حريم الحاكم: أربع نساء بعشرات القضايا ومئات الملايين من الدولارات .. في ملفات رياض سلامة
زوجة رسمية بمصروف شهري 35 ألف دولار وحسابات بنكية ينظرها القضاء الفرنسي، و زوجة سرية أوكرانية بعقارات مليونية وحظر سفر في باريس، ومديرة مكتب على قوائم عقوبات ثلاث دول في تحويلات بمئات الملايين، وفاشونيستا (ممثلة) قيد الاستجواب في هدايا وعقارات وحسابات سرية وتحويلات مليونية.
غيض من فيض في ملف الحياة الخاصة لحاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة الذي ارتبط اسمه بتحقيقات في أكبر قضايا الفساد والاختلاس وغسيل الأموال في تاريخ لبنان الحديث.
في بلد كان فيه المودعون يقفون أمام المصارف عاجزين عن سحب مدخراتهم، بينما كانت الليرة تنهار والأسعار تقفز يومياً، تكشف التحقيقات عن نمط "ألف ليلة وليلة" من الرفاهية وبذخ الإنفاق وشبهات التعاملات المالية والعلاقات النسائية.
رياض سلامة البالغ من العمر 76 عاماً، والمولود في 'أنطلياس' لعائلة مارونية ثرية استقرت لسنوات في ليبيريا، تولى حاكمية مصرف لبنان المركزي ثلاثين عاماً (1993 -2023)، قبل أن يلقى القبض عليه
في سبتمبر 2024 ويُفرج عنه بكفالة قياسية.
ثم اتُُّهم في يناير الماضي مع مستشارين قانونيين باختلاس 44 مليون دولار والتزوير والإثراء غير المشروع. وفي 31 يوليو، أُعيد توقيفه بعد تغيبه عن جلسة محاكمة، وهو الآن نزيل في سجن رومية.
وفي 10 أغسطس، وجّهت إليه تهماً جديدة مع سمير حنا (الرئيس السابق لبنك عوده)، تشمل الاختلاس وغسل الأموال والرشوة.
لكنه ينفي ارتكاب المخالفات المنسوبة إليه، متمسكاً بأن ثروته تعود إلى استثماراته وعمله السابق في القطاع المالي ومصادر أخرى مشروعة.
ولأنه لأي يجوز التعليق على قضية منظورة أمام القضاء اللبناني، فقد انصب تركيز التحقيقات الاستقصائية على ما يتعلق بارتباطات "مشبوهة" في حياته الشخصية، عملاً بالقاعدة الجنائية الشهيرة "فتّش عن المرأة".
وللمرأة في "ملفات سلامة" أربع حكايات يشيب لها الولدان.
القصة الأولى تبدأ من منزل الزوجية. ندى سلامة، زوجة الحاكم السابق وأم أولاده وبناته الأربعة، لم تكن في البداية اسماً بارزاً في التحقيقات الأوروبية، إلى أن ظهرت مراسلات ومستندات قالت القاضية 'غادة عون' إنها حصلت عليها بعد مداهمة منزل سلامة في منطقة الرابية واستجواب زوجته.
ووفقاً للمنشور في صحف لبنانية عام 2023، كان رياض يحوّل إلى حساب زوجته في بنك عودة نحو 35 ألف دولار مصروفا شهرياً (أي 400 ألف دولار سنوياً)، رغم أنه قال خلال التحقيقات إن راتبه الشهري من مصرف لبنان لا يتجاوز 25 ألف دولار!!
واستندت التقارير اللبنانية إلى وثائق مسرّبة عن مصروفات باهظة على الأسرة والمنازل والمشتريات الشخصية، وإلى مراسلات تضمنت طلبات مالية كبيرة، بينها طلب مبلغ 100 ألف دولار لشراء فستان لحضور زفاف إحدى بناته في فرنسا، فضلا عن فواتير متجر كبير تملكه الزوجة في وسط بيروت.
لكن التطور الأهم في ملف ندى جاء من باريس، حين كشف تقرير لصحيفة "لوريان لوجور" L’Orient-Le Jour في مارس 2025، أن القضاء الفرنسي طلب من السلطات اللبنانية التحقيق في الحسابات المصرفية الحسابات المشتركة بين سلامة وزوجته في لبنان.
وبحسب التقرير ذاته، تقصّت لجنة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان عن تحويل يعود إلى أغسطس 2007، خرج من حساب شقيقه رجا سلامة، إلى حساب يعود لرياض أو زوجته.
المرأة الثانية هي الأوكرانية 'آنا كوساكوفا' (49 عاماً) المقيمة في فرنسا، وهي أم ابنة رياض سلامة (إليزابيث) التي اعترف بأبوته لها عام 2007، وفق وثيقة ميلاد اطلعت عليها صحيفة "لوريان لوجور". وفي تحقيق نشرته الصحيفة الفرنسية نفسها في 11 أغسطس 2021، استناداً إلى وثائق سويسرية، ظهرت 'كوساكوفا' بوصفها رئيسة شركة عقارية اشترت عقارات في فرنسا بقيمة لا تقل عن عشرة ملايين يورو.
كما كشفت التحقيقات عن صلات بين شركات تديرها الأوكرانية الباريسية وأموال خرجت من شركة "فوري" Forry Associates Ltd التي كانت محور التحقيقات السويسرية والفرنسية في "العمولات غير القانونية" (أكثر من 326 مليون دولار من مصرف لبنان إلى حسابات في سويسرا بين عامي 2002 و 2004).
وفي سياق غير بعيد، ظهر أن المصرف دفع نحو 5 ملايين يورو لشركة تملكها 'كوساكوفا' مقابل "استئجار" مكاتب لمصرف لبنان في باريس لا تزيد مساحتها عن 100 متر مربع، والأدهى أنه لم يتجاوز استخدامها 4 أسابيع سنوياً!!!
