فايز أبو عباس: ذكريات من الماضي.. أيام الولدنة في الخيام (الحلقة الرابعة)
من رحلات الصيد والسباحة في نهر الحاصباني، إلى المطاحن المائية القديمة وينابيع الوزاني... يستعيد الأستاذ فايز أبو عباس في الحلقة الرابعة من ذكرياته صوراً من طفولة أبناء الخيام، حين كان النهر مقصداً للمغامرات واللعب واكتشاف الطبيعة. ويستكمل شهادته باستحضار جانب من تاريخ بلدة الغجر الحدودية، وما يرويه عن الظروف التي أحاطت بأهلها عقب حرب حزيران عام 1967.
نهر الحاصباني... مقصد الطفولة ومسرح المغامرات تبقى في ذاكرتنا، من أيام الطفولة في الخيام، رحلات صيد السمك إلى نهر الحاصباني، والسباحة في غدرانه، وما كانت تحمله تلك الرحلات من متعة ومغامرات لا تُنسى. كان النهر بالنسبة إلينا عالماً واسعاً من الاكتشاف، نقصد ضفافه مع رفاقنا، ونبحث بين صخوره وحجارته عن الأسماك، ونستمتع بمياهه الجارية وغدرانه العميقة، في أيام لم تكن فيها وسائل الترفيه الحديثة قد دخلت حياتنا. ولم يكن الحاصباني مجرّد نهر يروي الأراضي الزراعية، بل كان جزءاً من حياة أبناء المنطقة وذاكرتهم، ومصدراً للخير والعطاء، ومقصداً للنزهات والاستجمام.
الحاصباني... من ينابيع حاصبيا إلى وادي الأردن استمدّ نهر الحاصباني اسمه من منطقة حاصبيا، حيث تتدفّق ينابيعه في الوادي الواقع إلى الغرب من البلدة، لتجري مياهه جنوباً بين المرتفعات الجبلية المحيطة به. فمن جهة الشرق، يرتفع جبل حرمون، المعروف بجبل الشيخ، الذي كانت قممه في الماضي تبقى مكلّلة بالثلوج معظم أيام السنة، حتى خلال أشهر الصيف. ويشرف هذا الجبل الشامخ على بادية الشام شرقاً، ووادي الأردن جنوباً، ويطلّ غرباً على الجليل الأعلى وجبل عامل، فيما يشكّل أحد أبرز معالم السلسلة الجبلية الشرقية للبنان. أما من جهة الغرب، فتمتدّ المرتفعات والروابي من بلدات كوكبا وإبل السقي، وصولاً إلى التلال التي تحتضن بلدة الخيام وتحيط بها. وبين هذه المرتفعات، يشقّ الحاصباني مجراه، مستفيداً من الينابيع التي تغذّيه على امتداد الوادي، بعضها دائم الجريان، وبعضها الآخر موسمي يتدفّق خلال فصل الشتاء.
ينابيع الحاصباني والوزاني... مياه الحياة ومقاصد النزهات كان نهر الحاصباني دائم الجريان، تغذّيه ينابيع عديدة، من أبرزها نبع الوزاني الغزير، الذي يستمرّ عطاؤه طوال السنة، إلى جانب ينابيع موسمية، منها نبع «صريد» الذي تتدفّق مياهه في فصل الشتاء. وعلى امتداد النهر وينابيعه، أُقيمت المنتزهات والمقاهي التي اشتهرت بها المنطقة، وأصبحت مقصداً للزوّار من مختلف المناطق اللبنانية. وكانت تُقام فيها الحفلات والسهرات الغنائية والترفيهية، ولا سيما في المواسم التي تسمح فيها الأحوال الجوية بالاستمتاع بالطبيعة والمياه الجارية. وكان الحاصباني يتابع مجراه جنوباً باتجاه منطقة الحولة، حيث كانت توجد بحيرة الحولة ومستنقعاتها التي جرى تجفيف معظمها، فتحوّلت مساحات واسعة منها إلى أراضٍ زراعية تستثمرها إسرائيل في إنتاج المحاصيل المختلفة. ومن منطقة الحولة، تتابع المياه جريانها ضمن منظومة نهر الأردن باتجاه بحيرة طبريا. ومن روافد هذه المنظومة المائية أيضاً نبع بانياس، إلى جانب مصادر مائية أخرى في منطقة الجولان، ومنها ينابيع الحمة الكبريتية الحارة التي اشتهرت بمياهها المعدنية، وكان يقصدها الزوّار للاستحمام والاستشفاء.
