الخيام نسخة تجريبية · Khiyam v2
أخبار وذاكرة ومجتمع
← الأرشيف

فايز أبو عباس: ذكريات من الماضي.. أيام الصبا في الخيام (الحلقة الثامنة)

2026/10/29 · فايز أبو عباس · المقال رقم 53848
من الخيام إلى حيفا في أربعينيات القرن الماضي... حكايات الطفولة والعمل والغربة، وذكريات أبناء جبل عامل في فلسطين، والعلاقات الإنسانية التي جمعت العائلات قبل أن تأتي النكبة وتغيّر مجرى حياتها. من الخيام إلى حيفا... رحلة بدأت في مطلع الأربعينيات في مطلع أربعينيات القرن الماضي، وبعد انتصار القوات البريطانية وحلفائها على قوات حكومة فيشي الفرنسية التي كانت تسيطر على لبنان، انتقل والدي إلى فلسطين، أسوة بكثير من شباب جبل عامل الذين كانوا يقصدون مدينة حيفا بحثاً عن العمل وتحسين ظروف معيشتهم. كنتُ آنذاك طفلاً صغيراً، لا أفقه من شؤون الحياة إلا اللهو واللعب، ولا أدرك حقيقة الأحداث السياسية والعسكرية التي كانت تعصف بالمنطقة، أو ما تخبّئه لنا الأيام من تحوّلات ومآسٍ. لكنّ ذاكرة الطفل، على صغر سنّه، تختزن من الصور والأصوات والمشاهد ما قد يعجز الزمن عن محوه. فالعينان تلتقطان الوقائع والأحداث، والأذنان تسجّلان الأصوات والكلمات، ثم تستقرّ تلك المشاهد في أعماق الذاكرة، كأنّها أفلام محفوظة بالصوت والصورة. وقد تمرّ عشرات السنين قبل أن تستيقظ صورة من تلك الصور، أو يبعث مشهد عابر ذكرى قديمة، فتعود الأحداث حيّة أمام الإنسان، وكأنّها وقعت بالأمس القريب. وهكذا بقيت رحلتنا إلى حيفا، وما عشته فيها من أيام الطفولة، محفورة في ذاكرتي، رغم مرور كلّ تلك السنوات. منزل الحاجة هدلا... أولى محطاتنا في حيفا على ما أذكر، استأجر والدي عند وصولنا إلى حيفا منزلاً قريباً من شاطئ البحر، على سفح جبل الكرمل، تعود ملكيته إلى امرأة تُدعى الحاجة هدلا. وكان والدي قد بدأ العمل في شركة «شل» بالقرب من مصافي النفط، حيث كان يمارس مهنة تصنيع الصفائح المعدنية، أو ما كان يُعرف آنذاك بصناعة «التنك». وقد كانت حيفا في تلك المرحلة مدينة ناشطة اقتصادياً، تضمّ الميناء والمنشآت النفطية والمؤسسات التجارية والصناعية، ما جعلها مقصداً للعمال والباحثين عن فرص العمل من مناطق مختلفة، ولا سيما من جبل عامل والقرى الجنوبية اللبنانية. وكان كثير من أبناء الخيام وجوارها قد سبقونا إلى حيفا، وعملوا في مهن وحرف متنوّعة، فمنهم السمكري والباعة المتجوّلون والإسكافيّة، الذين كان يُطلق عليهم اسم «الكندرجية»، إلى جانب العمال والموظفين في المؤسسات الخاصة. وقد ساعد وجود هؤلاء المغتربين على نشوء شبكة من العلاقات الاجتماعية والتعاون المتبادل، فكان القادم الجديد يجد من أبناء بلدته أو من معارفهم من يرشده ويساعده على الاستقرار. عبد القادر قدومي... رجل من حيفا أحبّ أبناء الخيام من بين الشخصيات التي ما زلت أذكرها باعتزاز، رجل يُدعى عبد القادر قدومي، كان يعمل شرطياً ضمن قوات الأمن في عهد الانتداب البريطاني. كان رجلاً يتمتّع بأخلاق رفيعة، معروفاً برزانته وتهذيبه وحسن معاملته للناس، وبمحبّته الخاصة لأبناء الخيام. وقد ازدادت صلته ببلدتنا بعد زواجه من إحدى بناتها، وهي