فايز أبو عباس: ذكريات من الماضي... أيام الصبا في الخيام (الحلقة الرابعة عشرة)
المدرسة الرسمية ونيل الشهادة الابتدائية «السرتفيكا»... ذكريات عن المعلّم والمربّي علي حسين عبدالله، وعن رحلة الامتحانات الرسمية إلى النبطية في زمن كانت فيه وسائل النقل محدودة، وكان النجاح في الشهادة الابتدائية حدثاً مهماً في حياة التلاميذ وعائلاتهم.
العام الدراسي 1949–1950... بداية الحكاية في بداية العام الدراسي 1949–1950، كنت تلميذاً في الصف الرابع الابتدائي في مدرسة الخيام الرسمية، وكان بين تلاميذ الصف اثنان يتميّزان بمستواهما الدراسي، هما أنا وصديقي، الدكتور علي عواضة، الذي تربطني به ذكريات تلك المرحلة الجميلة. وكان مدير المدرسة آنذاك الأستاذ والمربّي الفاضل علي حسين عبدالله، الذي لا يسعني، وأنا أستعيد اليوم ذكريات تلك السنوات، إلا أن أتوقّف عند دوره التربوي الكبير، وما تركه من أثر في نفوس تلامذته ومستقبلهم.
الأستاذ علي حسين عبدالله... مربٍّ أسهم في بناء أجيال الخيام والحقّ والعدالة والتاريخ تقتضي أن أشهد بأنّ الأستاذ علي حسين عبدالله كان له الفضل الكبير في تنشئة أجيال من أبناء الخيام، أصبح كثيرون منهم لاحقاً من أصحاب العلم والمعرفة والمراكز المرموقة في مختلف المجالات. فمن بين تلامذته من برز في التربية والتعليم، ومنهم من أصبح طبيباً أو مهندساً أو أستاذاً جامعياً، ومن تولّى مسؤوليات في الوظائف العامة والمهن المختلفة. لم يكن الأستاذ علي مجرّد مدير مدرسة أو معلّم يلقّن تلامذته الدروس، بل كان مربّياً بالمعنى الحقيقي للكلمة، يجمع بين الحزم والحنان، وبين الحرص على التحصيل العلمي والاهتمام ببناء شخصية التلميذ. كان يشعر بمسؤوليته تجاه أبناء البلدة، ويسعى إلى إعداد أجيال قادرة على تحمّل مسؤولياتها، لا تجاه عائلاتها والخيام فحسب، بل تجاه الوطن والمجتمع أيضاً. وقد بقيت صورته في ذاكرتي مثالاً للمربّي الذي يعرف قدرات تلامذته، ويتابع تقدّمهم، ويشجّعهم على بذل المزيد من الجهد للوصول إلى أفضل النتائج.
قرار مفاجئ... من الصف الرابع إلى صف الشهادة نعود إلى ما جرى في بداية ذلك العام الدراسي. فبعد انقضاء الفصل الأول، ومن خلال متابعته الدقيقة لأعمال التلامذة ونتائجهم، استدعاني الأستاذ علي حسين عبدالله مع زميلي علي عواضة. وبعد حديث قصير معنا، أبلغنا قراره قائلاً: «قرّرت أن أرفّعكما إلى الصف الخامس الابتدائي، وعليكما أن تبذلا المزيد من الجهد والنشاط والاجتهاد، حتى تتمكّنا من نيل الشهادة الابتدائية». كان القرار مفاجئاً بالنسبة إلينا، لكنه عكس ثقة المدير بقدراتنا وإيمانه بإمكان نجاحنا في تجاوز مرحلة دراسية كاملة. وهكذا انتقلنا إلى الصف الخامس، وهو صفّ الشهادة الابتدائية المعروفة آنذاك باسم «السرتفيكا». وبعد مرور أسابيع قليلة، على ما أذكر، شعر زميلي علي عواضة بأنّه يفضّل العودة إلى الصف الرابع، فتقدّم بطلب إلى الأستاذ علي لإعادته إلى صفّه السابق. وقد استجاب المدير لطلبه، فعاد زميلي إلى الصف الرابع، فيما قرّرت أنا الاستمرار في صف الشهادة ومتابعة الدراسة.