نبع الوزاني... من مورد مائي إلى متنزّه لأبناء المنطقة يقع نبع الوزاني في الوادي المقابل لبلدة الغجر، بالقرب من الحدود اللبنانية، ويُعدّ من أبرز الموارد المائية في المنطقة. وقبل التحرير عام 2000، كانت مياه النبع تجري باتجاه الأراضي الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية، من دون أن يتمكّن لبنان من الاستفادة منها بالمستوى الذي تسمح به إمكاناتها. أما بعد التحرير، فقد بدأت مرحلة جديدة من الاهتمام بالنبع واستثمار مياهه، ولا سيما في تأمين مياه الشرب وريّ بعض بلدات جبل عامل. كما تحوّلت المنطقة المحيطة به إلى مقصد سياحي وترفيهي يرتاده أبناء الجنوب والزوّار من مختلف المناطق. وبحسب ما نستذكره من تلك المرحلة، أثارت هذه المشاريع اعتراضات إسرائيلية، ورافقتها مضايقات واستفزازات، تمثّلت في تسيير دوريات على الضفة المقابلة، وإطلاق النار في الهواء أحياناً، إضافةً إلى تقديم شكاوى إلى الأمم المتحدة. غير أنّ هذه الممارسات لم تمنع أبناء المنطقة من التمسّك بحقّهم في الاستفادة من مياه النبع، ولا من متابعة نشاطهم في محيطه.
صيد السمك... مغامرات الأطفال على ضفاف النهر نعود الآن إلى ذكرياتنا مع صيد السمك في نهر الحاصباني. كنّا، ونحن أطفال صغار، نسأل من هم أكبر منّا سنّاً عن أفضل الطرق والأساليب التي يمكن اتّباعها لصيد الأسماك. وكان كلّ واحد منّا يحاول اكتساب مهارة جديدة، أو معرفة مكان تختبئ فيه الأسماك، أو وسيلة تساعده على العودة إلى البيت بما اصطاده. ولم تكن لدينا أدوات الصيد الحديثة، بل كنّا نعتمد على ما نتعلّمه من أهلنا وأبناء المنطقة، وعلى ما نكتشفه بأنفسنا خلال رحلاتنا المتكرّرة إلى النهر. وكان من أشهر أساليب الصيد التي عرفناها ما كنّا نسمّيه «حجر على حجر».
«حجر على حجر»... طريقة شعبية لصيد الأسماك كانت بعض الأسماك تختبئ في الفراغات الموجودة تحت الصخور والحجارة الكبيرة المنتشرة في مجرى النهر، حيث تجد الحماية من التيار ومن الأخطار المحيطة بها. وكنّا نستغلّ هذه العادة، فنحمل حجارة صغيرة ونرميها على الصخور الكبيرة التي نعتقد أنّ الأسماك تختبئ تحتها. وكان ارتطام الحجارة بالصخور يُحدث اهتزازات وأصواتاً داخل الماء، فتفزع الأسماك وتخرج من مخابئها هاربةً في مجرى النهر. وعندها نحاول التقاطها بواسطة الشراك التي نكون قد أعددناها مسبقاً في الأماكن التي يُحتمل أن تمرّ منها. كانت طريقة بدائية، لكنها كانت تتطلّب معرفة بطبيعة النهر وأماكن وجود الأسماك، إلى جانب شيء من الصبر والمهارة وحسن التوقيت.
صيد السمك في الغدران... و«السكوكع» أما في الغدران، وهي المواضع العميقة من النهر التي تتجمّع فيها المياه على شكل برك طبيعية، فكانت هناك طريقة أخرى عرفناها في طفولتنا. كنّا نبحث عن جذور بعض النباتات البرية، ومنها نبتة كنّا نسمّيها «السكوكع»، ثم نسحق الجذور حتى تصبح أشبه بالعجين، ونلقيها في مياه الغدير. وكانت المواد التي تحتويها هذه الجذور تؤثّر في الأسماك، فتجعل بعضها يطفو على سطح الماء، فنتمكّن من التقاطه وجمعه. وكان الناس يعتبرون هذه الطريقة نوعاً من تخدير الأسماك، وقد عرفناها من الممارسات الشعبية المتوارثة في تلك الأيام. وهي من الأساليب القديمة التي نستعيدها اليوم بوصفها جزءاً من ذاكرة الطفولة، لا باعتبارها ممارسة يُنصح بتكرارها، نظراً إلى ما قد تسبّبه المواد النباتية المستخدمة من أضرار للأسماك وسائر الكائنات المائية. مطاحن الحاصباني... حين كانت المياه تدير حجر الرحى لم تقتصر أهمية نهر الحاصباني على توفير المياه للزراعة والشرب والصيد، بل شكّلت قوّة جريانه مصدراً للطاقة التي استخدمها الأهالي في تشغيل المطاحن القديمة. فقد انتشرت على امتداد الوادي، ولا سيما في المناطق القريبة من الخيام والماري، مطاحن مائية كانت تُستخدم لطحن الغلال والحبوب. ومن المطاحن التي ما زالت حاضرة في ذاكرتنا «مطحنة الكعتولي»، إلى جانب مطاحن أخرى عرفتها المنطقة. وكانت هذه المنشآت تعتمد على الاستفادة من انحدار مجرى النهر وقوّة تدفّق المياه. فكان يُقام سدّ صغير أو حاجز مائي، تتفرّع منه قناة توجّه المياه نحو المطحنة، حيث تهبط من مستوى مرتفع لتدير الآلية المتصلة بحجر الرحى. وبدوران الحجر، تُطحن الحبوب وتتحوّل إلى دقيق يُستخدم في إعداد الخبز وسائر الحاجات الغذائية. وكانت هذه الطريقة سائدة قبل انتشار المطاحن الآلية التي تعمل بالمحرّكات والوقود، والتي حلّت تدريجياً محلّ المطاحن المائية التقليدية. ولعلّ تلك المطاحن تمثّل اليوم جانباً مهماً من التراث الاقتصادي والتقني للمنطقة، وتذكّرنا بكيفية استفادة أهلنا من موارد الطبيعة لتأمين حاجاتهم المعيشية.