السيّدة سنيّة الشقراوي. ولم تدم إقامتنا طويلاً في منزل الحاجة هدلا، إذ سرعان ما انتقلنا للسكن في منزل عبد القادر قدومي، الذي فتح لنا أبوابه بكلّ محبّة وترحاب. كان يقيم مع زوجته في دار واسعة مؤلّفة من عدّة غرف، ولم يكن قد رُزق بأطفال في ذلك الوقت، فوجد في استضافتنا فرصة لممارسة ما عُرف به من كرم ومحبّة لأهل بلدة زوجته. وكان منزله يقع في قلب مدينة حيفا، في حيّ أذكر أنّ اسمه وادي النسناس، وهو قريب من مكان عمل والدي. كما كان على مقربة من حديقة وموقع معروف باسم «منتزه عباس أفندي»، وهو من الأماكن التي بقيت صورتها عالقة في ذاكرتي. وادي النسناس... صور من طفولة لا تُنسى لا أذكر على وجه الدقّة المدّة التي أمضيناها في منزل عبد القادر قدومي، لكنّني أذكر طيبة ذلك الرجل، وهدوء الحياة التي عشناها في كنفه، وما كان يحيط بنا من مظاهر الألفة والتعاون. كانت حيفا مدينة تجمع أناساً من مناطق وخلفيات متنوّعة، وكانت العلاقات اليومية بين الجيران وزملاء العمل والأصدقاء تترك أثراً عميقاً في حياة العائلات الوافدة. وبالنسبة إلينا، لم يكن الانتقال من الخيام إلى حيفا يعني انقطاع الصلة بأهلنا أو ببلدتنا، لأنّنا كنّا نجد أبناء الخيام وجبل عامل في أحيائها وأسواقها ومؤسساتها، فتظلّ أجواء القرية حاضرة في حياتنا، ولو كنّا بعيدين عنها جغرافياً. غير أنّ إقامتنا في وادي النسناس لم تكن محطّتنا الأخيرة، إذ انتقلنا بعد ذلك إلى ضاحية أخرى من ضواحي حيفا، عُرفت باسم «بلد الشيخ». «بلد الشيخ»... حيث التقينا أبناء الخيام وجبل عامل في بلدة الشيخ، التقينا عدداً كبيراً من أبناء بلدتنا وأقربائنا الذين كانوا يعملون ويقيمون في المنطقة. وما زلت أذكر من بينهم: محمد علي أبو عباس، وظاهر هيثم وشقيقه محمد علي، ومحمد عبدو غريب، والسيّد أحمد زلزلة، وأبو حسين الشرعيتين، وغيرهم من أبناء الخيام. وكان هؤلاء يعملون في وظائف مختلفة، أو يمارسون مهناً حرّة تؤمّن لهم ولعائلاتهم سبل العيش. وقد شكّل وجودهم في مكان واحد نوعاً من الامتداد الاجتماعي لبلدتنا، حيث استمرّت بينهم علاقات القرابة والصداقة والتعاون التي نشأوا عليها في الخيام. وفي هذه المرّة أيضاً، اختار والدي أن نقيم في منزل رجل طيّب القلب، عُرف بمحبّته وإخلاصه لأبناء الخيام، لكونه متزوّجاً من إحدى بناتها. كان اسمه سالم فرج، وزوجته السيّدة مريم سليمان. سالم فرج ومريم سليمان... كرم الضيافة وصدق المحبّة كان سالم فرج يعمل في شركة «شل» مراقباً على العمال والموظفين، وقد عُرف بحسن أخلاقه واهتمامه بأبناء بلدة زوجته. استقبلنا في منزله بكلّ محبّة، وقدّم لنا ما يستطيع من عون ومساعدة، كما فعل قبله عبد القادر قدومي. وما زلت أذكر هذين الرجلين بكلّ تقدير وامتنان، لأنّهما لم ينظرا إلينا كغرباء، بل كأهل وأقارب تربطهم بنا صلات المحبّة والمصاهرة. وهذا ما كان يميّز الحياة الاجتماعية في تلك المرحلة؛ إذ لم تكن العلاقات الإنسانية محصورة بحدود البلدات والمناطق، بل كانت تتجاوزها لتقوم على المودّة والوفاء ومساعدة المحتاج إلى العون. ومع استقرار عمل والدي واستمراره، بدأ يفكّر في تأمين مسكن