الخيام نسخة تجريبية · Khiyam v2
أخبار وذاكرة ومجتمع
← الأرشيف

فايز أبو عباس: ذكريات من الماضي... أيام الولدنة في الخيام (الحلقة الخامسة)

2026/10/25 · فايز أبو عباس · المقال رقم 53838
من مقاعد الدراسة ومكافآت النجاح، إلى رحلات صيد العصافير بين كروم الزيتون... يستعيد الأستاذ فايز أبو عباس في الحلقة الخامسة من ذكرياته جانباً من مغامرات الطفولة في الخيام، حين كانت «الفخاخ» و«النقّيفة» من وسائل اللهو والصيد، وكانت الحقول والبساتين مسرحاً لمغامرات لا تُنسى، وفي مقدّمها رحلة جمعته برفيق طفولته الراحل كامل حسن عزير، بقيت تفاصيلها محفورة في ذاكرته رغم مرور السنين. من عالم الطفولة إلى مقاعد الدراسة... النجاح مفتاح الحرية بعد تجاوز سنوات الطفولة الأولى، كنّا نبدأ مرحلة جديدة من حياتنا، تختلف عمّا سبقها، إذ تتزايد المسؤوليات والواجبات المدرسية، وتشتدّ متابعة الأهل لتحصيلنا العلمي وسلوكنا، سواء في البيت أو المدرسة. كانت تلك المرحلة تتميّز بالجدّية والاجتهاد، وبالشعور المتنامي بالمسؤولية تجاه الدراسة، ليس فقط رغبةً في النجاح والتفوّق، بل أيضاً إرضاءً للأهل، وحرصاً على نيل تقديرهم وثقتهم. وكان الحصول على درجات مرتفعة، واحتلال المراتب الأولى بين تلاميذ الصفّ، يمنح صاحبه مكانة مميّزة داخل العائلة، ويؤهّله للحصول على بعض الامتيازات التي لم تكن تُمنح بسهولة. ومن أبرز تلك الامتيازات أن يغضّ الأهل الطرف عن بعض تصرّفاتنا، وأن يسمحوا لنا بقضاء وقت أطول خارج المنزل، والذهاب إلى الحقول والبساتين وممارسة الألعاب التي نحبّها. وكان من بين هذه النشاطات صيد العصافير، أو القيام برحلات إلى نهر الحاصباني لصيد السمك، أو التجوّل مع الأصدقاء في الأراضي المحيطة بالبلدة. وهكذا، كانت الحرية التي نحصل عليها خارج المنزل بمثابة مكافأة على الاجتهاد والنجاح والتفوّق الدراسي، الأمر الذي كان يدفعنا إلى بذل مزيد من الجهد للحصول على رضا الأهل وثقتهم. صيد العصافير... هواية أبناء الخيام في أيام العطل كانت رحلات صيد العصافير من أكثر النشاطات التي كنّا ننتظرها بشوق، ولا سيما في أيام العطل والأعياد، عندما يتحسّن الطقس، وترتفع درجات الحرارة، وتبدأ الأعشاب بالنمو، وتكتسي الحقول والبساتين بحلّتها الربيعية. وفي تلك الفترة، تكون كثير من الطيور قد انتهت من بناء أعشاشها وإطعام فراخها ورعايتها، وبدأت الطيور الصغيرة تستقلّ تدريجياً عن أعشاشها، فتزداد حركتها وانتشارها بين الأشجار والحقول. وكنّا نعرف أنّ بعض أنواع العصافير تتغذّى على الحشرات والديدان التي تعيش بين الأعشاب أو تختبئ في التربة، أو توجد على أغصان الأشجار. ولذلك كنّا نبحث عنها، ونستفيد من معرفتنا بعادات الطيور وأماكن وجودها خلال رحلات الصيد. وكانت لدينا وسيلتان أساسيتان لممارسة هذه الهواية، هما «الفخّ» و«النقّيفة». أما الوسيلة الثالثة، وهي بنادق الصيد بمختلف أنواعها، من بنادق «الدكّ والخردق» إلى البنادق التي تستخدم الخراطيش الجاهزة، فكانت محظورة علينا. وكان الأهل يمنعوننا من استعمالها لسببين أساسيين: خطورتها على أطفال في مثل أعمارنا، وافتقارنا إلى الخبرة والمعرفة اللازمتين للتعامل معها. «الفخّ»... وسيلة الصيد بين الأعشاب كان «الفخّ» من أدوات الصيد الشعبية التي عرفناها في طفولتنا، وكان يُستخدم للإمساك بالعصافير التي تقترب من الطعام