الاختبار الأول... نتيجة لم تكن على قدر التوقّعات كان الأستاذ علي، كعادته، يحرص على إجراء اختبارات دورية لتلامذة الصف الخامس، بهدف تدريبهم على أجواء الامتحانات الرسمية، واختبار مدى استعدادهم لها. وجاء موعد الاختبار الأول، فخضناه وسط أجواء من الجدّية والترقّب. لكنّ النتيجة التي حصلت عليها لم تكن مشجّعة، بل كانت سلبية، حتى لا أقول إنّني رسبت في ذلك الاختبار. عندها استدعاني المدير وسألني عن أسباب هذه النتيجة، ثم وضعني أمام خيارين: إمّا أن أعود إلى الصف الرابع، كما فعل زميلي، وإمّا أن أبقى في صف الشهادة، شرط أن أبذل جهداً أكبر، وأثبت أنّني أهل للثقة التي منحني إيّاها. ولأنّني كنت أكنّ لهذا المربّي احتراماً وتقديراً كبيرين، ولم أكن أرضى أن أخيّب ظنّه بي، فقد أجبت من دون تردّد: «أتعهد لك بأن أكون الأوّل في الاختبار المقبل». كان ذلك وعداً قطعته على نفسي قبل أن أقطعه له، وشعرت بأنّ عليّ مسؤولية مضاعفة لإثبات قدرتي على النجاح. وبالفعل، بدأت أبذل جهداً أكبر في الدراسة والمراجعة، إلى أن جاء موعد الاختبار الثاني بعد نحو شهر. وكانت النتيجة هذه المرّة إيجابية وجيّدة، فأعدت بذلك الثقة إلى نفسي، وأثبتّ أنّ قرار بقائي في صف الشهادة لم يكن مغامرة خاسرة.
الاستعداد للامتحانات الرسمية... رحلة إلى النبطية انتهى العام الدراسي، وأنهينا البرامج المقرّرة والاختبارات التحضيرية، وأصبحنا على أبواب الامتحانات الرسمية للشهادة الابتدائية. وكانت امتحانات تلامذة منطقة مرجعيون تُجرى آنذاك في مدينة النبطية، ما كان يفرض علينا الانتقال إليها والتعرّف إلى مراكز الامتحانات التي وُزّعنا عليها. ولم يكن الأمر سهلاً كما قد يبدو اليوم. ففي بداية خمسينيات القرن الماضي، كانت وسائل النقل محدودة، وتقتصر بصورة أساسية على الحافلات التي كنّا نسمّيها «البوسطات»، إضافة إلى عدد قليل من السيارات الخاصة. وكان على التلميذ أن يفكّر في كيفية الوصول إلى النبطية في الوقت المناسب، من دون أن يتعرّض لما قد يؤثّر في استعداده الجسدي والنفسي للامتحان.
مشكلتان أمام التلامذة... السفر والبحث عن مركز الامتحان كان أمامنا عائقان أساسيان. الأول هو ضرورة الانطلاق باكراً من الخيام للوصول إلى النبطية قبل موعد الامتحان، وما قد يرافق الرحلة من تعب أو دوار، ولا سيّما لدى بعض التلامذة الذين لم يكونوا معتادين على السفر بالحافلات. فكيف يمكن لتلميذ أن يبدأ امتحاناً مصيرياً وهو يشعر بالإرهاق أو الغثيان، أو يصل متأخّراً ومضطرب الأعصاب؟ أمّا العائق الثاني، فكان التعرّف إلى مركز الامتحان المحدّد لكلّ تلميذ، والوصول إليه في الوقت المناسب. فالنبطية لم تكن مدينة مألوفة لجميع التلامذة، ولم تكن وسائل الاتصال والمواصلات تسمح بسهولة معرفة المواقع والتنقّل بينها كما هي الحال اليوم. ولذلك، كان الحلّ الأفضل هو التوجّه إلى النبطية قبل يوم من موعد الامتحان، للتعرّف إلى المركز والمبيت هناك، ثم التوجّه إليه صباحاً بهدوء واطمئنان.