مستقلّ لنا، نستقرّ فيه ونبني حياتنا بعيداً عن التنقّل بين المنازل. بيتنا الصغير في بلد الشيخ... حلم الاستقرار بعدما اطمأنّ والدي إلى استقرار عمله، قرّر الحصول على قطعة أرض وإقامة منزل صغير عليها. وهكذا بدأ ببناء غرفة ومطبخ، على قدر ما كانت تسمح به إمكاناته المادية في تلك الأيام. وما إن أصبح المنزل صالحاً للسكن حتى انتقلنا إليه، فرحين بأن أصبح لنا مكان مستقلّ نعيش فيه. لم يكن البيت كبيراً أو فخماً، لكنّه كان يمثّل ثمرة تعب والدي وكفاحه، وحلمه في أن يؤمّن لعائلته حياة مستقرة وكريمة. وقد أمضينا في ذلك المنزل سنوات من طفولتي، وبقي مأوانا حتى حلّت نكبة فلسطين عام 1948، وما رافقها من أحداث أدّت إلى التهجير والرحيل. وهنا لا بدّ من التوقّف عند سؤال قد يخطر في بال القارئ: لماذا كان أبناء جبل عامل يقصدون حيفا وفلسطين للعمل، بدلاً من التوجّه إلى بيروت أو غيرها من المدن اللبنانية؟ لماذا كانت حيفا تجذب شباب جبل عامل؟ كان لهذا التوجّه، في رأيي، سببان أساسيان: أحدهما تاريخي واجتماعي، والآخر اقتصادي ومعيشي. أولاً: العلاقات التاريخية بين جبل عامل وفلسطين ترجع الصلات بين جبل عامل والجليل وعكا وحيفا إلى مراحل تاريخية قديمة، وقد تعزّزت خلال العهد العثماني بفعل التواصل الإداري والتجاري والاجتماعي بين هذه المناطق. فكانت العائلات تتنقّل بين القرى والمدن، وتتبادل البضائع والمحاصيل الزراعية، وتنشأ بينها علاقات مصاهرة وصداقة ومعرفة. ولذلك، لم تكن حيفا بالنسبة إلى أبناء جبل عامل مدينة مجهولة أو بعيدة عن محيطهم الاجتماعي، بل كانت امتداداً لمنطقة تربطهم بأهلها علاقات تاريخية وإنسانية. وقد سهّل هذا التواصل انتقال العمال إليها، ولا سيما عندما بدأت فرص العمل تتوافر فيها بصورة أكبر. ثانياً: فرص العمل والفوارق في الأجور كان العامل الاقتصادي من أبرز الأسباب التي دفعت شباب جبل عامل إلى التوجّه نحو فلسطين. فبعد خضوع لبنان وسوريا للانتداب الفرنسي، جرى اعتماد الليرة السورية واللبنانية ضمن نظام نقدي ارتبط بالفرنك الفرنسي، وكانت الليرة تُقسم إلى مئة قرش. ومن هنا شاع بين الناس إطلاق اسم «الفرنك» على قطعة الخمسة قروش. وكانت أجرة العامل اليومية في لبنان، بحسب ما أذكر وما كان يتناقله الناس، تتراوح بين خمسين وخمسة وسبعين قرشاً، وقد تصل في أحسن الأحوال إلى مئة قرش. أمّا في فلسطين، التي كانت تخضع للانتداب البريطاني، فقد كانت العملة المتداولة هي الجنيه الفلسطيني، الذي ارتبطت قيمته بالجنيه الإسترليني، وكان يُقسم إلى مئة قرش فلسطيني. وبحسب ما كان يُروى عن تلك المرحلة، كانت أجور بعض العمال في فلسطين تصل إلى خمسة وسبعين قرشاً فلسطينياً أو مئة قرش يومياً، أي ما يعادل جنيهاً فلسطينياً كاملاً. وكانت القيمة الشرائية لهذه الأجور، عند مقارنتها بما يتقاضاه العامل في لبنان، تمثّل حافزاً كبيراً للانتقال إلى حيفا والعمل فيها. ولهذا، فقد اجتمعت فرص العمل في المؤسسات والمصانع والميناء، مع الفوارق في الأجور والظروف الاقتصادية، لتجعل من حيفا وجهة مفضّلة لكثير من شباب جبل عامل. بلد الشيخ... بين جبل الكرمل وسهل مرج ابن