من ذكريات النهر إلى شهادة تاريخية عن بلدة الغجر وقبل أن نختتم حديثنا عن نهر الحاصباني، لا بدّ من التوقّف عند قضية بلدة الغجر الحدودية، التي ارتبط تاريخها الحديث بالتطورات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة، ولا سيما بعد حرب حزيران عام 1967. وأورد هنا ما أحتفظ به في ذاكرتي من روايات ومعلومات عن تلك المرحلة، حرصاً على نقل جانب من الأحداث التي عايشنا آثارها، وما تركته من انعكاسات على سكان المنطقة.
بلدة الغجر... موقع حدودي وقضية تاريخية معقّدة تقع بلدة الغجر في منطقة شديدة الحساسية من الناحية الجغرافية والسياسية، بالقرب من نبع الوزاني، وعلى تماسّ مع الحدود اللبنانية والأراضي السورية التي احتلّتها إسرائيل عام 1967. وقد ارتبطت قضية البلدة، كما قضية مزارع شبعا، بالخلافات المتعلقة بترسيم الحدود بين لبنان وسوريا، وبالتعقيدات التي نشأت عن التقسيمات والاتفاقات الحدودية خلال عهدَي الانتداب الفرنسي والبريطاني. ومن وجهة نظري، فإنّ بعض هذه التعقيدات يعود إلى نظرة سياسية قديمة كانت تحصر الاهتمام اللبناني بمناطق معيّنة، ولا تمنح الأطراف الحدودية، ولا سيما في الجنوب، ما تستحقّه من اهتمام سياسي وإنمائي وإداري. ويكفي النظر إلى الخرائط التاريخية للحدود اللبنانية السورية والفلسطينية لفهم مدى تعقيد الجغرافيا في تلك المنطقة، حيث تتداخل الأودية والمرتفعات والقرى ومجاري المياه ضمن مساحة محدودة. وقد ترك هذا الواقع آثاراً عميقة على مصير السكان الذين وجدوا أنفسهم، مع تغيّر السلطات المسيطرة على الأرض، أمام أوضاع سياسية وإدارية وأمنية بالغة الصعوبة.
حرب 1967... وانقطاع الغجر عن محيطها السوري بعد حرب حزيران عام 1967 واحتلال إسرائيل للجولان السوري، وجدت بلدة الغجر نفسها في وضع استثنائي. فبحسب الرواية التي أستذكرها، لم تدخل القوات الإسرائيلية البلدة مباشرة في المرحلة الأولى، بل تمركزت على مسافة تقارب الكيلومتر جنوبها، فيما انقطع اتصال السكان بالسلطات السورية في بانياس والقنيطرة نتيجة الاحتلال وإغلاق الطرق. وأصبح الأهالي أمام واقع جديد، بعدما فقدوا الطرق التي كانت تربطهم بمحيطهم الإداري والاقتصادي والاجتماعي. ولم يبقَ أمامهم، وفق ما ترويه هذه الشهادة، سوى محاولة التواصل مع السلطات اللبنانية عبر منطقة مرجعيون، سعياً إلى إيجاد منفذ يؤمّن لهم احتياجاتهم اليومية.
