الخيام نسخة تجريبية · Khiyam v2
أخبار وذاكرة ومجتمع
← الأرشيف

عمران فوعاني: من معتقل أنصار إلى مستشفى النجدة.. حكاية طبيب لم يغادر الجنوب

2026/10/31 · نظمية الدرويش · المقال رقم 53858
من حولا إلى معتقل أنصار وصولاً إلى مستشفيات الجنوب، يروي الطبيب عمران فوعاني مسيرته بين المقاومة والطب، وتجربته في إنقاذ الجرحى خلال الحروب والاعتداءات الإسرائيلية، وآخرها عدوان 2026. مرّ الأسبوع الأول من حزيران 2026 من دون أن يرى الدكتور عمران فوعاني الشمس. كان حبيس مستشفى النجدة الشعبية في النبطية، كغيره من أفراد الطاقم الطبي، بفعل الغارات المُعادية المتواصلة على محيط عمله، واستقرار شظايا بعضها في جدار المستشفى الخارجي. لم يكن فوعاني قد رأى عائلته منذ شهر، بعدما نزحت في الأول من آذار 2026. مع بدء العدوان، توجّه مباشرة إلى قسم الطوارئ، وانهمك في استقبال الجرحى وإجراء العمليات حتى المساء. ومنذ ذلك الحين، صار المستشفى منزله طوال الحرب. لم يكن قرار البقاء سهلًا، لكنه كان بديهيًّا لابن بلدة حولا. ولم يكن منفصلًا عن ذاكرة بلدته، التي تختزن تاريخًا طويلًا من المعاناة مع العدوان الإسرائيلي، منذ مجزرة عام 1948. وُلد فوعاني عام 1963 في البلدة التي يصفها بقوله: «حولا جارة هونين»، في إشارة إلى القرية الفلسطينية المحتلة التي أُقيمت على أراضيها مستعمرة مرغيليوت. كان في الرابعة من عمره حين كانت الغارات تدفع عائلته إلى مغادرة المنزل واللجوء إلى الوديان، حيث كانوا يمضون الليل في «الوعر»، تحت أشجار السنديان والبلوط، قبل أن يعودوا إلى البلدة صباحًا. وفي السادسة، وبعد قصف حولا، انتقلت العائلة إلى بلدة طلوسة. يومها، حمله شقيقه الأكبر على ظهره في رحلة النزوح، وكان حافي القدمين. يستعيد تلك المرحلة بالقول: «في تلك الظروف، وعينا على العدو، وتربّينا على مقاومته في بيت شيوعي». عام 1967، شهدت العائلة أول تهجير إلى كفررمان، قبل أن تعود إلى حولا. وبعد عامين، صار أفرادها ينتقلون إلى كفررمان خلال العام الدراسي، بسبب تعطّل المدارس في حولا، ويعودون إلى بلدتهم في الصيف والعطل، حيث كانوا، كما كثير من أهالي المنطقة، «يشكّون الدخان». وفي عام 1971، لم يكن منزل العائلة يتجاوز غرفة واحدة، لكنها كانت أقرب إلى مكتبة منها إلى منزل. مئات الكتب كانت تملأ المكان، فيما غاب عنه السرير والأثاث المكتمل. بين كتب لينين وفيديل كاسترو والثورة الروسية، نشأ فوعاني وتشكّل وعيه السياسي والفكري. عاصر الحركة الطالبية، وشارك في أنشطة كشافة التربية في كفررمان، وانضم إلى اتحاد الشباب، وصولًا إلى عضويته في مجلسه الوطني. انطلاقة العمل المقاوم مع اجتياح آذار 1978، تهجّرت العائلة نهائيًا إلى كفررمان. كان منزلها يبعد نحو خمسين مترًا عن مدرسة كفررمان الرسمية التي قُصفت مباشرة، وأُصيب فوعاني بشظايا الزجاج. في تلك المرحلة، كان العمل المقاوم ضمن الحزب الشيوعي لا يزال في بداياته، وشمل تنظيم المجموعات وجمع الأسلحة التي تركها الأهالي في الطرقات والمغاور خوفًا من وقوعها في يد العدو، ثم