عامر كانت «بلد الشيخ» تقع في ضواحي حيفا الشرقية، على السفوح الشرقية لجبل الكرمل، وتشرف على سهل مرج ابن عامر الواسع، الذي يمرّ فيه نهر المقطّع. وقد تميّزت المنطقة بطبيعتها الزراعية الجميلة، وبمساحات واسعة من أشجار الزيتون المعمّرة، التي كانت تضفي عليها طابعاً ريفياً هادئاً. وفي عهد الانتداب البريطاني، استُخدمت أجزاء من الأراضي المحيطة لإقامة معسكرات ومواقع للقوات البريطانية. أمّا عند أسفل المنحدرات، فكانت تنتشر البساتين المزروعة بمختلف أنواع الخضار، مستفيدة من المياه الجوفية ووسائل الريّ التقليدية التي كانت معروفة آنذاك. وكانت تلك المشاهد الزراعية من الصور التي بقيت راسخة في ذاكرتي، إلى جانب صور المنازل والطرقات والناس الذين عشنا بينهم. «الحنّانات»... كيف كان المزارعون يستخرجون المياه؟ من التفاصيل التي أذكرها في بلد الشيخ وجود وسائل تقليدية لاستخراج المياه من الآبار، كان الأهالي يسمّونها «الحنّانات». وكانت تعتمد على حركة دائرية تؤدّيها الحيوانات التي تجرّ آلية مزوّدة بدواليب وأوعية أو صفائح، فتُرفع المياه من البئر وتُسكب في أقنية مخصّصة لريّ المزروعات. وكانت هذه الوسيلة تؤمّن المياه للبساتين والحقول، قبل انتشار المضخّات الحديثة على نطاق واسع. وبفضل هذه المياه، كانت الأراضي المحيطة تُزرع بالخضار والمحاصيل المختلفة، ثم تُنقل منتجاتها إلى أسواق حيفا، ولا سيما سوق الخضار الذي كان يُعرف باسم «الحسبة». وكانت حركة المزارعين والعمّال والتجّار بين البساتين والأسواق جزءاً من الحياة اليومية التي شهدتها خلال طفولتي هناك. نكبة فلسطين... حين تبدّلت الأحوال وتفرّقت العائلات لكنّ تلك الحياة التي بدت لنا مستقرة لم تستمرّ طويلاً. فقد جاءت أحداث عام 1948، وما رافقها من حرب وتهجير ومجازر، لتغيّر مصير أعداد كبيرة من العائلات الفلسطينية، ومن بينها عائلات كانت تقيم في حيفا وضواحيها، سواء من أبناء فلسطين أو من أبناء جبل عامل الذين استقرّوا فيها للعمل. وكانت عائلتنا من بين العائلات التي غادرت تلك الديار، تاركة وراءها منزلاً وذكريات وأياماً لا تُنسى. وقد حمل كلّ واحد منّا معه صوراً من تلك المرحلة، ووجوهاً لأشخاص أحببناهم، وأماكن لم نكن نتصوّر أنّنا سنفارقها على ذلك النحو. غير أنّ العلاقات الإنسانية التي نشأت بين أبناء الخيام وأهل حيفا لم تنقطع كلّها مع التهجير، بل استمرّ بعضها في الخيام نفسها، حيث لجأ إليها عدد من الأشخاص الذين ارتبطوا بها بالمحبّة والمصاهرة. عبد القادر قدومي... من حيفا إلى الخيام من بين هؤلاء كان السيّد عبد القادر قدومي، الذي سبق أن تحدّثت عن أخلاقه الرفيعة وكرمه ومحبّته لأبناء بلدتنا. فبعد نكبة فلسطين، لجأ إلى الخيام برفقة زوجته السيّدة سنيّة الشقراوي، واستقرّ فيها. ولأنّ زوجته لم تكن قد أنجبت أطفالاً، فقد تزوّج لاحقاً، بمباركتها، من فتاة خيامية، ورُزق عائلة أصبحت جزءاً من نسيج البلدة الاجتماعي. وبقي عبد القادر قدومي في الخيام حتى وفاته، رحمه الله، تاركاً وراءه سيرة طيّبة وذكراً حسناً بين الناس. وقد ورث أبناؤه وأحفاده عنه، كما عرفناهم، الكثير من صفاته الحميدة، من