بلدات مرجعيون تصمد في وجه الحرب والعطش.. أين المياه ومن المسؤول عن غيابها؟
بين خطر القصف ووطأة النزوح والضائقة المعيشية، يواجه الأهالي الذين اختاروا البقاء في بلداتهم أزمة إضافية لا تقلّ قسوة عن سائر معاناتهم: انقطاع المياه وغياب الإجابات الواضحة عن أسباب الأزمة، في وقت بات فيه تأمين أبسط مقوّمات الحياة عبئاً يومياً يضاف إلى أعباء الصمود.
لا تزال بلدات عدّة في قضاء مرجعيون تتمسّك بالبقاء والصمود، ليس في مواجهة الحرب والاعتداءات الإسرائيلية فحسب، بل أيضاً في وجه تحدّيات معيشية وإنسانية قاسية، قد لا يدرك حجمها الحقيقي إلا من يعيش تفاصيلها يوماً بيوم.
فالصمود لا يعني أنّ الأهالي ينعمون بالأمان والراحة داخل منازلهم، بل يخفي وراءه معاناة متواصلة، من طرق مقطوعة، وقذائف وغارات، وليالٍ يخيّم عليها الخوف والقلق، إلى ضيق في سبل العيش، وندرة فرص العمل، وارتفاع تكاليف المعيشة التي ترهق العائلات وتستنزف ما تبقّى من إمكاناتها.
وفوق كلّ هذه الأعباء، يجد الأهالي أنفسهم محرومين من أحد أبسط حقوقهم ومقوّمات بقائهم: المياه.
نصف ساعة من المياه كلّ عشرة أيام... كيف يعيش الناس؟
يتساءل أهالي البلدات الصامدة بمرارة: لماذا لا تصل المياه إلى منازلنا بانتظام؟ ولماذا لا تتوافر، بحسب شكاوى بعض السكان، إلا لنحو نصف ساعة كلّ عشرة أيام؟
وكيف يمكن لهذه المدّة القصيرة أن تكفي لتأمين حاجات العائلات من مياه الشرب والطهو والغسيل والنظافة وسائر المتطلّبات اليومية؟
والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: أين تذهب المياه، ولماذا لا تصل إلى مستحقّيها؟
في السابق، كان يُقال إنّ الكميات المتوافرة تُوزَّع على عدد كبير من البلدات والتجمّعات السكنية. أمّا اليوم، ومع تراجع عدد السكان المقيمين في عدد من القرى نتيجة الحرب والنزوح، فما الذي لا يزال يحول دون وصول المياه بانتظام إلى من بقوا متشبّثين بأرضهم وبيوتهم؟
محطّة مرج الخوخ... تضارب التبريرات وغياب الإجابات
بحسب الأهالي، لم تُفضِ مراجعاتهم المتكرّرة للجهات المعنية إلى توضيحات حاسمة بشأن أسباب الأزمة.
فجهة تؤكّد أنّ التغذية الكهربائية لمحطّة مياه مرج الخوخ مؤمّنة، فيما تتحدّث جهات أخرى عن أعطال فنية ومشكلات تشغيلية تعيق ضخّ المياه وتوزيعها.
وبين هذا التفسير وذاك، تبقى النتيجة واحدة: المياه لا تصل إلى منازل الأهالي بالحدّ الأدنى الذي يلبّي احتياجاتهم الأساسية.
وإذا كانت الكهرباء متوافرة، فما الذي يمنع تشغيل المحطّة وضخّ المياه؟ وإذا كانت المشكلة فنية، فما طبيعة الأعطال، ولماذا لم تُعالج حتى الآن؟ وهل تكمن الأزمة في قدرة الضخّ، أم في شبكات التوزيع، أم في أسباب أخرى لم يُفصح عنها؟
إنّ تعدّد التبريرات، في غياب معلومات واضحة وموحّدة، لا يؤدّي إلا إلى زيادة الغموض وتعميق شعور الأهالي بأنّ معاناتهم لا تحظى بالاهتمام المطلوب.
أعباء مالية إضافية... والمياه تتحوّل إلى همّ يومي
لم تعد أزمة المياه مجرّد مشكلة خدماتية عابرة، بل أصبحت عبئاً مالياً ومعيشياً إضافياً على عائلات تعاني أصلاً من تداعيات الحرب وتراجع مداخيلها.
