإقبال على مخلفات الغابة الصنوبرية لتأمين الحطب، يساهم في إيجاد حل لمشكلة الحرائق، لأن هذه المخلفات تعتبر وقود الحرائق الأولى«، ولفت إلى أنه »قبل عقود طويلة كانت مساحات الأحراج أكبر وكانت الحرائق شبه معدومة بسبب أن المواطنين كانوا يعتمدون على مخلفات الغابة لتأمين حطب المواقد الحجرية التي كانت تتصدر بيوت الفلاحين«، وأشار إلى أن »أوراق الصنوبر الإبرية كان يتم جمعها لمواقد الصاج«.
وفي معظم الأحوال، ثمة أزمة حقيقية تطاول المواطنين، لكن الحطب بات أقل كلفة خصوصاً إذا ما لجأ المواطن إلى تأمينه من الغابات والأراضي المشاعية يوماً بيوم، وهذه هي حال النسبة الأكبر من المواطنــين، لكن البعض منهم لم يتوانَ عـن قطـع أشــجار معمرة.
أما ما يثير الاستغراب في هذا السياق، فهو لجوء بعض المواطنين والمزارعين الى قطع الاشجار المثمرة من تين وكرمة وتفاح وخرما لتأمين الحطب، وهذا حال بعض المزارعين ممن يرغبون في الابتعاد عن أنواع من الزراعات غير المجدية بسبب المنافسة وكساد المواسم الزراعية، وثمة ظاهرة تسترعي الانتباه، ذلك أن هذا الاجراء بات شبه معمم في العديد من قرى وبلدات المتن الاعلى وعاليه.
ويقول المزارع أنور حاطوم: عمدت إلى قطع بعض اشجار التفاح والتين، وأبقيت على الكرز والدراق، وسأولي اهتماماً بزراعة أنواع جديدة من الاشجار التي يمكن ان تؤمن مردودا مالياً مقبولاً. وتساءل: ما حاجتي لاشجار اصحت عبئا علي؟ وما حاجتي لاشجار الخرما مثلاً أو لاشجار التفاح؟ وأضاف: عز علي قطعها في البداية، لكنني سأفتش عن أنواع جديدة من الزراعات المجدية اقتصاديا.
من المتوقع مع اشتداد برودة الطقس ووصول العواصف الثلجية أن تكون ثمة معاناة لا يمكن للمواطن العادي تحمل تبعاتها، خصوصاً أن قلة من المواطنين استطاعت تأمين الحاجة المطلوبة لموسم الشتاء، ما يعني انه ستكون لهذه المشكلة فصول جديدة أشد وطأة عندما يبدأ موسم الصقيع والثلوج.