الخيام نسخة تجريبية · Khiyam v2
أخبار وذاكرة ومجتمع
← الأرشيف

الشاعرة أحلام زلزلة: جِهَةُ الخِيَام

2026/5/22 · أحلام محسن زلزلة · المقال رقم 53212
ضَاقَتِ الخَرِيطَةُ، حَتَّى غَدَتْ حِذَاءً ضَيِّقًا لَا يَتَّسِعُ لِخُطْوَةِ حَنِين. كُلُّ الشَوَارِعِ إِسْفَلْتٌ بَارِد، مَشَيْنَا فِيهَا طَوِيلاً، وَكَانَتْ خُطَانَا تَقْتَفِي أَثَرَ قَرْمِيدِك. فَالحَنِينُ: أَجْنِحَةٌ مِنْ طِينٍ يَطيرُ بِها القَلْبُ لِأَيِّ جِهَةٍ حَلَّقَ حَطَّ عَلَى تُرَابِ الجَنُوب. تَعْبُرُ الفُصُولُ بِلَا رَائِحَة، لَكِنَّ فِي البَالِ دُرُوبًا لَا تَخُون، تَقُودُنِي نَحْوَ الخِيَام. هُنَاكَ، الطَّرِيقُ يَحْفَظُ أَسْمَاءَ العَابِرِينَ، وَالجِبَالُ تُسْنِدُ ظُهُورَهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَتَغْزِلُ الشَّمْسُ خُيُوطَهَا مِنْ مَنَادِيلِ الأُمَّهَات. أَمَّا قَرْيَتِي، فَتَبْدَأُ مِنْ شِبَّاكِ جَارَتِنَا القَدِيمَة، وَتَنْتَهِي حَيْثُ تَضْحَكُ السَّمَاءُ فِي أَفْوَاهِ الأَطْفَال. فِي زَوَايَا الحَارَاتِ، تَرَكْتُ ضَحْكَتِي الطُّفُولِيَّةَ وَدِيعَةً عِنْدَ يَاسَمِينَةٍ لَا تَمُوت. هُنَاكَ، الشِّتَاءُ يُشَمُّ مِنْ دُخَانِ الحَطَب، وَالرَّبِيعُ مِنْ أَوَّلِ ضَحْكَةِ لَوْزَة، وَالنُّجُومُ أَقْرَبُ إِلَى البُيُوتِ مِنَ المَصَابِيح. تَعَلَّمْنَا أَنَّ الأَرْضَ تَدُور، لَكِنَّنَا فِي الجَنُوبِ نَعْرِفُهَا ثَابِتَةً كَجِذْعِ زَيْتُونَة، وَأَنَّ القَمَرَ إِذَا اكْتَمَلَ، أَطَلَّ مِنْ جِهَةِ الخِيَام. البُيُوتُ الَّتِي هَدَمَتْهَا المَدَافِعُ لَمْ تَسْقُطْ؛ مَا زَالَتْ مُعَلَّقَةً فِي الهَوَاءِ، تَكْتُمُ وَجَعَهَا فِي صَدْرِ الغَيْمِ حَتَّى يَهْطِلَ المَطَر. سَأَلْتُ السُّنُونُوَ العَائِدَ: "هَلْ مَا زَالَ المَقْعَدُ الخَشَبِيُّ تَحْتَ التُّوتَةِ يَنْتَظِر؟" فَأَوْمَأَ بِجَنَاحِهِ، وَقَالَ: "أَوْرَاقُهَا سَقَطَتْ شَوْقًا... لَا خَرِيفًا." سَأَخْلَعُ حِذَائِي عِنْدَ مَشَارِفِ بَلْدَتِي، كَيْ يَتَّصِلَ جَسَدِي مُبَاشَرَةً بِقَلْبِ الأَرْض. لَنْ نَحْتَاجَ لَافِتَاتِ تَرْحِيب؛ فَشَجَرُ الزَّيْتُونِ سَيَهُزُّ أَغْصَانَه، وَالتِّلَالُ سَتُفْسِحُ لِلْخُطْوَةِ الأُولَى طَرِيقَهَا. نَضَعُ آذَانَنَا عَلَى التُّرَاب، فَنَسْمَعُ الرَّاحِلِينَ يُقَلِّبُونَ مَفَاتِيحَهُمْ فِي بَاطِنِ الأَرْض. ثُمَّ تَنْهَضُ البُيُوتُ مِنْ غَفْوَتِهَا، وَتُفْتَحُ النَّوَافِذُ دُفْعَةً وَاحِدَة، كَأَنَّ الجَنُوبَ كَانَ يَتَدَرَّبُ عَلَى لَحْظَةِ عَوْدَتِنَا. فَالخِيَامُ لَا تُسْتَعَاد... بَلْ تَسْتَيْقِظُ فِي أَجْرَاسِ الزَّنَابِق. الكاتبة والشاعرة أحلام محسن زلزلة البلد: لبنان - (الخيام)