محمد حبيب حيدر... قريب سهّل علينا مهمّة السفر ولحسن الحظّ، كان قريبي محمد حبيب حيدر يدرس في تلك الفترة في تكميلية النبطية، استعداداً لنيل الشهادة التكميلية المعروفة باسم «البريفيه»، وكان يقيم هناك مع عدد من تلامذة الخيام. وقد شكّل وجوده ورفاقه فرصة مناسبة لتسهيل رحلتنا. فتوجّهنا إلى النبطية قبل يوم من موعد الامتحان، وحللنا ضيوفاً عليهم. وكانوا بحكم إقامتهم ودراستهم في المدينة يعرفون المدارس ومواقعها، فساعدونا على التعرّف إلى مراكز الامتحانات، وهيّأوا لنا مكاناً للمبيت حتى صباح اليوم التالي. وهكذا استطعنا تجاوز مشكلتَي السفر المبكر والبحث عن مركز الامتحان، وأصبح بإمكاننا الاستعداد لليوم المنتظر براحة أكبر.
صباح الامتحان... خطوات مثقلة بالرهبة والترقّب جاء صباح يوم الامتحان، فانطلقنا مع زملائنا التلامذة سيراً على الأقدام، يتوجّه كلّ منّا إلى المركز الذي خُصّص له. كانت الخطوات تتوالى على الطريق، لكنّ النفوس لم تكن على القدر نفسه من الهدوء. فكلّما اقتربنا من مركز الامتحان الواقع عند المدخل الشمالي لمدينة النبطية، ازدادت دقّات القلوب، وبدأ شعور من الرهبة والقلق يتسلّل إلى نفوسنا. كان التلامذة يتوافدون من مختلف البلدات والقرى، بعضهم برفقة زملائه، وبعضهم بصحبة أقاربه أو معارفه. وما إن وصلنا إلى المركز حتى بدأنا نشعر بأنّنا أمام تجربة مختلفة تماماً عن الاختبارات التي اعتدنا إجراءها في مدرستنا.
وجوه غريبة ومقاعد جديدة... رهبة الامتحان الرسمي في المدرسة، كنّا نجري اختباراتنا بين رفاق نعرفهم، وفي صفوف وممرّات وملاعب ألفناها طوال السنة الدراسية. وكان المراقب هو معلّمنا أو أستاذنا الذي نراه كلّ يوم، ونعرف طريقته في التعامل معنا. أمّا هنا، فكلّ شيء كان مختلفاً. التلامذة من مدارس وبلدات متعدّدة، والوجوه غير مألوفة، والغرف والممرّات والمقاعد جديدة علينا، والمراقبون أشخاص لا نعرفهم ولا نعرف أساليبهم في التعامل. وكانت ملامح الجدّية والحزم على وجوه المراقبين تزيد من شعورنا بالرهبة. بدأنا نصطفّ وفق التعليمات، ثم دخل كلّ تلميذ إلى الغرفة المخصّصة له، وجلس في المقعد الذي حُدّد باسمه. وبقينا ننتظر لحظة بدء الامتحان، فيما كانت العيون تراقب حركة المراقبين، والقلوب تخفق بانتظار توزيع الأسئلة. جرس البداية... والامتحان ينطلق دقّ الجرس معلناً بدء الامتحان. راح المراقبون يوزّعون أوراق الإجابة البيضاء وكراريس الأسئلة، ويتجوّلون بين المقاعد للتأكّد من جلوس كلّ تلميذ في مكانه المحدّد، ومن التزام الجميع بالتعليمات. كانت تلك اللحظات تحمل مزيجاً من الخوف والترقّب والرغبة في النجاح. وما إن تسلّمنا أوراق الأسئلة حتى بدأنا نقرأها ونحاول استحضار ما تعلّمناه خلال السنة الدراسية، وما تدربنا عليه في الاختبارات التحضيرية التي كان يجريها لنا الأستاذ علي حسين عبدالله.
مواد «السرتفيكا»... امتحانات في يوم واحد كانت امتحانات الشهادة الابتدائية آنذاك تشمل عدداً من المواد الأساسية، من بينها: اللغة العربية: مسابقة في الإنشاء والتعبير، يُطلب فيها من التلميذ وصف حدث أو مكان أو رحلة أو مشهد من الطبيعة، أو الكتابة في موضوع آخر يُحدّد له. الحساب: مجموعة من المسائل الحسابية البسيطة، إضافة إلى مسألة رئيسية أكثر تعقيداً، تتطلّب التركيز وفهم المعطيات للوصول إلى الحلّ الصحيح. اللغة الأجنبية: مسابقة في الإملاء، يتلو فيها أحد المراقبين النصّ على التلامذة باللغة الأجنبية، ويُطلب منهم كتابته بصورة صحيحة. التاريخ والجغرافيا: أسئلة تتعلّق بتاريخ لبنان وجغرافيته، وما تعلّمناه عن مناطقه ومعالمه وأحداثه. وكان يُخصّص لكلّ مادة وقت محدّد، على أن تُنجز الامتحانات جميعها في يوم واحد، يبدأ نحو الساعة الثامنة صباحاً وينتهي قبل الرابعة بعد الظهر. وكان ذلك اليوم طويلاً وشاقّاً بالنسبة إلى تلامذة صغار، يخوض كثير منهم تجربته الأولى في الامتحانات الرسمية خارج بلدته ومدرسته.