الموضوع فيه. وهو أداة معدنية صغيرة تتألّف من جزأين مقوّسين، على هيئة نصفَي هلال، يصل بينهما نابض معدني يساعد على إطباقهما عند تحرّر آلية الإمساك. وكان للفخّ جزء صغير يُعرف محلياً باسم «الترسان» أو «الترزان»، يرتبط بآلية تثبيته وإطلاقه. وكنّا نُخفي الفخّ بين التراب والأعشاب، ونضع فيه طُعماً من الديدان التي نجمعها من الحقول، مستفيدين من ميل بعض العصافير إلى التغذّي عليها. وعندما يقترب العصفور من الطُّعم، تتحرّك آلية الفخّ وتُطبِق عليه. وكنت هذه الطريقة تحتاج إلى صبر وانتظار ومعرفة بأماكن تجمّع الطيور، كما كانت تتطلّب شيئاً من الحظّ، إذ كثيراً ما كنّا نعود من دون أن نصطاد شيئاً. ومن العادات التي رافقت هذه الهواية أنّنا كنّا أحياناً «نصلّي» الفخّ، كما كنّا نقول في لهجتنا المحلية، أي ننصبه ونراقب محيطه، ثم نتجوّل قرب المكان ونحن نردّد بعض الأغاني والألحان، ونحاول دفع العصافير إلى التحرّك باتجاه موضعه. وكانت هذه المغامرات جزءاً من ألعابنا الريفية التي ارتبطت بالطبيعة والحقول والبساتين. «النقّيفة» أو «المغطّية»... مهارة التصويب ودقّة النظر أما الوسيلة الثانية التي كنّا نستخدمها في صيد العصافير، فهي «النقّيفة»، التي كان البعض يسمّيها أيضاً «المغطّية». وكانت أداة بسيطة، تُصنع من غصن شجرة متشعّب على هيئة حرف (V)، له مقبض يُمسك باليد، وتُربط بطرفَي التشعّب قطعتان من المطّاط المتين. وتلتقي القطعتان عند قطعة صغيرة من الجلد، قد تكون مستطيلة أو مربّعة أو مستديرة، تُستخدم لحمل الحصاة قبل إطلاقها. وكنّا نختار الحصى بعناية من الأرض، ونحتفظ بما نراه مناسباً منها في جيوبنا، لاستخدامه خلال رحلات الصيد. وكان استعمال «النقّيفة» يعتمد على دقّة النظر وحسن تقدير المسافة والقدرة على التصويب. وكثيراً ما كنّا نتخفّى بين الأشجار والصخور، ونراقب العصافير على اختلاف أنواعها، محاولين الاقتراب منها من دون أن تشعر بوجودنا. وكانت مهارة صاحب «النقّيفة» تظهر في قدرته على إصابة الهدف، وفي جودة الأداة التي صنعها ومدى قوّة مطّاطها ومرونته. تلك كانت بعض وسائل الصيد التي عرفناها في طفولتنا، قبل أن تتغيّر الظروف وتتطوّر أدوات الترفيه، وتزداد المعرفة بأهمية حماية الطيور والحياة البرية. رحلة لا تُنسى مع رفيق الطفولة كامل حسن عزير تبقى في الذاكرة حادثة لا تقوى السنوات على محوها، وقد احتلّت مكاناً خاصاً في نفسي، لما ارتبطت به من مغامرة طفولية جمعتني برفيق الولدنة والشقاوة، الصديق الراحل كامل حسن عزير، رحمه الله. كان ذلك في إحدى رحلات الصيد التي اعتدنا القيام بها إلى كروم الزيتون المنتشرة بين الصخور والأراضي الزراعية، شرقي بلدة الخيام. خرجنا يومها حاملَين عدّة الصيد، نبحث بين أشجار الزيتون عن مكان تكثر فيه العصافير، ونختار موضعاً مناسباً لنصب الفخّ. وكانت من بين الطيور التي نترقّب وجودها أنواع نعرفها بأسمائها الشعبية، مثل «العضيض» و«أبو الحنّ» و«الغبراء». وكنّا نطلق على المكان الذي تكثر فيه العصافير وتتردّد إليه اسم «المَنْكَح»، وهو تعبير محلي ارتبط في ذاكرتنا بمواقع الصيد المفضّلة. مفاجأة بين أشجار الزيتون... حجل يفوق توقعاتنا وبينما كنّا نتجوّل بين أشجار الزيتون، نبحث عن الموضع المناسب لنصب الفخّ، فوجئنا بطائر حجل يفرّ من قرب إحدى الأشجار. كان الطائر كبير الحجم مقارنة بالعصافير