وفد من الغجر يزور قائمقام مرجعيون في تلك الظروف، توجّه وفد من أبناء بلدة الغجر إلى قائمقامية مرجعيون، طالباً من السلطات اللبنانية السماح بفتح طريق للتواصل مع لبنان. وكان مطلب الوفد، كما أستذكره، يتمثّل في تمكين سكان البلدة من تأمين حاجاتهم المعيشية، وإقامة علاقات اقتصادية واجتماعية مع محيطهم اللبناني، بعد انقطاع الاتصال بمناطقهم السورية السابقة. وقد أحال القائمقام الوفد إلى قائد المنطقة العسكرية آنذاك، العقيد نجّار، الذي تواصل بدوره مع قيادته العسكرية، وأجرى المراجعات اللازمة لدى الجهات السياسية والأمنية المعنية. إلا أنّ الردّ الذي تلقّاه الوفد، بحسب الرواية، جاء سلبياً، إذ لم توافق السلطات اللبنانية على فتح قنوات التعامل مع البلدة، سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية أو الاجتماعية. وهكذا عاد الوفد إلى الغجر خائب الأمل، بعدما تعذّر عليه الحصول على منفذ يساعد السكان على مواجهة ظروف العزلة التي فرضتها التطورات العسكرية.
من العزلة إلى التواصل مع الجانب الإسرائيلي أمام هذا الواقع، وجد أبناء الغجر أنفسهم في وضع صعب، بعدما انقطعت صلاتهم بالسلطات السورية، ولم يتمكّنوا من إقامة علاقات طبيعية مع لبنان. وبحسب ما وصل إلينا آنذاك، لجأ الأهالي إلى التواصل مع الجانب الإسرائيلي، الذي سمح بفتح بوابة تتيح لهم الحركة وتأمين بعض احتياجاتهم. ويُظهر هذا الجانب من الرواية كيف يمكن للقرارات السياسية والإدارية أن تؤثّر في مصير المجتمعات الحدودية الصغيرة، وأن تدفع سكانها إلى خيارات تفرضها عليهم الظروف الجغرافية والمعيشية، بعيداً عن إرادتهم الأصلية.
اتفاق القاهرة وتحوّلات المنطقة الحدودية استمرّت الأوضاع في المنطقة بالتغيّر خلال السنوات اللاحقة، ولا سيما بعد اتفاق القاهرة عام 1969 بين الدولة اللبنانية والمنظمات الفلسطينية، وما أعقبه من توسّع النشاط العسكري الفلسطيني في منطقة العرقوب، التي عُرفت لاحقاً باسم «فتح لاند». ومع تصاعد العمليات العسكرية والاشتباكات عبر الحدود، شهدت المنطقة مزيداً من التوتر والتدخلات الإسرائيلية. وبحسب الرواية التي أوردها، فقد ساهمت هذه التطورات في انتقال السيطرة الإسرائيلية إلى بلدة الغجر ومحيطها، ضمن مسار من التغيّرات الميدانية التي أثّرت في أوضاع البلدة وسكانها. وقد بقيت قضية الغجر، كما قضية مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، حاضرة في النقاشات المتعلقة بالحدود والسيادة والاحتلال الإسرائيلي.
الغجر... شهادة من الذاكرة ودعوة إلى التوثيق إنّ استعادة هذه الحادثة ليست خروجاً عن موضوع ذكريات الطفولة ونهر الحاصباني، بل تأتي من ارتباط النهر والينابيع والقرى الحدودية بتاريخ اجتماعي وجغرافي واحد. فالمناطق التي كنّا نقصدها في طفولتنا للصيد والسباحة والنزهات، شهدت لاحقاً تحوّلات كبيرة، وأصبحت بعض أسمائها مرتبطة بالخلافات الحدودية والاحتلال والحروب. وأرى أنّ من واجبنا أن ننقل إلى الأجيال الجديدة ما نعرفه وما نتذكّره عن تلك المرحلة، مع الحرص على استكمال الروايات الشفوية بالوثائق والخرائط والشهادات الأخرى. فهذه الأحداث ليست مجرد تفاصيل من الماضي، بل صفحات من تاريخ الجنوب، ومن العلاقة بين الإنسان وأرضه وحدوده ومصادر عيشه.
ذكريات لا تغيب... من ضفاف الحاصباني إلى ذاكرة الخيام تلك كانت بعض ذكرياتنا عن نهر الحاصباني، ورحلات صيد السمك والسباحة في غدرانه، وعن المطاحن المائية التي كانت تستفيد من قوّة جريانه، والينابيع التي شكّلت مصدر حياة لأبناء المنطقة. وهي ذكريات تعود بنا إلى زمن كانت فيه الطبيعة ملعبنا الكبير، وكانت رحلاتنا إلى النهر مغامرات ننتظرها بشوق، ونعود منها محمّلين بالحكايات والضحكات، وربما ببعض الأسماك التي نجحنا في اصطيادها. أما اليوم، فحين نستعيد تلك الصور، لا نستحضر طفولتنا وحدها، بل نستحضر معها تاريخ الأماكن التي عشنا فيها، والأشخاص الذين عرفناهم، والمشاهد التي تغيّرت بفعل الزمن والأحداث.
