خليل كاعين: التجربة الشيوعية في القرن العشرين (الحلقة الثانية عشرة) ما بعد ستالين.. خروتشوف
..الخطاب السري وحدود تفكيك الستالينية
حين توفي جوزيف ستالين في 5 آذار/مارس 1953، لم يترك خلفه وريثًا واضحًا.
كان قد بنى نظامًا شديد المركزية، وربط السلطة العليا بشخصه إلى درجة جعلت غيابه يطرح سؤالًا فوريًا:
من يحكم الاتحاد السوفياتي الآن؟
برز عدد من كبار المسؤولين، أبرزهم جورجي مالينكوف، ولافرينتي بيريا، وفياتشيسلاف مولوتوف، ونيكيتا خروتشوف.
لكن المشكلة لم تكن مجرد اختيار خليفة.
كانت هناك مسألة أعمق:
هل يستطيع النظام الاستمرار بالطريقة نفسها بعد وفاة ستالين، أم أن بقاءه يتطلب تغييرًا في أساليب الحكم؟
صراع الخلافة... والخوف يبدأ بالتراجع:
في الأيام الأولى بعد وفاة ستالين، لم يعلن أحد أن المرحلة السابقة كانت خاطئة.
تشكلت قيادة جماعية، تولى فيها مالينكوف رئاسة الحكومة،
وأصبح بيريا صاحب نفوذ واسع في أجهزة الأمن، فيما أخذ خروتشوف يعزز موقعه داخل الحزب.
بدأت بعض مؤشرات التغيير تظهر سريعًا.
أُعيد النظر في قضايا قضائية، وأُعلنت إجراءات عفو شملت أعدادًا كبيرة من السجناء، وإن كان معظم المستفيدين في البداية من المحكومين في قضايا غير سياسية أو بعقوبات قصيرة.
وفي الوقت نفسه، بدأت معركة السلطة داخل القيادة.
كان بيريا، الذي ارتبط اسمه بأجهزة الأمن والقمع في عهد ستالين، يمتلك نفوذًا كبيرًا، لكنه أثار مخاوف بقية القادة من أن يستخدم الجهاز الأمني للسيطرة على الدولة.
في حزيران/يونيو 1953، اعتُقل بدعم من قيادات حزبية وعسكرية، ثم أُعدم في كانون الأول/ديسمبر بعد إجراءات قضائية مغلقة افتقرت إلى ضمانات المحاكمة العادلة.
لم يكن سقوط بيريا نهاية الصراع، لكنه أظهر أن القيادة الجديدة لم تعد مستعدة لترك أجهزة الأمن تتحكم وحدها بمصير الحزب والدولة.
كما كشف مفارقة لافتة:
أحد أبرز المسؤولين عن منظومة القمع انتهى ضحية لصراع السلطة داخل المنظومة نفسها.
صعود خروتشوف:
تدريجيًا، برز نيكيتا خروتشوف بوصفه الشخصية الأقوى داخل الحزب.
في أيلول/سبتمبر 1953 أصبح السكرتير الأول للحزب الشيوعي، ثم عزز سلطته على حساب مالينكوف ومنافسيه خلال السنوات التالية.
لم يكن خروتشوف معارضًا للستالينية من خارج النظام.
كان أحد رجال الحزب الذين صعدوا خلال عهد ستالين، وتولى مسؤوليات سياسية وإدارية مهمة، وكان جزءًا من الجهاز الذي نفذ سياساته.
وهذا أمر أساسي لفهم المرحلة.
فالنقد الذي سيقوده لم يصدر عن حركة معارضة تطالب بإسقاط النظام، بل من داخل القيادة التي ورثته.
بدأت بذلك محاولة جديدة:
إصلاح النظام السوفياتي من داخله، من دون التخلي عن احتكار الحزب الشيوعي للسلطة أو عن أسس الاقتصاد الاشتراكي المخطط.
المؤتمر العشرون... الخطاب الذي هز الحركة الشيوعية:
في شباط/فبراير 1956، انعقد المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفياتي.
وفي جلسة مغلقة يوم 25 شباط، ألقى خروتشوف خطابه الشهير الذي عُرف لاحقًا باسم «الخطاب السري»، وعنوانه «حول عبادة الفرد ونتائجها».