توزيعها. في الثامن من آب 1982، طوّق العدو منزل العائلة بحثًا عن شقيقه فرج الله ووالده. لم يعثر عليهما، فاعتقل فوعاني. استمر التحقيق معه نحو شهر ونصف شهر، تركّز خلالها على مخابئ الأسلحة ومسؤولي العمل المقاوم وتفاصيله. بعد أربعة أيام من التحقيق وقوفًا، هدّده المحقّقون بالصلب، فردّ عليهم: «إذا أنتم صلبتم المسيح، مش كتير تصلبوني». ثم عُصبت عيناه، وربطت يداه وقدماه، وخضع لسبعة أيام متواصلة من التحقيق والتعذيب. نشرة «نداء أنصار» في المعتقل تمكّن أحد الأسرى من إدخال جهاز راديو، فصار الأسرى يستمعون من خلاله إلى نشرة إخبارية يومية. تولّى فوعاني تفريغ الأخبار وكتابتها، ثم توزيعها على المعسكرات في أوراق صغيرة، كان بعضها يُربط بحجر لإيصاله إلى الأسرى في المعسكرات الأخرى، ومن هذه التجربة وُلدت نشرة «نداء أنصار». كُلّف فوعاني بكتابة عددها الأول، فيما تولّى رفاقه كتابة المقالات، وشارك شقيقه فرج الله في إعداد الرسوم. وصدر العدد خلال مرحلة محادثات كريات شمونة ومحاولات الفصل بين المسارين اللبناني والفلسطيني، فحمل رسائل تطالب بإطلاق سراح جميع الأسرى، وترفض الفصل بين مصير الأسرى اللبنانيين والفلسطينيين. كليّة الطب في تموز 1983، تزامنًا مع عيد الأضحى، أُفرج عن فوعاني ضمن مجموعة من الأسرى. وبعد شهرين، في أيلول من العام نفسه، سافر إلى الاتحاد السوفياتي لدراسة الطب والتخصص فيه. لم يكن اختيار الطب بعيدًا عن تجربته في حولا. فالبلدة لم تكن تضم طبيبًا أو عيادة، وكان المرضى يضطرون إلى التوجه إلى النبطية لتلقّي العلاج. وكان والده ينقل المرضى إليها، ونشأت له علاقة بالدكتور إبراهيم المعلّم، ساهمت في تأمين حضوره أسبوعيًّا إلى حولا لمعاينة الأهالي. من هذه الحاجة شجّع الوالد أبناءه على دراسة الطب، فتخرّج ستة من أبنائه العشرة أطباء من جامعات الاتحاد السوفياتي. بعد عودته عام 1996، وجد فوعاني نفسه أمام واقع طبي وأمني صعب في الجنوب. فقبل عام 2000، كان العدو يحتل جزءًا كبيرًا من المنطقة، وتمتد مواقعه إلى أطراف تلال علي الطاهر والطهرة والسويدة والجبل الرفيع، وصولًا إلى كفرفالوس وجزين. وكانت النبطية وكفررمان والقرى المجاورة تتعرض لاعتداءات وقصف متواصليْن. في تلك المرحلة، كان مستشفى النجدة الشعبية، حيث عمل فوعاني، يؤدي دور المستشفى الميداني، ويستقبل الإصابات والحالات الطارئة الناجمة عن الاعتداءات. وأتاح العمل فيه له اكتساب خبرة واسعة في التعامل مع مختلف الإصابات والحالات الجراحية، وتأمين المستلزمات الطبية في ظروف لم تكن سهلة. العيادة في حولا بعد تحرير الجنوب عام 2000، افتتح فوعاني عيادة طبية في بلدته حولا، تنفيذًا لوصية والده، الذي كان قد أمضى سنوات في نقل المرضى إلى النبطية لتلقّي العلاج. وفي عام 2006، بدأ ممارسة الجراحة في مستشفى ميس الحكومي مع افتتاحه، وكان من أفراد طاقمه الأساسي الذين بقوا في المستشفى خلال حرب تموز، وأسهموا في إسعاف المُصابين وإنقاذ الجرحى. خلال أيام الحرب الثلاثة والثلاثين، لم يغادر فوعاني المستشفى، ولم يزر