يبقى الحاصباني في ذاكرتنا نهراً للحياة والطفولة، وتبقى الخيام وأرضها وجوارها صفحات لا تنضب من الحكايات والذكريات.
وإلى لقاء آخر مع موضوع جديد من ذاكرة الخيام وأيام زمان.
فايز أبو عباس
نهر الحاصباني... مقصد الطفولة ومسرح المغامرات تبقى في ذاكرتنا، من أيام الطفولة في الخيام، رحلات صيد السمك إلى نهر الحاصباني، والسباحة في غدرانه، وما كانت تحمله تلك الرحلات من متعة ومغامرات لا تُنسى. كان النهر بالنسبة إلينا عالماً واسعاً من الاكتشاف، نقصد ضفافه مع رفاقنا، ونبحث بين صخوره وحجارته عن الأسماك، ونستمتع بمياهه الجارية وغدرانه العميقة، في أيام لم تكن فيها وسائل الترفيه الحديثة قد دخلت حياتنا. ولم يكن الحاصباني مجرّد نهر يروي الأراضي الزراعية، بل كان جزءاً من حياة أبناء المنطقة وذاكرتهم، ومصدراً للخير والعطاء، ومقصداً للنزهات والاستجمام.
الحاصباني... من ينابيع حاصبيا إلى وادي الأردن استمدّ نهر الحاصباني اسمه من منطقة حاصبيا، حيث تتدفّق ينابيعه في الوادي الواقع إلى الغرب من البلدة، لتجري مياهه جنوباً بين المرتفعات الجبلية المحيطة به. فمن جهة الشرق، يرتفع جبل حرمون، المعروف بجبل الشيخ، الذي كانت قممه في الماضي تبقى مكلّلة بالثلوج معظم أيام السنة، حتى خلال أشهر الصيف. ويشرف هذا الجبل الشامخ على بادية الشام شرقاً، ووادي الأردن جنوباً، ويطلّ غرباً على الجليل الأعلى وجبل عامل، فيما يشكّل أحد أبرز معالم السلسلة الجبلية الشرقية للبنان. أما من جهة الغرب، فتمتدّ المرتفعات والروابي من بلدات كوكبا وإبل السقي، وصولاً إلى التلال التي تحتضن بلدة الخيام وتحيط بها. وبين هذه المرتفعات، يشقّ الحاصباني مجراه، مستفيداً من الينابيع التي تغذّيه على امتداد الوادي، بعضها دائم الجريان، وبعضها الآخر موسمي يتدفّق خلال فصل الشتاء.
ينابيع الحاصباني والوزاني... مياه الحياة ومقاصد النزهات كان نهر الحاصباني دائم الجريان، تغذّيه ينابيع عديدة، من أبرزها نبع الوزاني الغزير، الذي يستمرّ عطاؤه طوال السنة، إلى جانب ينابيع موسمية، منها نبع «صريد» الذي تتدفّق مياهه في فصل الشتاء. وعلى امتداد النهر وينابيعه، أُقيمت المنتزهات والمقاهي التي اشتهرت بها المنطقة، وأصبحت مقصداً للزوّار من مختلف المناطق اللبنانية. وكانت تُقام فيها الحفلات والسهرات الغنائية والترفيهية، ولا سيما في المواسم التي تسمح فيها الأحوال الجوية بالاستمتاع بالطبيعة والمياه الجارية. وكان الحاصباني يتابع مجراه جنوباً باتجاه منطقة الحولة، حيث كانت توجد بحيرة الحولة ومستنقعاتها التي جرى تجفيف معظمها، فتحوّلت مساحات واسعة منها إلى أراضٍ زراعية تستثمرها إسرائيل في إنتاج المحاصيل المختلفة. ومن منطقة الحولة، تتابع المياه جريانها ضمن منظومة نهر الأردن باتجاه بحيرة طبريا. ومن روافد هذه المنظومة المائية أيضاً نبع بانياس، إلى جانب مصادر مائية أخرى في منطقة الجولان، ومنها ينابيع الحمة الكبريتية الحارة التي اشتهرت بمياهها المعدنية، وكان يقصدها الزوّار للاستحمام والاستشفاء.