محبّة وتهذيب وحسن معاملة وصدق في العلاقات الإنسانية. وما زلنا نذكر ذلك الرجل بكلّ خير، ونستعيد مواقفه النبيلة التي تعبّر عن أصالة معدنه وكرم أخلاقه. سالم فرج... أحبّ الخيام فأصبح واحداً من أبنائها وكذلك كان حال السيّد سالم فرج، الذي انتقل مع زوجته السيّدة مريم سليمان إلى الخيام، واستقرّ فيها بعد رحيله عن فلسطين. وقد مارس مهنة السمكرة، وعاش بين أهل البلدة حتى وفاته، ثم وفاة زوجته، رحمهما الله. وكان سالم فرج مثالاً للرجل الذي يندمج في المجتمع الذي يعيش فيه، لا بالمكان والإقامة فحسب، بل بالمحبّة والغيرة والإخلاص وحسن المعاملة. فقد أصبح فرداً من أبناء الخيام، لا يمكن تمييزه عن أهلها في حرصه على شؤونها ومحبّته لسكانها واستعداده للتعاون معهم. وهكذا أثبت هذان الرجلان، عبد القادر قدومي وسالم فرج، أنّ الانتماء إلى البلدة لا تحدّده الولادة وحدها، بل تصنعه أيضاً المواقف الإنسانية والروابط الاجتماعية والمحبّة الصادقة. ما بقي من حيفا... وجوه وأماكن لا تمحوها السنوات تمرّ السنوات، وتتبدّل أحوال الناس والأمكنة، لكنّ بعض الذكريات تبقى حيّة في الوجدان، لا تفقد حضورها مهما طال الزمن. وما زلت، كلّما استعدت تلك الأيام، أرى أمامي بيت الحاجة هدلا، ومنزل عبد القادر قدومي في وادي النسناس، ودار سالم فرج في بلد الشيخ، وبيتنا الصغير الذي بناه والدي بعرقه وتعبه. وأستعيد وجوه أبناء الخيام وجبل عامل الذين كانوا يعملون في حيفا، وأسماء الرجال والنساء الذين أحاطونا بالمحبّة والرعاية، وأجواء الحياة التي جمعتنا بهم. كما أستعيد البساتين والحقول وأشجار الزيتون، وصور العمال والمزارعين وهم يتنقّلون بين أعمالهم، والأحياء التي كانت تضجّ بالحياة قبل أن تغيّرها أحداث النكبة. ولعلّ ما يجعل هذه الذكريات عزيزة على قلبي أنّها لا تتعلّق بالمكان وحده، بل بالناس الذين عشنا بينهم، وبالقيم التي جسّدوها في تعاملهم معنا. ذكريات لا تُنسى... وعلاقات إنسانية تستحقّ الوفاء أحببت أن أروي هذه الصفحات من طفولتي، لأنّها تمثّل جانباً من الحياة الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية التي عرفها أبناء الخيام وجبل عامل في فلسطين خلال أربعينيات القرن الماضي. وهي في الوقت نفسه شهادة شخصية على عمق العلاقات التي جمعت أبناء منطقتنا بأهل حيفا وضواحيها، وعلى ما ساد بين كثير من العائلات من تعاون ومحبّة ووفاء. لقد عرفت في تلك المرحلة رجالاً ونساءً تركوا في نفسي أثراً لا يُمحى، وأدركت مع مرور الزمن أنّ قيمة الإنسان لا تقاس بما يملكه، بل بما يقدّمه من خير ومحبّة ومساعدة للآخرين. وتلك الأيام، بما حملته من أفراح وآمال وأحداث مؤلمة، ستبقى محفورة في ذاكرتي ما حييت، لأنها جزء من عمري وتاريخ عائلتي وذاكرة جيل كامل عاش تلك المرحلة بكلّ ما فيها. وهكذا تستمرّ الذكريات، وتبقى الصور والأسماء والحكايات شاهدة على زمن مضى، وعلى علاقات إنسانية جميلة تستحقّ أن تُحفظ وتُروى للأجيال المقبلة. وإلى لقاء آخر، مع صفحة جديدة من ذكريات ماضينا وتاريخنا، بكلّ المحبّة والوفاء لكلّ من بقي حاضراً في الذاكرة والوجدان. فايز أبو عباس