الخيام نسخة تجريبية · Khiyam v2
أخبار وذاكرة ومجتمع
← الأرشيف

فايز أبو عباس: ذكريات من الماضي.. أيام الصبا في الخيام (الحلقة الحادية عشرة)

2026/11/1 · فايز أبو عباس · المقال رقم 53865
من بلد الشيخ في ضواحي حيفا إلى الخيام... رحلة العودة القسرية إلى أرض الأجداد، وذكريات النكبة التي بدّلت مصير العائلة، وفتحت أمام طفل صغير أسئلة لم يجد أجوبتها إلا بعد سنوات طويلة.
من بلد الشيخ إلى الخيام... حين تبدّلت حياتنا في عام 1947، قرّر والدي أن يرسلنا، أنا وإخوتي، إلى بلدتنا الخيام في لبنان، بعدما بدأت الأوضاع في فلسطين تنذر بتطوّرات خطيرة. ولم يمضِ وقت طويل حتى لحق بنا مع والدتي، تاركاً وراءه منزلنا في بلد الشيخ، بما فيه من أثاث ومقتنيات وذكريات سنوات طويلة من العمل والاستقرار. عاد والدي خالي الوفاض تقريباً، لا يحمل سوى بعض المال الذي استطاع ادّخاره، ليبدأ من جديد حياة أخرى بين أهله وأقاربه، في البلدة التي وُلد فيها ونشأ. كنت آنذاك طفلاً صغيراً، لا أفقه ما يجري حولي، ولا أدرك لماذا اضطررنا إلى ترك منزلنا، ولا لماذا غادرنا بلد الشيخ التي عرفت فيها طفولتي الأولى. ولم أفهم أيضاً لماذا تركت مدرستي هناك، لألتحق بصفّ دراسي في كنيسة الروم الأرثوذكس في الخيام، حيث كان يعلّمنا أستاذ من بلدة راشيا الفخار، يُدعى إسبريدون العدس. كان كلّ ما حدث يبدو لي انتقالاً مفاجئاً من مكان إلى آخر، ومن حياة ألفتها إلى حياة جديدة لم أعتدها بعد.
صور غامضة في ذاكرة طفل لم أحمل من تلك المرحلة، في سنوات طفولتي الأولى، فهماً واضحاً للأحداث، بل احتفظت ذاكرتي بصور متناثرة وأخبار مبهمة، أشبه بالطلاسم التي يصعب فكّ رموزها. كانت الوجوه والأماكن والأصوات تتداخل في مخيّلتي، كأنّها مشاهد من شريط سينمائي تغطّيه طبقة من الضباب، فلا تظهر معالمه بوضوح. ومع ذلك، بقيت تلك الصور راسخة في أعماق الذاكرة، تنتظر مرور السنوات حتى أبلغ من العمر ما يسمح لي بفهم ما جرى، والتمييز بين الأحداث وربط أسبابها بنتائجها. وحين بلغت سنّ الرشد، بدأت أستعيد تلك المشاهد وأطرح الأسئلة التي لم أكن قادراً على طرحها في طفولتي. وكان السؤال الأهمّ الذي وجّهته إلى والدي: «لماذا تركنا بيتنا في بلد الشيخ، وغادرنا فلسطين، وعدنا إلى الخيام؟»
حديث والدي عن النكبة... كيف بدأت المأساة؟ أجابني والدي، مستعيداً الظروف السياسية التي سبقت رحيلنا: «يا ولدي، إنّ ما حدث في فلسطين لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة مخطّطات سياسية بدأت منذ مطلع القرن العشرين، عندما راحت الدول الكبرى تتقاسم مناطق النفوذ في بلادنا». ثم حدّثني عن اتفاقية سايكس بيكو، التي حملت اسم ممثّلَي بريطانيا وفرنسا، والرامية إلى اقتسام مناطق النفوذ في الأراضي العربية التابعة للدولة العثمانية. كما تحدّث عن وعد بلفور عام 1917، الذي أعلنت فيه الحكومة البريطانية تأييدها إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. وكان والدي يرى أنّ هذه السياسات مهّدت للتحوّلات التي شهدتها فلسطين خلال الانتداب البريطاني، ولا سيما مع تصاعد الهجرة اليهودية ونشاط التنظيمات الصهيونية المسلّحة. وتابع قائلاً إنّ تلك التنظيمات بدأت تضغط على المدن والبلدات الفلسطينية، وشنّت هجمات على عدد منها، ما أثار الخوف والذعر بين السكان ودفع كثيرين إلى النزوح. وكان يستشهد بما ارتُكب من مجازر، ومنها مجزرة دير ياسين في نيسان 1948، التي بقيت رمزاً من رموز المأساة الفلسطينية. ومع مرور السنوات، بدأت كلمات والدي تتّضح في ذهني، وأخذت الصور الغامضة التي حملتها من طفولتي تكتسب معاني جديدة.