نبع الوزاني... من مورد مائي إلى متنزّه لأبناء المنطقة يقع نبع الوزاني في الوادي المقابل لبلدة الغجر، بالقرب من الحدود اللبنانية، ويُعدّ من أبرز الموارد المائية في المنطقة. وقبل التحرير عام 2000، كانت مياه النبع تجري باتجاه الأراضي الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية، من دون أن يتمكّن لبنان من الاستفادة منها بالمستوى الذي تسمح به إمكاناتها. أما بعد التحرير، فقد بدأت مرحلة جديدة من الاهتمام بالنبع واستثمار مياهه، ولا سيما في تأمين مياه الشرب وريّ بعض بلدات جبل عامل. كما تحوّلت المنطقة المحيطة به إلى مقصد سياحي وترفيهي يرتاده أبناء الجنوب والزوّار من مختلف المناطق. وبحسب ما نستذكره من تلك المرحلة، أثارت هذه المشاريع اعتراضات إسرائيلية، ورافقتها مضايقات واستفزازات، تمثّلت في تسيير دوريات على الضفة المقابلة، وإطلاق النار في الهواء أحياناً، إضافةً إلى تقديم شكاوى إلى الأمم المتحدة. غير أنّ هذه الممارسات لم تمنع أبناء المنطقة من التمسّك بحقّهم في الاستفادة من مياه النبع، ولا من متابعة نشاطهم في محيطه.
صيد السمك... مغامرات الأطفال على ضفاف النهر نعود الآن إلى ذكرياتنا مع صيد السمك في نهر الحاصباني. كنّا، ونحن أطفال صغار، نسأل من هم أكبر منّا سنّاً عن أفضل الطرق والأساليب التي يمكن اتّباعها لصيد الأسماك. وكان كلّ واحد منّا يحاول اكتساب مهارة جديدة، أو معرفة مكان تختبئ فيه الأسماك، أو وسيلة تساعده على العودة إلى البيت بما اصطاده. ولم تكن لدينا أدوات الصيد الحديثة، بل كنّا نعتمد على ما نتعلّمه من أهلنا وأبناء المنطقة، وعلى ما نكتشفه بأنفسنا خلال رحلاتنا المتكرّرة إلى النهر. وكان من أشهر أساليب الصيد التي عرفناها ما كنّا نسمّيه «حجر على حجر».
«حجر على حجر»... طريقة شعبية لصيد الأسماك كانت بعض الأسماك تختبئ في الفراغات الموجودة تحت الصخور والحجارة الكبيرة المنتشرة في مجرى النهر، حيث تجد الحماية من التيار ومن الأخطار المحيطة بها. وكنّا نستغلّ هذه العادة، فنحمل حجارة صغيرة ونرميها على الصخور الكبيرة التي نعتقد أنّ الأسماك تختبئ تحتها. وكان ارتطام الحجارة بالصخور يُحدث اهتزازات وأصواتاً داخل الماء، فتفزع الأسماك وتخرج من مخابئها هاربةً في مجرى النهر. وعندها نحاول التقاطها بواسطة الشراك التي نكون قد أعددناها مسبقاً في الأماكن التي يُحتمل أن تمرّ منها. كانت طريقة بدائية، لكنها كانت تتطلّب معرفة بطبيعة النهر وأماكن وجود الأسماك، إلى جانب شيء من الصبر والمهارة وحسن التوقيت.
صيد السمك في الغدران... و«السكوكع» أما في الغدران، وهي المواضع العميقة من النهر التي تتجمّع فيها المياه على شكل برك طبيعية، فكانت هناك طريقة أخرى عرفناها في طفولتنا. كنّا نبحث عن جذور بعض النباتات البرية، ومنها نبتة كنّا نسمّيها «السكوكع»، ثم نسحق الجذور حتى تصبح أشبه بالعجين، ونلقيها في مياه الغدير. وكانت المواد التي تحتويها هذه الجذور تؤثّر في الأسماك، فتجعل بعضها يطفو على سطح الماء، فنتمكّن من التقاطه وجمعه. وكان الناس يعتبرون هذه الطريقة نوعاً من تخدير الأسماك، وقد عرفناها من الممارسات الشعبية المتوارثة في تلك الأيام. وهي من الأساليب القديمة التي نستعيدها اليوم بوصفها جزءاً من ذاكرة الطفولة، لا باعتبارها ممارسة يُنصح بتكرارها، نظراً إلى ما قد تسبّبه المواد النباتية المستخدمة من أضرار للأسماك وسائر الكائنات المائية. مطاحن الحاصباني... حين كانت المياه تدير حجر الرحى لم تقتصر أهمية نهر الحاصباني على توفير المياه للزراعة والشرب والصيد، بل شكّلت قوّة جريانه مصدراً للطاقة التي استخدمها الأهالي في تشغيل المطاحن القديمة. فقد انتشرت على امتداد الوادي، ولا سيما في المناطق القريبة من الخيام والماري، مطاحن مائية كانت تُستخدم لطحن الغلال والحبوب. ومن المطاحن التي ما زالت حاضرة في ذاكرتنا «مطحنة الكعتولي»، إلى جانب مطاحن أخرى عرفتها المنطقة. وكانت هذه المنشآت تعتمد على الاستفادة من انحدار مجرى النهر وقوّة تدفّق المياه. فكان يُقام سدّ صغير أو حاجز مائي، تتفرّع منه قناة توجّه المياه نحو المطحنة، حيث تهبط من مستوى مرتفع لتدير الآلية المتصلة بحجر الرحى. وبدوران الحجر، تُطحن الحبوب وتتحوّل إلى دقيق يُستخدم في إعداد الخبز وسائر الحاجات الغذائية. وكانت هذه الطريقة سائدة قبل انتشار المطاحن الآلية التي تعمل بالمحرّكات والوقود، والتي حلّت تدريجياً محلّ المطاحن المائية التقليدية. ولعلّ تلك المطاحن تمثّل اليوم جانباً مهماً من التراث الاقتصادي والتقني للمنطقة، وتذكّرنا بكيفية استفادة أهلنا من موارد الطبيعة لتأمين حاجاتهم المعيشية.