انتقد فيه عبادة شخصية ستالين، وكشف جانبًا من عمليات القمع والتطهير والاعتقالات والإعدامات التي طالت قيادات الحزب وكوادره، وتحدث عن انتهاكات خطيرة لما سماه الشرعية الاشتراكية.
كان وقع الخطاب هائلًا.
فستالين، الذي قُدم طوال عقود بوصفه وريث لينين، وباني الاشتراكية، وقائد الانتصار على النازية، أصبح موضوع إدانة من القيادة السوفياتية نفسها.
لم يُنشر الخطاب علنًا في الاتحاد السوفياتي آنذاك، لكنه وُزع على نطاق حزبي، ثم تسرب إلى الخارج وانتشر مضمونه.
وأحدث صدمة سياسية وفكرية داخل الحركة الشيوعية العالمية.
ماذا انتقد خروتشوف؟
ركز خروتشوف على عبادة الشخصية، والتطهير، والاعتقالات التعسفية، والمحاكمات الملفقة، والتجاوزات التي ارتكبتها أجهزة الأمن.
لكنه لم يقدم مراجعة شاملة للتجربة السوفياتية.
لم يعتبر ثورة أكتوبر خطأ.
ولم يرفض الحزب الواحد.
ولم يتخلَّ عن التخطيط المركزي أو الملكية العامة لوسائل الإنتاج الأساسية.
كما لم يُخضع سياسات التصنيع والزراعة الجماعية، وما رافقها من كوارث إنسانية، لمراجعة جذرية مماثلة.
كان التفسير الرسمي يقوم على أن ستالين انحرف عن مبادئ لينين والشرعية الاشتراكية.
وبذلك أمكن إدانة جوانب واسعة من ممارسات ستالين مع الحفاظ على شرعية النظام الذي شارك في بنائه.
وهنا يظهر التمييز الأساسي:
تفكيك الستالينية لم يكن يعني تفكيك النظام السوفياتي، بل محاولة إصلاحه وإعادة تأسيس شرعيته.
هل كان ستالين وحده المسؤول؟
هذا أحد الأسئلة التي لم يجب عنها خطاب خروتشوف بصورة كافية.
فمن الأسهل سياسيًا تحميل قائد واحد مسؤولية مرحلة كاملة.
لكن القمع والتطهير لم يكونا عمل فرد واحد فقط.
كانت هناك أجهزة أمن، ومؤسسات حزبية، ومسؤولون سياسيون وإداريون، وثقافة تقوم على الطاعة والخوف وغياب الرقابة المستقلة.
كما أن بعض جذور المركزية السياسية واحتكار السلطة سبقت صعود ستالين، وظهرت خلال الحرب الأهلية، وتقييد المعارضة، ومنع التكتلات داخل الحزب سنة 1921.
ولا يعني ذلك أن ما حدث لاحقًا كان نتيجة حتمية لتلك القرارات، لكنه يفرض دراسة العلاقة بين البدايات الثورية وتطور مؤسسات الدولة والحزب.
وكان خروتشوف نفسه قد شارك في إدارة النظام خلال سنوات القمع.
لذلك فإن نقد ستالين من دون مساءلة أوسع لبنية السلطة ترك جانبًا مهمًا من المشكلة خارج النقاش الرسمي.
إعادة الاعتبار للضحايا وتراجع القمع
شهدت السنوات التالية الإفراج عن أعداد كبيرة من المعتقلين، وإعادة النظر في أحكام سياسية، ورد الاعتبار القانوني إلى كثير من ضحايا القمع.
لكن ينبغي التمييز بين الإفراج عن السجناء وإعادة الاعتبار القضائي إليهم؛ فلم يحصل كل من أُفرج عنه على قرار رسمي يبرئه، كما بقيت ملفات عديدة من دون معالجة كاملة.
تراجعت الاعتقالات والإعدامات السياسية الجماعية التي ميزت ذروة عهد ستالين، وتقلص نطاق نظام المعتقلات والعمل القسري.
وكان لذلك أثر عميق في المجتمع السوفياتي.
لم يعد المواطن يعيش الدرجة نفسها من الخوف التي عرفتها سنوات التطهير الكبير.
لكن الاتحاد السوفياتي لم يتحول إلى ديمقراطية تعددية.