العودة إلى الخيام... ومصير الجيران الفلسطينيين عدنا إلى الخيام مع عدد من أبناء بلدتنا الذين كانوا يقيمون ويعملون في بلد الشيخ وضواحي حيفا. كما رافقنا بعض جيراننا الفلسطينيين الذين اضطرّتهم الأحداث إلى مغادرة منازلهم وأرزاقهم، بحثاً عن مكان آمن يحتمون فيه. لكنّ هؤلاء الجيران لم يستقرّوا في الخيام، بل تابع بعضهم طريقه نحو دمشق ومناطق أخرى. وهنا يبرز سؤال قد يطرحه القارئ: لماذا لم يبقَ جيراننا الفلسطينيون في الخيام، وهي البلدة القريبة من الحدود الفلسطينية، ومن الجليل وحيفا وبلد الشيخ؟ للإجابة عن هذا السؤال، لا بدّ من التوقّف عند الأوضاع العسكرية التي كانت سائدة في المنطقة، وما رافق حرب عام 1948 من إجراءات وتدابير أمنية على الحدود اللبنانية الفلسطينية.
الجيش اللبناني ومعارك المالكية عام 1948 مع اندلاع الحرب في فلسطين عام 1948، شاركت جيوش عربية في العمليات العسكرية، كلّ وفق إمكاناتها وخططها والظروف التي أحاطت بها. وفي لبنان، جرى إعداد وحدات عسكرية للمشاركة في القتال، ومن بينها وحدة ضمّت عسكريين ومتطوّعين، بقيادة النقيب محمد زغيب. وقد خاضت هذه الوحدة معارك ضارية في منطقة المالكية، إحدى البلدات الواقعة قرب الحدود اللبنانية الفلسطينية، وتمكّنت القوات اللبنانية من السيطرة عليها خلال إحدى مراحل القتال. لكنّ المعارك استمرّت، وتبدّلت السيطرة على البلدة، قبل أن تستعيدها القوات الإسرائيلية في مرحلة لاحقة. وقد استشهد النقيب محمد زغيب خلال معارك المالكية، إلى جانب عدد من العسكريين والمتطوّعين. وما زلت أذكر، ممّا تناقله أهلنا، اسم الشهيد حسين أبو غيدا، إضافة إلى شهيدين آخرين من الخيام، أحدهما من آل خشيش والآخر من آل عبدالله، لكنّني لا أستطيع اليوم استحضار اسميهما على وجه الدقّة. وقد بقيت هذه المعارك، وما رافقها من تضحيات، حاضرة في ذاكرة أبناء المنطقة، ولا سيما العائلات التي فقدت أبناءها خلالها.
«ماكو أوامر»... عبارة بقيت في الذاكرة الشعبية وفي المقابل، كانت القوات الأردنية والعراقية قد دخلت مناطق من فلسطين من الجهة الشرقية، في إطار العمليات العسكرية التي شهدتها حرب عام 1948. وكان والدي يروي أنّ بعض الوحدات توقّفت عن التقدّم، رغم أنّها كانت قد قطعت مسافات داخل الأراضي الفلسطينية. وبحسب الرواية التي تناقلها الناس آنذاك، كان بعض الفلسطينيين يسألون قادة تلك الوحدات: «لماذا توقّفتم عن التقدّم؟ ولماذا لم تتابعوا تنفيذ المهمّة؟» فيأتي الجواب: «ماكو أوامر!» وهي عبارة باللهجة العراقية تعني: «لا توجد أوامر». وكانت هذه العبارة، بحسب ما يرويه والدي، موضع تندّر وسخرية بين الناس، حتى أصبحت تُستخدم للدلالة على من يبدأ عملاً ثم يتوقّف عن إكماله، متذرّعاً بانتظار التعليمات. وكان والدي يربط ذلك بواقع القيادة العسكرية والسياسية في تلك المرحلة، وبالتأثير البريطاني في بعض الجيوش العربية. وقد بقيت عبارة «ماكو أوامر» في الذاكرة الشعبية، تعبيراً عن الإحباط الذي شعر به كثيرون أمام النتائج التي انتهت إليها الحرب. أمّا في الجنوب الفلسطيني، فقد دخل الجيش المصري منطقة غزة، ضمن مشاركته في العمليات العسكرية عام 1948.
اللاجئون الفلسطينيون في لبنان... من النزوح إلى المخيمات نعود إلى لبنان، حيث أخذت أعداد متزايدة من الفلسطينيين تصل إلى الأراضي اللبنانية، هرباً من الحرب والتهجير. وقد استُقبل اللاجئون في مناطق مختلفة، وأُقيمت لاحقاً أماكن لإيوائهم ومخيمات في الجنوب، ولا سيما في مناطق صور وصيدا ومحيط النبطية، إضافة إلى مناطق لبنانية أخرى. وكانت ظروف الإقامة تختلف بحسب الموقع الجغرافي، وقرب المنطقة من الحدود الفلسطينية، والتدابير العسكرية والأمنية المعتمدة آنذاك. وبحسب ما كان يرويه والدي، اعتُبرت بعض المناطق الحدودية الجنوبية مناطق عمليات عسكرية، وفُرضت قيود على الدخول إليها والإقامة فيها. وكانت المنطقة التي تحدّث عنها تمتدّ، وفق وصفه، من رأس البياضة غرباً، مروراً بمحيط بيت ياحون جنوب تبنين وشمال بنت جبيل، وصولاً إلى منطقة مرجعيون شرقاً.