امتحان الإملاء... وعيوننا تلاحق شفتَي المراقب! من المشاهد الطريفة التي لا تزال حاضرة في ذاكرتي امتحان الإملاء باللغة الأجنبية. فقد كان المراقب يتلو علينا الكلمات والجمل، ونحن نصغي إليه بكلّ انتباه، محاولين تمييز الحروف وطريقة لفظ الكلمات لكتابتها بصورة صحيحة. وكنت أراقب، مع بقية التلامذة، حركة شفتَيه وملامح وجهه، لعلّنا نستطيع من خلالها فهم الكلمة التي ينطق بها. وكان يتجوّل بين المقاعد بخطوات متأنّية ومظهر جادّ، حتى خُيّل إليّ أنّه يتحرّك مثل الديك الرومي، ونحن نلاحقه بنظراتنا من جهة إلى أخرى! كانت عيوننا معلّقة بوجهه، وآذاننا منصتة لكلّ حرف يلفظه، خوفاً من أن تفوتنا كلمة أو نخطئ في كتابتها. وما زلت أستعيد هذا المشهد بابتسامة، متعجّباً من شدّة التركيز والقلق اللذين كنّا نعيشهُما في تلك اللحظات.
انتهاء الامتحان... أسئلة لا تنتهي بين التلامذة وأخيراً، انتهى يوم الامتحان، وسُمِح لنا بمغادرة القاعات. خرجنا إلى باحة المركز، وإذا بالتلامذة يتحلّقون في مجموعات صغيرة، وقد بدأ كلّ واحد يسأل الآخرين عمّا كتبوه وكيف أجابوا عن الأسئلة. «كيف كان الامتحان معك؟» «هل تمكّنت من حلّ مسألة الحساب؟» «ماذا كانت إجابتك عن السؤال الأخير؟» «هل كانت الأسئلة سهلة أم صعبة؟» وكانت الأجوبة تتداخل، فهذا يؤكّد أنّه حلّ المسألة بصورة صحيحة، وذاك يكتشف أنّه أخطأ في إحدى الخطوات، وثالث يحاول الاطمئنان إلى صحّة إجاباته من خلال مقارنة ما كتبه بأجوبة زملائه. لقد كانت لحظات تجمع بين الارتياح لانتهاء الامتحان، والقلق من النتائج التي ستحدّد نجاحنا أو رسوبنا.
العودة إلى الخيام... وانتظار النتائج على أحرّ من الجمر بعد مغادرتنا مركز الامتحان، توجّهنا إلى الشارع العام، حيث انتظرنا وصول «البوسطة» التي ستعيدنا إلى بلداتنا وقرانا. وعندما وصلنا إلى الخيام، كان أهلنا ومعلمونا وأقاربنا ينتظرون أخبارنا، وكلّ منهم يريد أن يعرف كيف جرت الامتحانات، وما إذا كنّا قد تمكّنا من الإجابة عن الأسئلة. وبدأت جولة جديدة من الأسئلة والاستفسارات، لا تقلّ في كثرتها عن أسئلة الامتحان نفسه! وكان علينا أن نروي تفاصيل اليوم، وأن نشرح كيف كانت المسابقات، وما الذي وجدناه سهلاً أو صعباً، وكيف تعاملنا مع أجواء الامتحان الرسمي. ثم بدأت مرحلة الانتظار. أسابيع تمرّ ببطء، ونحن نترقّب صدور النتائج، بين الأمل والقلق والحيرة، ونتساءل عمّا إذا كان تعب السنة الدراسية وجهودنا ستُتوّج بالنجاح. وكان انتظار النتائج امتحاناً آخر للصبر والأعصاب، لا يقلّ رهبة عن يوم الامتحان نفسه.