بقي الحزب الشيوعي يحتكر السلطة، واستمرت الرقابة السياسية والفكرية، وظلت أجهزة الأمن قائمة.
أي أن خروتشوف خفف القمع بدرجة مهمة، لكنه لم يلغِ الأسس السياسية التي تسمح بعودة الممارسات القمعية.
ذوبان الجليد... انفراج ثقافي محدود:
شهدت المرحلة ما عُرف باسم «ذوبان الجليد»
اتسع هامش النقاش الثقافي والأدبي، وأصبح بالإمكان تناول بعض القضايا التي كانت محظورة في السابق.
ونُشرت أعمال أدبية كشفت جوانب من معاناة المجتمع السوفياتي، ومن أبرزها رواية ألكسندر سولجينتسين القصيرة «يوم في حياة إيفان دينيسوفيتش» سنة 1962، التي تناولت الحياة داخل معسكرات العمل القسري.
كان نشر مثل هذا العمل في مجلة سوفياتية حدثًا غير مألوف قبل سنوات قليلة.
لكن الانفراج بقي خاضعًا لحدود تحددها السلطة.
فحين تجاوز الكتاب والفنانون تلك الحدود، عادت الرقابة والتضييقات.
وهكذا شهد المجتمع انفتاحًا نسبيًا، لا حرية فكرية وسياسية كاملة.
المجر 1956... حدود الإصلاح:
لم تمضِ أشهر على خطاب خروتشوف حتى اندلعت انتفاضة في المجر في تشرين الأول/أكتوبر 1956.
بدأت بتحركات طلابية ومطالب إصلاحية، ثم اتسعت لتشمل قطاعات شعبية مختلفة، مطالبة بالحريات السياسية والاستقلال عن الهيمنة السوفياتية.
شهدت المرحلة تدخلًا عسكريًا سوفياتيًا أولًا، ثم محاولات للتوصل إلى تسوية.
ومع تطور الأحداث، أعلن رئيس الحكومة إيمري ناجي العودة إلى التعددية السياسية، ثم حياد المجر وانسحابها من حلف وارسو.
في الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر، شنت القوات السوفياتية تدخلًا عسكريًا واسعًا أنهى الانتفاضة بالقوة.
قُتل آلاف الأشخاص، وفر نحو مئتي ألف مجري إلى الخارج، وأُعدم ناجي سنة 1958.
كانت الرسالة واضحة:
يمكن نقد ستالين وتخفيف القمع داخل المنظومة الاشتراكية، لكن خروج دولة من المجال الاستراتيجي السوفياتي لم يكن مقبولًا لدى موسكو.
وهنا ظهر التناقض الأساسي في سياسة خروتشوف:
الإصلاح مسموح ضمن حدود النظام، أما تهديد السيطرة السوفياتية على أوروبا الشرقية فكان يواجه بالقوة.
هل كانت انتفاضة المجر ثورة أم ثورة مضادة؟
وصفت الرواية السوفياتية الأحداث بأنها ثورة مضادة تهدد النظام الاشتراكي.
أما في الغرب، فقد قُدمت بوصفها انتفاضة وطنية وشعبية ضد الهيمنة السوفياتية.
لكن الحركة ضمت تيارات متعددة، من شيوعيين إصلاحيين وطلاب وعمال إلى قوميين وقوى سياسية أخرى.
ولم يكن المشاركون متفقين على مشروع سياسي واحد.
غير أن قطاعات واسعة منهم طالبت فعلًا باستقلال القرار الوطني والحريات السياسية.
رأت موسكو أن خسارة المجر قد تهدد تماسك المعسكر السوفياتي وتشجع حركات مماثلة في دول أخرى.
وهكذا اصطدم حق الشعوب في تقرير مصيرها بمنطق الأمن والنفوذ لدى دولة عظمى.
خروتشوف والاقتصاد... محاولات الإصلاح وحدودها:
ورث خروتشوف اقتصادًا يمتلك قاعدة صناعية وعسكرية ضخمة، لكنه يعاني مشكلات في الزراعة وإنتاج السلع الاستهلاكية وكفاءة الإدارة.
أطلق حملة استصلاح الأراضي البكر، خصوصًا في كازاخستان ومناطق أخرى، بهدف زيادة إنتاج الحبوب.