وكان الدخول إلى بعض المواقع، بحسب هذه الرواية، يحتاج إلى تصريح من القيادة العسكرية، في حين لم تكن الإقامة الدائمة للاجئين مسموحة في مناطق اعتُبرت ذات طابع عسكري حساس. وقد انعكست هذه الإجراءات على مصير العائلات الفلسطينية التي وصلت إلى القرى الحدودية، ومنها الخيام.
لماذا لم يستقرّ جيراننا الفلسطينيون في الخيام؟ يروي والدي أنّ الجيران الفلسطينيين الذين رافقونا خلال رحلة العودة لم يتمكّنوا من الإقامة في الخيام، بسبب القيود التي فُرضت على وجود اللاجئين في المنطقة الحدودية. ولذلك، اضطرّوا إلى متابعة رحلتهم نحو أماكن أخرى، سواء إلى مناطق داخل لبنان أو إلى سوريا، حيث وجد بعضهم مأوى بين الأقارب والمعارف، فيما استقرّ آخرون لاحقاً في مخيمات اللاجئين. وهكذا افترقنا عن أناس كنّا نعيش إلى جانبهم في بلد الشيخ، وتجمعنا بهم علاقات الجيرة والمحبّة والحياة اليومية. فقد فرّقت الحرب بين العائلات، وأجبرت الناس على البحث عن ملاذ جديد، بعدما فقدوا منازلهم وأعمالهم ومصادر رزقهم. ومع ذلك، بقي في الخيام شخصان من جيراننا ومعارفنا الذين ارتبطوا بالبلدة بروابط المصاهرة، وهما: السيّد عبد القادر قدومي، والسيّد سالم فرج. وقد سبق أن تحدّثت عنهما في الحلقات الماضية، وعن أخلاقهما الحميدة ومحبّتهما لأبناء الخيام. كان كلاهما متزوّجاً من إحدى بنات البلدة، فاستقرّا فيها، وأصبحا جزءاً من مجتمعها، وعاشا بين أهلها بكلّ محبّة ووفاء.
من حياة الاستقرار إلى واقع جديد لم تكن عودتنا إلى الخيام مجرّد انتقال من منزل إلى آخر، بل كانت بداية مرحلة جديدة من حياتنا، فرضتها ظروف سياسية وعسكرية لم نكن نملك القدرة على تغييرها. لقد غادرنا بلد الشيخ، حيث نشأتُ وعرفتُ أولى سنوات طفولتي، وعدنا إلى البلدة التي ينتمي إليها آباؤنا وأجدادنا. وكان على والدي أن يبدأ من جديد، بعدما ترك عمله في شركة «شل» وفقد المنزل الذي بناه بجهده وتعبه. أمّا نحن الأطفال، فقد وجدنا أنفسنا أمام عالم جديد، ومدرسة جديدة، ورفاق جدد، وحياة تختلف عمّا ألفناه في فلسطين. لكنّنا، على الرغم من كلّ ذلك، كنّا محظوظين بأنّ لنا في الخيام أهلاً وأقارب وبيتاً عائلياً نعود إليه. في المقابل، كان كثير من جيراننا الفلسطينيين قد فقدوا كلّ شيء تقريباً، ولم يكن أمامهم سوى مواصلة رحلة اللجوء والبحث عن مكان يؤويهم. وهذا ما جعل مأساة النكبة تتجاوز حدود الخسارة المادية، لتصبح مأساة إنسانية واجتماعية امتدّت آثارها عبر الأجيال.
ذاكرة لا تمحوها السنوات تمرّ السنوات، وتتعاقب الأحداث، لكنّ بعض الصور تبقى محفورة في الذاكرة، مهما ابتعد الزمن. وما زلت أتذكّر تلك المرحلة التي انتقلنا فيها من بلد الشيخ إلى الخيام، وما رافقها من حيرة الطفولة وأسئلة لم أكن أعرف أجوبتها. ثم كبرت، وبدأت أفهم ما كان والدي يرويه لنا عن فلسطين، وعن الحرب والتهجير، وعن الناس الذين تركوا بيوتهم وأرزاقهم، وتفرّقوا في بلاد اللجوء. لقد عشنا تلك الأحداث من موقع الطفل الذي لا يدرك أبعادها، ثم عدنا إليها بذاكرة الإنسان الذي أصبح قادراً على قراءة التاريخ وربط الأحداث بعضها ببعض.
وهكذا بقيت فلسطين أرض طفولتي الأولى، وبقيت الخيام أرض الجذور والأجداد، وبينهما حكاية رحيل وعودة لا تزال حاضرة في وجداني. وإلى لقاء جديد، مع صفحة أخرى من ذكريات الماضي وأيام الصبا في الخيام.
فايز أبو عباس
يتبع: الأوضاع السياسية والاجتماعية في الخيام.