ذكريات «السرتفيكا»... حين كان النجاح فرحة للعائلة والبلدة حين أستعيد اليوم تلك المرحلة، أدرك كم كانت للشهادة الابتدائية قيمة كبيرة في حياة التلامذة وعائلاتهم. فالحصول على «السرتفيكا» لم يكن مجرّد انتقال من مرحلة دراسية إلى أخرى، بل كان إنجازاً يبعث الفخر والاعتزاز في نفوس الأهل، ويشكّل خطوة مهمّة في مستقبل أبنائهم. كما أستعيد بكلّ تقدير دور المعلّمين والمربّين الذين بذلوا جهوداً كبيرة في تعليم أبناء الخيام، رغم محدودية الإمكانات وصعوبة الظروف. وفي مقدّم هؤلاء يبقى الأستاذ علي حسين عبدالله، الذي منحني ثقته عندما قرّر ترفيعي إلى صف الشهادة، ثم شجّعني على تجاوز تعثّري في الاختبار الأول. لقد تعلّمت منه أنّ المعلّم الحقيقي لا يكتفي بتلقين الدروس، بل يسعى إلى اكتشاف قدرات تلامذته، ويمنحهم الثقة بالنفس، ويعلّمهم أنّ النجاح ثمرة الجدّ والاجتهاد والمثابرة. وما زالت تلك الأيام، بما حملته من رهبة الامتحانات وفرحة التعلّم وأمل النجاح، من أجمل الذكريات التي احتفظت بها من سنوات الصبا في الخيام. وإلى لقاء آخر مع صفحة جديدة من ذكريات الماضي، نستعيد فيها صوراً من حياة أهلنا وبلدتنا، ونحفظ ما بقي من حكايات تلك الأيام للأجيال القادمة.
فايز أبو عباس
العام الدراسي 1949–1950... بداية الحكاية في بداية العام الدراسي 1949–1950، كنت تلميذاً في الصف الرابع الابتدائي في مدرسة الخيام الرسمية، وكان بين تلاميذ الصف اثنان يتميّزان بمستواهما الدراسي، هما أنا وصديقي، الدكتور علي عواضة، الذي تربطني به ذكريات تلك المرحلة الجميلة. وكان مدير المدرسة آنذاك الأستاذ والمربّي الفاضل علي حسين عبدالله، الذي لا يسعني، وأنا أستعيد اليوم ذكريات تلك السنوات، إلا أن أتوقّف عند دوره التربوي الكبير، وما تركه من أثر في نفوس تلامذته ومستقبلهم.
الأستاذ علي حسين عبدالله... مربٍّ أسهم في بناء أجيال الخيام والحقّ والعدالة والتاريخ تقتضي أن أشهد بأنّ الأستاذ علي حسين عبدالله كان له الفضل الكبير في تنشئة أجيال من أبناء الخيام، أصبح كثيرون منهم لاحقاً من أصحاب العلم والمعرفة والمراكز المرموقة في مختلف المجالات. فمن بين تلامذته من برز في التربية والتعليم، ومنهم من أصبح طبيباً أو مهندساً أو أستاذاً جامعياً، ومن تولّى مسؤوليات في الوظائف العامة والمهن المختلفة. لم يكن الأستاذ علي مجرّد مدير مدرسة أو معلّم يلقّن تلامذته الدروس، بل كان مربّياً بالمعنى الحقيقي للكلمة، يجمع بين الحزم والحنان، وبين الحرص على التحصيل العلمي والاهتمام ببناء شخصية التلميذ. كان يشعر بمسؤوليته تجاه أبناء البلدة، ويسعى إلى إعداد أجيال قادرة على تحمّل مسؤولياتها، لا تجاه عائلاتها والخيام فحسب، بل تجاه الوطن والمجتمع أيضاً. وقد بقيت صورته في ذاكرتي مثالاً للمربّي الذي يعرف قدرات تلامذته، ويتابع تقدّمهم، ويشجّعهم على بذل المزيد من الجهد للوصول إلى أفضل النتائج.