ففي ظلّ الانقطاع المتكرّر، تضطرّ بعض الأسر إلى شراء المياه وتعبئة خزّاناتها على نفقتها الخاصة، في وقت بات فيه تأمين لقمة العيش وتلبية الحاجات الأساسية تحدّياً يومياً.
فإلى متى سيظلّ المواطن الذي اختار البقاء في بلدته مضطرّاً إلى دفع كلفة إضافية للحصول على خدمة أساسية يفترض أن تؤمّنها الجهات المختصّة؟
وهل يُعقل أن يُطلب من الأهالي الصمود في أرضهم، بينما يُتركون وحدهم لتأمين المياه وسائر مقوّمات الحياة؟
أين البلديات والمؤسسات المعنية من هذه المعاناة؟
أمام هذا الواقع، تتوجّه الأنظار إلى البلديات والجهات المسؤولة عن تشغيل محطّة مرج الخوخ وشبكات توزيع المياه.
فما الإجراءات التي اتخذتها البلديات لمعالجة الأزمة؟ وما المراجعات التي أجرتها لدى الجهات المختصّة؟ وما الأجوبة التي تلقّتها؟ وهل جرى وضع خطّة طارئة لضمان وصول المياه إلى البلدات التي لا يزال أهلها صامدين فيها؟
وأين المؤسسة المسؤولة عن تشغيل المحطّة وإدارة توزيع المياه من هذه الشكاوى المتكرّرة؟
المطلوب ليس تبادل المسؤوليات أو الاكتفاء بتقديم الأعذار، بل توضيح رسمي وصريح يحدّد طبيعة المشكلة وأسبابها الحقيقية، والجهة المسؤولة عن معالجتها، والإجراءات المطلوبة لإنهائها.
هل المشكلة في التغذية الكهربائية، أم في الأعطال الفنية، أم في تشغيل المضخّات، أم في آلية توزيع المياه بين البلدات؟ أم أنّ هناك أسباباً أخرى لم تُكشف للأهالي؟
من حقّ الأهالي معرفة الحقيقة
إنّ استمرار الأزمة من دون توضيحات شفّافة يفتح الباب أمام التساؤلات والتأويلات، ويضعف ثقة المواطنين بالجهات المكلّفة تأمين الخدمات الأساسية.
ومن حقّ الأهالي الحصول على إجابات واضحة بشأن واقع المحطّة، والكميات التي يجري ضخّها، وآلية توزيعها، والأعطال القائمة إن وجدت، والخطوات المقرّرة لإصلاحها، والمهلة الزمنية اللازمة لإعادة انتظام التغذية بالمياه.
فالشفافية ليست ترفاً إدارياً، بل واجب تجاه المواطنين، وخصوصاً أولئك الذين يتحمّلون ظروفاً استثنائية في بلدات تتعرّض للحرب والاعتداءات والحرمان.
كفى أعذاراً... فالصمود لا يكون بالعطش والحرمان
لقد دفع أبناء القرى الحدودية أثماناً باهظة من أمنهم واستقرارهم وأرزاقهم، ولا يجوز أن يُضاف إلى معاناتهم حرمانهم من المياه، فيما تتقاذف الجهات المعنية المسؤوليات وتغيب الحلول.
إنّ الأهالي لا يطالبون بالمستحيل، ولا يبحثون عن امتيازات استثنائية، بل يريدون مياهاً تصل إلى منازلهم بانتظام، وإجابات صريحة عن أسباب انقطاعها، وإجراءات عملية تنهي هذه المعاناة.
كفى أعذاراً وتبريرات!
فالصمود ليس مجرّد شعار يُرفع في المناسبات، بل مسؤولية تستوجب توفير الحدّ الأدنى من مقوّمات الحياة لمن اختاروا البقاء في أرضهم، رغم المخاطر والتضحيات.
ومن يريد لأبناء الجنوب أن يصمدوا في قراهم، عليه أن يؤمّن لهم أسباب الصمود، وفي مقدّمتها الماء، شريان الحياة الذي لا يمكن الاستغناء عنه.
ألين سمعان