الصغيرة التي خرجنا لاصطيادها، ويقارب في نظرنا آنذاك حجم ديك الدجاج. واللافت أنّه لم يكن قادراً على الطيران بصورة طبيعية، بل أخذ يركض ويحاول الابتعاد عنّا بين الصخور والأشجار. وما إن شاهدناه حتى اندفعنا خلفه كالشياطين، نطارده بكلّ ما أوتينا من سرعة وحماسة، غير مصدّقين أنّنا أمام فرصة لاصطياد طائر بهذا الحجم! فبالنسبة إلى طفلين اعتادا مطاردة العصافير الصغيرة، كان ظهور الحجل أشبه بالعثور على كنز ثمين. وبعد مطاردة مثيرة، تمكّنّا أخيراً من الإمساك به. ويا لها من فرحة غامرة! لقد شعرنا يومها وكأنّنا حقّقنا نصراً عظيماً، يفوق كلّ ما كنّا نحلم به عندما خرجنا من بيوتنا حاملَين الفخاخ وعدّة الصيد. عدنا منتصرَين... وكأنّنا ربحنا معركة واترلو! بعد أن أمسكنا بالحجل، لم يعد لدينا ما يدعونا إلى متابعة الصيد. جمعنا عدّتنا، ورتّبنا أغراضنا، وقرّرنا العودة إلى البلدة، حاملَين غنيمتنا الثمينة، تغمرنا فرحة الانتصار. وكنّا نسير في طريق العودة مزهوَّين بما حقّقناه، وكأنّنا عدنا منتصرَين من معركة كبرى! لقد شعرنا يومها وكأنّنا انتصرنا في معركة واترلو! كان ذلك الانتصار، في مقاييس الطفولة، إنجازاً استثنائياً، بقيت صورته راسخة في الذاكرة، رغم مرور السنوات وتبدّل الأحوال. فلم يكن الأمر مجرّد طائر اصطدناه، بل مغامرة عشناها معاً، وتشاركنا خلالها الدهشة والمطاردة والفرح، قبل أن نعود إلى بيوتنا ونحن نحمل حكاية جديدة نرويها للأهل والأصدقاء. كامل حسن عزير... رفيق الولدنة الذي غاب وبقيت ذكراه كلّما استعدتُ تفاصيل تلك الرحلة، عاد إلى ذاكرتي وجه صديقي ورفيق طفولتي كامل حسن عزير، الذي شاركني تلك المغامرة، كما شاركني الكثير من أيام الولدنة والشقاوة البريئة. لقد غادرنا كامل باكراً إلى جوار ربّه، تاركاً في النفس غصّة الفراق، وفي الذاكرة صوراً جميلة من أيام جمعتنا فيها الطفولة والألفة والصداقة. وما زلت، كلّما تذكّرت تلك الحادثة، أستحضر حماستنا ونحن نطارد الحجل بين أشجار الزيتون، وفرحتنا ونحن نعود إلى البلدة، وكأنّ الدنيا بأسرها قد أصبحت ملك أيدينا. إنّ بعض الذكريات لا تقاس بحجم الحدث الذي ارتبطت به، بل بمكانة الأشخاص الذين شاركونا إياه، وبما تركوه من أثر في قلوبنا. وهكذا، لم تعد تلك الرحلة مجرّد ذكرى صيد، بل أصبحت ذكرى وفاء لصديق عزيز، رحل عن دنيانا، لكنّه لم يرحل عن الذاكرة. رحم الله رفيق الطفولة كامل حسن عزير، وأسكنه فسيح جنّاته، وجمعنا وإيّاه مع الصالحين والصدّيقين. أيام الولدنة... ذكريات تبقى رغم تعاقب السنين تلك كانت بعض صور طفولتنا في الخيام، حين كنّا نخرج إلى الحقول والبساتين، حاملين أدواتنا البسيطة، ونعود محمّلين بالحكايات والمغامرات. لم تكن لدينا وسائل الترفيه الحديثة، لكنّ الطبيعة كانت عالمنا الواسع، وكانت الصداقة مصدر فرحنا، وكانت أبسط الأحداث تتحوّل إلى ذكريات لا تنسى. اليوم، بعدما مضت السنوات، وتفرّق الرفاق، ورحل بعض الأحبّة، تبقى تلك الصور حيّة في الوجدان، تذكّرنا بزمن جميل، وبأصدقاء كانوا جزءاً من حياتنا، وبأيام لن تعود. فما أغلى ذكريات الطفولة، وما أعمق أثر الأصدقاء الذين رحلوا، وتركوا لنا حكايات نستعيدها كلّما أغمضنا أعيننا وعدنا بخيالنا إلى أيام الولدنة في الخيام! وإلى لقاء آخر مع مغامرة جديدة من مغامرات الطفولة والولدنة، في حلقة قادمة. فايز أبو عباس