قرار مفاجئ... من الصف الرابع إلى صف الشهادة نعود إلى ما جرى في بداية ذلك العام الدراسي. فبعد انقضاء الفصل الأول، ومن خلال متابعته الدقيقة لأعمال التلامذة ونتائجهم، استدعاني الأستاذ علي حسين عبدالله مع زميلي علي عواضة. وبعد حديث قصير معنا، أبلغنا قراره قائلاً: «قرّرت أن أرفّعكما إلى الصف الخامس الابتدائي، وعليكما أن تبذلا المزيد من الجهد والنشاط والاجتهاد، حتى تتمكّنا من نيل الشهادة الابتدائية». كان القرار مفاجئاً بالنسبة إلينا، لكنه عكس ثقة المدير بقدراتنا وإيمانه بإمكان نجاحنا في تجاوز مرحلة دراسية كاملة. وهكذا انتقلنا إلى الصف الخامس، وهو صفّ الشهادة الابتدائية المعروفة آنذاك باسم «السرتفيكا». وبعد مرور أسابيع قليلة، على ما أذكر، شعر زميلي علي عواضة بأنّه يفضّل العودة إلى الصف الرابع، فتقدّم بطلب إلى الأستاذ علي لإعادته إلى صفّه السابق. وقد استجاب المدير لطلبه، فعاد زميلي إلى الصف الرابع، فيما قرّرت أنا الاستمرار في صف الشهادة ومتابعة الدراسة.
الاختبار الأول... نتيجة لم تكن على قدر التوقّعات كان الأستاذ علي، كعادته، يحرص على إجراء اختبارات دورية لتلامذة الصف الخامس، بهدف تدريبهم على أجواء الامتحانات الرسمية، واختبار مدى استعدادهم لها. وجاء موعد الاختبار الأول، فخضناه وسط أجواء من الجدّية والترقّب. لكنّ النتيجة التي حصلت عليها لم تكن مشجّعة، بل كانت سلبية، حتى لا أقول إنّني رسبت في ذلك الاختبار. عندها استدعاني المدير وسألني عن أسباب هذه النتيجة، ثم وضعني أمام خيارين: إمّا أن أعود إلى الصف الرابع، كما فعل زميلي، وإمّا أن أبقى في صف الشهادة، شرط أن أبذل جهداً أكبر، وأثبت أنّني أهل للثقة التي منحني إيّاها. ولأنّني كنت أكنّ لهذا المربّي احتراماً وتقديراً كبيرين، ولم أكن أرضى أن أخيّب ظنّه بي، فقد أجبت من دون تردّد: «أتعهد لك بأن أكون الأوّل في الاختبار المقبل». كان ذلك وعداً قطعته على نفسي قبل أن أقطعه له، وشعرت بأنّ عليّ مسؤولية مضاعفة لإثبات قدرتي على النجاح. وبالفعل، بدأت أبذل جهداً أكبر في الدراسة والمراجعة، إلى أن جاء موعد الاختبار الثاني بعد نحو شهر. وكانت النتيجة هذه المرّة إيجابية وجيّدة، فأعدت بذلك الثقة إلى نفسي، وأثبتّ أنّ قرار بقائي في صف الشهادة لم يكن مغامرة خاسرة.
الاستعداد للامتحانات الرسمية... رحلة إلى النبطية انتهى العام الدراسي، وأنهينا البرامج المقرّرة والاختبارات التحضيرية، وأصبحنا على أبواب الامتحانات الرسمية للشهادة الابتدائية. وكانت امتحانات تلامذة منطقة مرجعيون تُجرى آنذاك في مدينة النبطية، ما كان يفرض علينا الانتقال إليها والتعرّف إلى مراكز الامتحانات التي وُزّعنا عليها. ولم يكن الأمر سهلاً كما قد يبدو اليوم. ففي بداية خمسينيات القرن الماضي، كانت وسائل النقل محدودة، وتقتصر بصورة أساسية على الحافلات التي كنّا نسمّيها «البوسطات»، إضافة إلى عدد قليل من السيارات الخاصة. وكان على التلميذ أن يفكّر في كيفية الوصول إلى النبطية في الوقت المناسب، من دون أن يتعرّض لما قد يؤثّر في استعداده الجسدي والنفسي للامتحان.