حققت الحملة نتائج أولية مهمة، لكنها واجهت لاحقًا مشكلات تتعلق بالتربة والجفاف والإدارة والاستدامة.
كما حاول خروتشوف تخفيف المركزية الإدارية عبر إنشاء مجالس اقتصادية إقليمية وإعادة تنظيم بعض المؤسسات الصناعية.
لكن إصلاحاته اتسمت أحيانًا بالتسرع وتكرار التغييرات التنظيمية، ما أدى إلى ارتباك داخل الأجهزة الإدارية.
وكانت المشكلة أعمق من أخطاء الإدارة وحدها.
فالنظام الاقتصادي الذي نجح في تعبئة الموارد للصناعة الثقيلة والتسلح واجه صعوبات متزايدة في تحسين الجودة والإنتاجية وتلبية حاجات المستهلكين.
سباق العلم والفضاء... إنجازات كبرى وتناقضات داخلية:
في المقابل، حقق الاتحاد السوفياتي خلال عهد خروتشوف إنجازات علمية وتكنولوجية هائلة.
في تشرين الأول/أكتوبر 1957، أطلق «سبوتنيك 1»، أول قمر صناعي يدور حول الأرض.
أحدث ذلك صدمة في الولايات المتحدة، وأظهر التقدم السوفياتي في علوم الصواريخ والهندسة.
وفي نيسان/أبريل 1961، أصبح يوري غاغارين أول إنسان يصل إلى الفضاء ويدور حول الأرض.
لم تكن هذه الإنجازات نتيجة قرارات خروتشوف وحده، بل ثمرة تراكم طويل في التعليم والبحث العلمي والهندسة والصناعة.
وقد منحت الاتحاد السوفياتي مكانة عالمية كبيرة.
لكنها كشفت أيضًا إحدى مفارقات اقتصاده:
كيف تستطيع دولة تحقيق إنجازات متقدمة في علوم الفضاء والتكنولوجيا العسكرية، بينما تعاني نقصًا في بعض السلع الاستهلاكية والخدمات اليومية؟
سيصبح هذا التفاوت بين التفوق في قطاعات استراتيجية والتعثر في قطاعات أخرى من القضايا الأساسية لفهم تطور الاقتصاد السوفياتي.
التعايش السلمي... مراجعة في السياسة الخارجية:
طرح خروتشوف مفهوم «التعايش السلمي» بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي.
كان جوهر الفكرة أن التنافس بين النظامين لا يستلزم بالضرورة حربًا عالمية، ولا سيما في ظل تطور الأسلحة النووية.
يمكن أن يستمر الصراع اقتصاديًا وعلميًا وسياسيًا وأيديولوجيًا، من دون مواجهة عسكرية مباشرة بين القوتين العظميين.
مثّل هذا التوجه تحولًا مهمًا في الخطاب السوفياتي.
لكنه لم يعنِ نهاية الحرب الباردة.
استمر سباق التسلح، والتنافس على النفوذ، والصراع في الدول التي كانت تتحرر من الاستعمار.
كما أثار التعايش السلمي خلافات داخل الحركة الشيوعية العالمية، وخصوصًا مع القيادة الصينية.
برلين... الجدار الذي جسّد الانقسام:
بقيت برلين إحدى أكثر نقاط الاحتكاك خطورة بين المعسكرين.
فقد انتقل ملايين الأشخاص من ألمانيا الشرقية إلى الغربية منذ تأسيس الدولتين، وكان كثير منهم يعبرون عبر برلين.
شكلت الهجرة خسارة اقتصادية وسياسية كبيرة لألمانيا الشرقية، خصوصًا مع مغادرة أعداد من العمال المهرة والمتخصصين.
وفي آب/أغسطس 1961، أقامت سلطات ألمانيا الشرقية، بموافقة سوفياتية، الحواجز التي تطورت إلى جدار برلين.
بررت القيادة الشرقية الإجراء بضرورات الأمن ومنع استنزاف السكان.
أما في الغرب، فأصبح الجدار رمزًا لغياب حرية التنقل في النظام الشيوعي.
وكانت دلالته السياسية والأخلاقية عميقة.
فالنظام الذي يقدم نفسه بوصفه مشروعًا لمستقبل أفضل وجد نفسه أمام سؤال يصعب تجاهله:
لماذا يحتاج إلى منع مواطنيه من المغادرة؟
الصين تبدأ بالابتعاد عن موسكو:
في البداية، بدا انتصار الثورة الصينية سنة 1949 توسعًا كبيرًا للمعسكر الشيوعي.