من ذكريات النهر إلى شهادة تاريخية عن بلدة الغجر وقبل أن نختتم حديثنا عن نهر الحاصباني، لا بدّ من التوقّف عند قضية بلدة الغجر الحدودية، التي ارتبط تاريخها الحديث بالتطورات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة، ولا سيما بعد حرب حزيران عام 1967. وأورد هنا ما أحتفظ به في ذاكرتي من روايات ومعلومات عن تلك المرحلة، حرصاً على نقل جانب من الأحداث التي عايشنا آثارها، وما تركته من انعكاسات على سكان المنطقة.
بلدة الغجر... موقع حدودي وقضية تاريخية معقّدة تقع بلدة الغجر في منطقة شديدة الحساسية من الناحية الجغرافية والسياسية، بالقرب من نبع الوزاني، وعلى تماسّ مع الحدود اللبنانية والأراضي السورية التي احتلّتها إسرائيل عام 1967. وقد ارتبطت قضية البلدة، كما قضية مزارع شبعا، بالخلافات المتعلقة بترسيم الحدود بين لبنان وسوريا، وبالتعقيدات التي نشأت عن التقسيمات والاتفاقات الحدودية خلال عهدَي الانتداب الفرنسي والبريطاني. ومن وجهة نظري، فإنّ بعض هذه التعقيدات يعود إلى نظرة سياسية قديمة كانت تحصر الاهتمام اللبناني بمناطق معيّنة، ولا تمنح الأطراف الحدودية، ولا سيما في الجنوب، ما تستحقّه من اهتمام سياسي وإنمائي وإداري. ويكفي النظر إلى الخرائط التاريخية للحدود اللبنانية السورية والفلسطينية لفهم مدى تعقيد الجغرافيا في تلك المنطقة، حيث تتداخل الأودية والمرتفعات والقرى ومجاري المياه ضمن مساحة محدودة. وقد ترك هذا الواقع آثاراً عميقة على مصير السكان الذين وجدوا أنفسهم، مع تغيّر السلطات المسيطرة على الأرض، أمام أوضاع سياسية وإدارية وأمنية بالغة الصعوبة.
حرب 1967... وانقطاع الغجر عن محيطها السوري بعد حرب حزيران عام 1967 واحتلال إسرائيل للجولان السوري، وجدت بلدة الغجر نفسها في وضع استثنائي. فبحسب الرواية التي أستذكرها، لم تدخل القوات الإسرائيلية البلدة مباشرة في المرحلة الأولى، بل تمركزت على مسافة تقارب الكيلومتر جنوبها، فيما انقطع اتصال السكان بالسلطات السورية في بانياس والقنيطرة نتيجة الاحتلال وإغلاق الطرق. وأصبح الأهالي أمام واقع جديد، بعدما فقدوا الطرق التي كانت تربطهم بمحيطهم الإداري والاقتصادي والاجتماعي. ولم يبقَ أمامهم، وفق ما ترويه هذه الشهادة، سوى محاولة التواصل مع السلطات اللبنانية عبر منطقة مرجعيون، سعياً إلى إيجاد منفذ يؤمّن لهم احتياجاتهم اليومية.
وفد من الغجر يزور قائمقام مرجعيون في تلك الظروف، توجّه وفد من أبناء بلدة الغجر إلى قائمقامية مرجعيون، طالباً من السلطات اللبنانية السماح بفتح طريق للتواصل مع لبنان. وكان مطلب الوفد، كما أستذكره، يتمثّل في تمكين سكان البلدة من تأمين حاجاتهم المعيشية، وإقامة علاقات اقتصادية واجتماعية مع محيطهم اللبناني، بعد انقطاع الاتصال بمناطقهم السورية السابقة. وقد أحال القائمقام الوفد إلى قائد المنطقة العسكرية آنذاك، العقيد نجّار، الذي تواصل بدوره مع قيادته العسكرية، وأجرى المراجعات اللازمة لدى الجهات السياسية والأمنية المعنية. إلا أنّ الردّ الذي تلقّاه الوفد، بحسب الرواية، جاء سلبياً، إذ لم توافق السلطات اللبنانية على فتح قنوات التعامل مع البلدة، سواء من الناحية الأمنية أو الاقتصادية أو الاجتماعية. وهكذا عاد الوفد إلى الغجر خائب الأمل، بعدما تعذّر عليه الحصول على منفذ يساعد السكان على مواجهة ظروف العزلة التي فرضتها التطورات العسكرية.