عائلته. بقي في موقعه انطلاقًا من واجبه المهني والأخلاقي والحزبي، ومن الوصية التي تركها والده، بأن يكون إلى جانب أهل بلدته والجنوب. ومع الحرب التي بدأت في تشرين الأول 2023، وتصاعدت إلى حرب مفتوحة في أيلول 2024، تفرّغ فوعاني للعمل في مستشفى النجدة الشعبية في النبطية طوال ستة وستين يومًا، من دون مغادرة المستشفى، رغم الغارات والاستهدافات التي طاولت محيطه. كان يستطيع لقاء عائلته مرة واحدة أسبوعيًّا، لكن الخوف لم يكن دافعه إلى البقاء أو المغادرة، بل الواجب تجاه الناس الذين يحتاجون إلى الرعاية الطبية. أمّا العدوان الأخير عام 2026، فيصفه فوعاني بأنه الأقسى الذي مرّ على مستشفى النجدة ومدينة النبطية وعليه شخصيًّا، «إذا ما استُثنيت مجزرة البيجر». كانت تجربة شديدة الصعوبة، من حيث حجم الدمار والاستهداف المباشر للمدنيين والعُزّل، واستخدام العدو شتّى أنواع الأسلحة المُحرّمة وأفتكها. في أيلول من عام 1983 سافر عمران فوعاني إلى الاتحاد السوفياتي لدراسة الطب والتخصّص فيه لم يكن المستشفى مُحاصرًا بصورة مباشرة، لكن الطرق المؤدية إليه لم تكن آمنة، حتى أمام سيارات الإسعاف. وكان فوعاني يتنقل بسيارة إسعاف بين مستشفى النجدة ومستشفى النبطية الحكومي، فيما كانت المعدات الطبية ووحدات الدم تُنقل من صيدا إلى النجدة بواسطة سيارات الإسعاف. ومع اشتداد الغارات في حزيران، بات العدو يستهدف أي سيارة تحاول دخول النبطية، ما جعل التنقل إليها ومنها شديد الخطورة. استقبل مستشفى النجدة، إلى جانب مستشفى النبطية الحكومي ومستشفى الشيخ راغب حرب والفرق الإسعافية المنتشرة في المدينة، أعدادًا كبيرة من المصابين. وأجرى طاقمه عمليات جراحية كبرى وصعبة أسهمت في إنقاذ حياة كثيرين. لكن الإمكانات لم تكن متوافرة لجميع أنواع الإصابات. فالمستشفى كان يفتقر أحيانًا إلى جرّاحي عظام مقيمين والمعدات اللازمة لهذا النوع من العمليات. لذلك، كان الطاقم يتولى التدخلات الضرورية للحالات المهددة للحياة، قبل نقل المصابين إلى مستشفيات أخرى لاستكمال العلاج أو إجراء العمليات التي لا تتوافر إمكاناتها في النجدة. أقسى لحظات عدوان 2026 ومن أقسى اللحظات التي عاشها فوعاني في حياته، استشهاد شقيقيه فرج الله، في عملية مقاومة نفّذها الحزب الشيوعي في كفرفالوس، وخالد الذي فارق الحياة بين يديه. لكنّ مشهدًا آخر لا يزال حاضرًا في ذاكرته حتى اليوم: طفلة لم يتجاوز عمرها بضعة أشهر، وصلت إلى طوارئ مستشفى النجدة بعدما انتُشلت من تحت أنقاض منزل عائلتها في بلدة عربصاليم، إثر استهدافه من العدو الإسرائيلي. كانت العائلة في منزلها، في المكان الذي يُفترض أن يكون ملاذها الآمن، فإذا بالعدوان يطاولها تحت سقفه. كانت إصابات الطفلة بالغة في الرأس والبطن، وكان جسدها الصغير مُغطّى بالبارود والتراب، اللذين امتزجا على جلدها. حاول فوعاني وستة أطباء آخرين إنقاذ حياتها، لكنهم لم يتمكنوا، لصغر حجمها وخطورة إصاباتها، حتى من تركيب مصل وريدي لها. فارقت الطفلة الحياة بين أيديهم، واستُشهدت مع سبعة من أفراد عائلتها.