لكن العلاقات بين موسكو وبكين بدأت تتدهور بصورة متزايدة خلال عهد خروتشوف.
انتقد ماو تسي تونغ تفكيك الستالينية، ورأى في التعايش السلمي مع الغرب تراجعًا عن الموقف الثوري.
لكن الخلاف لم يكن أيديولوجيًا فقط.
كانت هناك مصالح قومية واستراتيجية، وتنافس على قيادة الحركة الشيوعية العالمية، وخلافات بشأن المساعدات والتكنولوجيا النووية والعلاقات الدولية.
تدريجيًا ظهر الانقسام الصيني السوفياتي، الذي سيصبح أكثر حدة خلال الستينيات.
وكان ذلك تطورًا بالغ الأهمية.
فالأيديولوجيا المشتركة لم تمنع نشوء صراع بين أكبر دولتين شيوعيتين في العالم.
أزمة الصواريخ الكوبية... العالم على حافة الحرب النووية:
في تشرين الأول/أكتوبر 1962، وصلت الحرب الباردة إلى واحدة من أخطر لحظاتها.
كانت الثورة الكوبية بقيادة فيدل كاسترو قد انتصرت سنة 1959، ثم اقتربت كوبا تدريجيًا من الاتحاد السوفياتي.
وبعد محاولة غزو خليج الخنازير المدعومة من الولايات المتحدة سنة 1961، ازداد خوف القيادة الكوبية من تدخل أميركي جديد.
قرر خروتشوف نشر صواريخ نووية سوفياتية في كوبا.
كان القرار مرتبطًا بحماية الحليف الكوبي، وبمحاولة تعديل التوازن الاستراتيجي، في وقت كانت الولايات المتحدة تمتلك تفوقًا نوويًا وتنشر صواريخ قادرة على ضرب الاتحاد السوفياتي من مناطق قريبة منه.
اكتشفت واشنطن مواقع الصواريخ، وأعلن الرئيس جون كينيدي فرض حجر بحري على كوبا لمنع وصول مزيد من الأسلحة الهجومية.
اقتربت القوتان من مواجهة عسكرية كان يمكن أن تتطور إلى حرب نووية.
وفي النهاية، جرى التوصل إلى تسوية.
وافق الاتحاد السوفياتي على سحب الصواريخ من كوبا، مقابل تعهد أميركي بعدم غزو الجزيرة.
كما تضمنت التفاهمات السرية إزالة الصواريخ الأميركية من طراز «جوبيتر» الموجودة في تركيا خلال فترة لاحقة.
من انتصر في أزمة كوبا؟
في الصورة السياسية المباشرة، بدا خروتشوف وكأنه تراجع تحت الضغط الأميركي، وهو ما أضعف مكانته لدى بعض خصومه داخل القيادة السوفياتية.
لكن التسوية لم تكن تنازلًا من طرف واحد.
فقد حصلت كوبا على تعهد بعدم الغزو، وأُزيلت لاحقًا الصواريخ الأميركية من تركيا.
والأهم أن الطرفين أدركا مدى اقترابهما من كارثة نووية.
بعد الأزمة أُنشئ خط اتصال مباشر بين موسكو وواشنطن، ووُقعت سنة 1963 معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية.
لم تنتهِ الحرب الباردة، لكنها دخلت مرحلة أصبح فيها ضبط خطر المواجهة النووية ضرورة مشتركة.
الاتحاد السوفياتي والعالم الثالث:
في عهد خروتشوف، توسع اهتمام موسكو بالدول التي حصلت على استقلالها أو كانت تخوض حركات تحرر وطني.
أصبحت آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط ساحات مهمة للتنافس الدولي.
قدمت موسكو مساعدات اقتصادية وعسكرية، وشاركت في تمويل مشاريع صناعية وبنى تحتية، وسعت إلى إقامة علاقات مع حكومات مناهضة للاستعمار أو النفوذ الغربي.
ولم تكن جميع هذه الحكومات شيوعية.
كان بعضها قوميًّا أو عسكريًا أو اشتراكي التوجه.
وهنا ظهر الطابع البراغماتي للسياسة السوفياتية.