من العزلة إلى التواصل مع الجانب الإسرائيلي أمام هذا الواقع، وجد أبناء الغجر أنفسهم في وضع صعب، بعدما انقطعت صلاتهم بالسلطات السورية، ولم يتمكّنوا من إقامة علاقات طبيعية مع لبنان. وبحسب ما وصل إلينا آنذاك، لجأ الأهالي إلى التواصل مع الجانب الإسرائيلي، الذي سمح بفتح بوابة تتيح لهم الحركة وتأمين بعض احتياجاتهم. ويُظهر هذا الجانب من الرواية كيف يمكن للقرارات السياسية والإدارية أن تؤثّر في مصير المجتمعات الحدودية الصغيرة، وأن تدفع سكانها إلى خيارات تفرضها عليهم الظروف الجغرافية والمعيشية، بعيداً عن إرادتهم الأصلية.
اتفاق القاهرة وتحوّلات المنطقة الحدودية استمرّت الأوضاع في المنطقة بالتغيّر خلال السنوات اللاحقة، ولا سيما بعد اتفاق القاهرة عام 1969 بين الدولة اللبنانية والمنظمات الفلسطينية، وما أعقبه من توسّع النشاط العسكري الفلسطيني في منطقة العرقوب، التي عُرفت لاحقاً باسم «فتح لاند». ومع تصاعد العمليات العسكرية والاشتباكات عبر الحدود، شهدت المنطقة مزيداً من التوتر والتدخلات الإسرائيلية. وبحسب الرواية التي أوردها، فقد ساهمت هذه التطورات في انتقال السيطرة الإسرائيلية إلى بلدة الغجر ومحيطها، ضمن مسار من التغيّرات الميدانية التي أثّرت في أوضاع البلدة وسكانها. وقد بقيت قضية الغجر، كما قضية مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، حاضرة في النقاشات المتعلقة بالحدود والسيادة والاحتلال الإسرائيلي.
الغجر... شهادة من الذاكرة ودعوة إلى التوثيق إنّ استعادة هذه الحادثة ليست خروجاً عن موضوع ذكريات الطفولة ونهر الحاصباني، بل تأتي من ارتباط النهر والينابيع والقرى الحدودية بتاريخ اجتماعي وجغرافي واحد. فالمناطق التي كنّا نقصدها في طفولتنا للصيد والسباحة والنزهات، شهدت لاحقاً تحوّلات كبيرة، وأصبحت بعض أسمائها مرتبطة بالخلافات الحدودية والاحتلال والحروب. وأرى أنّ من واجبنا أن ننقل إلى الأجيال الجديدة ما نعرفه وما نتذكّره عن تلك المرحلة، مع الحرص على استكمال الروايات الشفوية بالوثائق والخرائط والشهادات الأخرى. فهذه الأحداث ليست مجرد تفاصيل من الماضي، بل صفحات من تاريخ الجنوب، ومن العلاقة بين الإنسان وأرضه وحدوده ومصادر عيشه.
ذكريات لا تغيب... من ضفاف الحاصباني إلى ذاكرة الخيام تلك كانت بعض ذكرياتنا عن نهر الحاصباني، ورحلات صيد السمك والسباحة في غدرانه، وعن المطاحن المائية التي كانت تستفيد من قوّة جريانه، والينابيع التي شكّلت مصدر حياة لأبناء المنطقة. وهي ذكريات تعود بنا إلى زمن كانت فيه الطبيعة ملعبنا الكبير، وكانت رحلاتنا إلى النهر مغامرات ننتظرها بشوق، ونعود منها محمّلين بالحكايات والضحكات، وربما ببعض الأسماك التي نجحنا في اصطيادها. أما اليوم، فحين نستعيد تلك الصور، لا نستحضر طفولتنا وحدها، بل نستحضر معها تاريخ الأماكن التي عشنا فيها، والأشخاص الذين عرفناهم، والمشاهد التي تغيّرت بفعل الزمن والأحداث.
يبقى الحاصباني في ذاكرتنا نهراً للحياة والطفولة، وتبقى الخيام وأرضها وجوارها صفحات لا تنضب من الحكايات والذكريات.
وإلى لقاء آخر مع موضوع جديد من ذاكرة الخيام وأيام زمان.
فايز أبو عباس