وفي ديسمبر 2022، وضع مكتب الادعاء المالي الوطني الفرنسي 'كوساكوفا' قيد التحقيق الرسمي للاشتباه في "غسل أموال"، مع قرار بمنعها من مغادرة فرنسا، بعدما نفت هي أنها كانت تعرف مصدر الأموال و"لم تسأل سلامة عن ذلك".
المرأة الثالثة 'ماريان الحويك' (46 عاماً)، بدأت متدربة في المصرف المركزي عام 2003، ثم صعدت سريعاً إلى منصب مديرة مكتب الحاكم، قبل أن تصبح مستشارة تنفيذية أولى له، ووصفتها وثائق وزارة الخزانة الأمريكية أنها كانت "المساعدة الرئيسية لسلامة" في المصرف.
اسم 'الحويك' ظهر في ملف "فوري" أيضاً وفي التحقيقات المتعلقة بتحويلات مالية إلى حسابات أوروبية. ففي أبريل 2023، أظهر القضاء السويسري أن أكثر من 1.1 مليون دولار حُوّلت بصورة غير مباشرة من المؤسسة المالية المشبوهة إلى 'ماريان' عبر شركتها الفرعية Rise Invest SA، بين عامي 2008 و2013. بينما قدرت وحدة التحقيق المالي في موناكو ثروة اللبنانية الفاتنة بنحو 14.1 مليون يورو، وفق تقرير اطلعت عليه صحيفة "ذا ناشونال"، مع الإشارة إلى عدم حسم المصدر القانوني لجميع أصولها.
وفي إفادة أمام القضاء اللبناني عام 2021، قالت 'الحويك' إن راتبها الشهري بدأ عند ثلاثة ملايين ليرة لبنانية عام 2003، ثم ارتفع تدريجياً إلى 18 مليون ليرة بين عامي 2015 و2020. وفي تحقيق فرنسي، قالت إنها حصلت، إلى جانب راتبها، على 800 ألف دولار خلال 6 سنوات مقابل عمل في مشروع للاقتصاد الرقمي داخل مصرف لبنان.
أما وزارة الخزانة الأمريكية، فأوردت في قرار العقوبات الصادر ضدها في أغسطس 2023 أن 'الحويك' شاركت في "تحويل مئات الملايين من الدولارات عبر حسابها الشخصي إلى حسابات رياض ورجا سلامة".
وقد فرضت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا عقوبات عليها في اليوم نفسه، على خلفية الاشتباه في تسهيل فساد وتحويلات غير مشروعة من مصرف لبنان.
ولم تنته قصة 'الحويك' عند هذا الحد، إذ تردد اسمها أيضاً في قضية منصة "صيرفة" التي تولت تطويرها خلال فترة عملها مستشارة تنفيذية لسلامة. وقدّر البنك الدولي الأرباح الناتجة من العمليات التي جرت عبر المنصة بنحو 2.5 مليار دولار (استفادت الحويك شخصياً منها بحوالي 300 مليون دولار لمجموعة من المقربين و120 مليوناً لسلامة، وفق تقارير صحفية لم تُحسم قضائيا).
أما المرأة الرابعة، فهي الممثلة والفاشونيستا 'ستيفاني صليبا' (39 عاماً) التي ولجت ملف "العشيق المتيّم" -حسب وصف صحف محلية- من باب الهدايا والعقارات، ثم ظهرت لها لاحقاً "صلات مالية" أكثر تعقيداً.
ففي مايو 2023، قالت القاضية غادة عون في مقابلة صحفية إن 'صليبا' أقرت خلال التحقيق بعلاقتها الخاصة بسلامة، وإنها تملك شقة في وسط بيروت تبلغ مساحتها نحو 500 متر مربع، قُدرت قيمتها بنحو ثلاثة ملايين دولار، وشقة أخرى في مجمع "بيت مسك" قُدرت بنحو 600 ألف دولار. كما أشارت إلى أن صليبا لم تقدم، بحسب روايتها، مستندات كافية لتفسير مصدر الأموال التي موّلت تلك الممتلكات.
وبينما وجّه القضاء اللبناني إليها في مايو 2023 تهما بالإثراء غير المشروع وغسل الأموال، اعتبرت الفنانة تلك الاتهامات "محاولة لتشويه سمعتها".
وفي تحقيق نشرته منصة "درج" في 17 أغسطس 2026، كشف أن القضاء اللبناني استجوب 'صليبا' مجدداً بسبب ارتباط حساب مصرفي لها بشركة V-INVEST التي يُشتبه في استخدامها لتمرير تحويلات مالية مرتبطة برياض سلامة (تقدّر بنحو 70 مليون دولار من عمولات تداول الأوراق المالية).
كما أفاد التحقيق الصحفي بأن المحققين ينظرون في هدايا قدمها سلامة لكل من 'استيفاني صليبا' و 'ماريان الحويك'، بينها سيارتان من طراز "بورشه" و"جاغوار" قيل إن ثمنهما سُدد من حسابات الشركة المذكورة.
كما يلاحق ملف "أوبتيموم إنفست" Optimum Invest تحويلات سرية أخرى تقدر بنحو 110 ملايين دولار، وفق تحقيق "درج"، تُضاف إلى الملفات الرئيسية التي يواجهها سلامة بين نحو 330 مليون دولار في قضية "فوري"، و70 مليوناً في ملف V-INVEST، مع اختلاف طبيعة الاتهامات ومسارات التحقيق في كل منها.
وبينما تتواصل التحقيقات القضائيّة في لبنان وفرنسا وسويسرا وبلدان أخرى، ربما تظهر حلقة جديدة من مسلسل "حريم الحاكم" (اللبناني).