فموسكو لم تعد تربط تعاونها الخارجي حصرًا بوصول أحزاب شيوعية إلى السلطة، بل أصبحت مستعدة لدعم دول تختلف معها أيديولوجيًا إذا تقاطعت معها المصالح الاستراتيجية.
مصر والسد العالي... التحول في العالم العربي:
بعد ثورة تموز/يوليو 1952 في مصر وصعود جمال عبد الناصر، بدأت القاهرة تبحث عن توسيع استقلال قرارها السياسي والعسكري.
وفي سنة 1955، شكلت صفقة الأسلحة التشيكوسلوفاكية، التي تمت في إطار التقارب مع المعسكر السوفياتي، محطة مهمة في تغيير موازين العلاقات الدولية في المنطقة.
ثم جاء مشروع السد العالي، الذي أصبح مجالًا للتعاون السوفياتي المصري بعد تراجع التمويل الغربي.
وخلال العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956، عارض الاتحاد السوفياتي الهجوم البريطاني والفرنسي والإسرائيلي، واتخذ مواقف دبلوماسية حادة ضده.
لكن انتهاء العدوان لم يكن نتيجة الضغط السوفياتي وحده؛ فقد كان للموقف الأميركي، والضغوط الاقتصادية والدبلوماسية، والمقاومة المصرية، دور مهم أيضًا.
أسهمت هذه التطورات في تعزيز مكانة موسكو لدى قطاعات واسعة من الرأي العام العربي.
وأصبحت تُرى بوصفها قوة يمكن الاستفادة من دعمها في مواجهة الاستعمار والنفوذ الغربي وإسرائيل.
وماذا عن إسرائيل؟
كانت العلاقات السوفياتية مع إسرائيل قد بدأت بصورة مختلفة سنة 1948، كما تناولنا في الحلقة السابقة.
لكن مع تطور التحالفات الدولية، واقتراب إسرائيل من المعسكر الغربي، وصعود القومية العربية، اتجهت موسكو تدريجيًا إلى تعزيز علاقاتها مع دول عربية، وخصوصًا مصر وسوريا.
ولم يكن هذا التحول قائمًا على اعتبارات دينية أو عرقية.
فالاتحاد السوفياتي تعامل مع إسرائيل والدول العربية ضمن حسابات السياسة الدولية والمصالح الاستراتيجية.
وعندما تغيرت موازين القوى والتحالفات في المنطقة، تغيرت السياسة السوفياتية تبعًا لذلك.
ومع ذلك، لم تكن العلاقات السوفياتية العربية خالية من التناقضات، كما لم تكن موسكو مستعدة دائمًا لتبني جميع مواقف حلفائها الإقليميين.
هل نجحت عملية تفكيك الستالينية؟
يمكن القول إنها حققت نتائج مهمة، لكنها بقيت محدودة.
تراجع القمع السياسي مقارنة بعهد ستالين.
أُفرج عن أعداد كبيرة من المعتقلين، وأُعيد الاعتبار إلى كثير من ضحايا الملاحقات السياسية.
اتسعت الحياة الثقافية نسبيًا، وأصبحت القيادة أقل ارتباطًا بشخص واحد.
كما لم تعد تصفية المنافسين السياسيين داخل قمة الحزب بالإعدام أو الاعتقال هي القاعدة المعتادة.
لكن النظام لم يتحول إلى نظام تعددي.
وبقي الحزب الشيوعي يحتكر السلطة، واستمرت الرقابة
السياسية، وظلت أجهزة الأمن قادرة على التدخل.
وحين تعرض النفوذ السوفياتي في أوروبا الشرقية لتهديد جدي، كما في المجر، استُخدمت القوة العسكرية.
لذلك يمكن تلخيص المرحلة بالقول:
خروتشوف فكك جوانب مهمة من الستالينية، لكنه لم يفكك البنية الأساسية للنظام السوفياتي.
مشكلة أعمق تظهر:
كان نقد ستالين خطوة كبيرة.
لكنه فتح أسئلة لم تستطع القيادة السوفياتية السيطرة عليها بالكامل.
إذا كان القائد الذي قُدم لعقود بوصفه رمزًا للحكمة والصواب قد ارتكب كل هذه الأخطاء، فماذا عن المؤسسات التي سمحت له بذلك؟
وماذا عن المحاكمات التي وصفتها الدولة بأنها عادلة؟
والاعترافات التي انتُزعت تحت التعذيب؟
والكتب التي أعادت كتابة التاريخ؟
والقيادات التي شاركت في تنفيذ تلك السياسات ثم قدمت نفسها لاحقًا بوصفها قيادة الإصلاح؟
عندما تبدأ الدولة بمراجعة روايتها الرسمية، لا يستطيع المواطن بالضرورة أن يتوقف عند الحدود التي تحددها السلطة.
قد يطرح أسئلة أبعد.
وهنا ظهرت إحدى بذور أزمة الثقة التي ستتوسع في العقود التالية.
1964... سقوط خروتشوف:
مع مرور الوقت، تراكمت الانتقادات داخل القيادة السوفياتية ضد خروتشوف.
اتُّهم بالتسرع في الإصلاحات، والتقلب في القرارات، وسوء إدارة بعض الملفات الاقتصادية، وبالاعتماد المتزايد على أسلوب شخصي في القيادة.
كما أضعفت أزمة كوبا موقعه لدى بعض خصومه، وإن لم تكن السبب الوحيد لسقوطه.
وفي تشرين الأول/أكتوبر 1964، أُبعد من السلطة بقرار من قيادة الحزب.
لكن الطريقة التي جرى بها عزله كشفت مقدار التغيير الذي طرأ منذ عهد ستالين.
لم يُعدم خروتشوف.
ولم يُرسل إلى معسكر اعتقال.
بل أُجبر على التقاعد، وعاش بقية حياته بعيدًا عن السلطة.
وكان ذلك دليلًا على أن قواعد الصراع داخل القيادة قد تغيرت،
وإن بقيت السلطة محتكرة داخل الحزب نفسه.
تولى ليونيد بريجنيف قيادة الحزب، بينما أصبح أليكسي كوسيغين رئيسًا للحكومة.
بدأت مرحلة مختلفة.
أقل اندفاعًا في الإصلاح.
أكثر حرصًا على الاستقرار الإداري والسياسي.
وفي السنوات التالية، عزز الاتحاد السوفياتي قدراته العسكرية،
واقترب من التكافؤ النووي مع الولايات المتحدة، ووسع نفوذه العالمي.
لكن تحت سطح الاستقرار بدأت مشكلات بنيوية تتراكم:
البيروقراطية، وضعف الحوافز الاقتصادية، وتراجع معدلات النمو، والفساد، واتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي والحياة اليومية.
وسيأتي ربيع براغ سنة 1968 ليكشف مجددًا حدود الإصلاح المسموح به داخل المعسكر السوفياتي.
ثم ستتبلور السياسة التي عُرفت باسم «عقيدة بريجنيف»، والتي بررت التدخل للحفاظ على الأنظمة الاشتراكية الحليفة.
من الإصلاح إلى الاستقرار... أم إلى الركود؟
حاول خروتشوف إصلاح النظام الذي ورثه عن ستالين، لكنه لم يستطع تجاوز حدوده الأساسية.
خفف القمع، وفتح المجال أمام مراجعة بعض أخطاء الماضي، لكنه أبقى احتكار الحزب للسلطة والاقتصاد المركزي والنفوذ السوفياتي على دول أوروبا الشرقية.
ومع سقوطه، بدا أن القيادة الجديدة تفضل الاستقرار على المغامرة بإصلاحات واسعة.
لكن السؤال الذي ستطرحه السنوات التالية هو:
هل كان الاتحاد السوفياتي قادرًا على تجديد نفسه من داخل النظام، أم أن الاستقرار الذي سعى إليه بريجنيف سيؤدي تدريجيًا إلى تجميد الإصلاحات وتراكم أسباب الأزمة؟
ذلك ما سنناقشه في الحلقة المقبلة.
يتبع...
الحلقة الثالثة عشرة: عهد بريجنيف... من الاستقرار والقوة العظمى إلى بدايات الركود
د. خليل كاعين
٠#جورجي_مالينكوف
#لافرينتي_بيريا
#خروتشوف
#ألكسندر_سولجينتسين
#إيمري_ناجي
#يوري_غاغارين
#جدار_برلين
#ليونيد_بريجنيف
#أليكسي_كوسيغين