مشكلتان أمام التلامذة... السفر والبحث عن مركز الامتحان كان أمامنا عائقان أساسيان. الأول هو ضرورة الانطلاق باكراً من الخيام للوصول إلى النبطية قبل موعد الامتحان، وما قد يرافق الرحلة من تعب أو دوار، ولا سيّما لدى بعض التلامذة الذين لم يكونوا معتادين على السفر بالحافلات. فكيف يمكن لتلميذ أن يبدأ امتحاناً مصيرياً وهو يشعر بالإرهاق أو الغثيان، أو يصل متأخّراً ومضطرب الأعصاب؟ أمّا العائق الثاني، فكان التعرّف إلى مركز الامتحان المحدّد لكلّ تلميذ، والوصول إليه في الوقت المناسب. فالنبطية لم تكن مدينة مألوفة لجميع التلامذة، ولم تكن وسائل الاتصال والمواصلات تسمح بسهولة معرفة المواقع والتنقّل بينها كما هي الحال اليوم. ولذلك، كان الحلّ الأفضل هو التوجّه إلى النبطية قبل يوم من موعد الامتحان، للتعرّف إلى المركز والمبيت هناك، ثم التوجّه إليه صباحاً بهدوء واطمئنان.
محمد حبيب حيدر... قريب سهّل علينا مهمّة السفر ولحسن الحظّ، كان قريبي محمد حبيب حيدر يدرس في تلك الفترة في تكميلية النبطية، استعداداً لنيل الشهادة التكميلية المعروفة باسم «البريفيه»، وكان يقيم هناك مع عدد من تلامذة الخيام. وقد شكّل وجوده ورفاقه فرصة مناسبة لتسهيل رحلتنا. فتوجّهنا إلى النبطية قبل يوم من موعد الامتحان، وحللنا ضيوفاً عليهم. وكانوا بحكم إقامتهم ودراستهم في المدينة يعرفون المدارس ومواقعها، فساعدونا على التعرّف إلى مراكز الامتحانات، وهيّأوا لنا مكاناً للمبيت حتى صباح اليوم التالي. وهكذا استطعنا تجاوز مشكلتَي السفر المبكر والبحث عن مركز الامتحان، وأصبح بإمكاننا الاستعداد لليوم المنتظر براحة أكبر.
صباح الامتحان... خطوات مثقلة بالرهبة والترقّب جاء صباح يوم الامتحان، فانطلقنا مع زملائنا التلامذة سيراً على الأقدام، يتوجّه كلّ منّا إلى المركز الذي خُصّص له. كانت الخطوات تتوالى على الطريق، لكنّ النفوس لم تكن على القدر نفسه من الهدوء. فكلّما اقتربنا من مركز الامتحان الواقع عند المدخل الشمالي لمدينة النبطية، ازدادت دقّات القلوب، وبدأ شعور من الرهبة والقلق يتسلّل إلى نفوسنا. كان التلامذة يتوافدون من مختلف البلدات والقرى، بعضهم برفقة زملائه، وبعضهم بصحبة أقاربه أو معارفه. وما إن وصلنا إلى المركز حتى بدأنا نشعر بأنّنا أمام تجربة مختلفة تماماً عن الاختبارات التي اعتدنا إجراءها في مدرستنا.
وجوه غريبة ومقاعد جديدة... رهبة الامتحان الرسمي في المدرسة، كنّا نجري اختباراتنا بين رفاق نعرفهم، وفي صفوف وممرّات وملاعب ألفناها طوال السنة الدراسية. وكان المراقب هو معلّمنا أو أستاذنا الذي نراه كلّ يوم، ونعرف طريقته في التعامل معنا. أمّا هنا، فكلّ شيء كان مختلفاً. التلامذة من مدارس وبلدات متعدّدة، والوجوه غير مألوفة، والغرف والممرّات والمقاعد جديدة علينا، والمراقبون أشخاص لا نعرفهم ولا نعرف أساليبهم في التعامل. وكانت ملامح الجدّية والحزم على وجوه المراقبين تزيد من شعورنا بالرهبة. بدأنا نصطفّ وفق التعليمات، ثم دخل كلّ تلميذ إلى الغرفة المخصّصة له، وجلس في المقعد الذي حُدّد باسمه. وبقينا ننتظر لحظة بدء الامتحان، فيما كانت العيون تراقب حركة المراقبين، والقلوب تخفق بانتظار توزيع الأسئلة. جرس البداية... والامتحان ينطلق دقّ الجرس معلناً بدء الامتحان. راح المراقبون يوزّعون أوراق الإجابة البيضاء وكراريس الأسئلة، ويتجوّلون بين المقاعد للتأكّد من جلوس كلّ تلميذ في مكانه المحدّد، ومن التزام الجميع بالتعليمات. كانت تلك اللحظات تحمل مزيجاً من الخوف والترقّب والرغبة في النجاح. وما إن تسلّمنا أوراق الأسئلة حتى بدأنا نقرأها ونحاول استحضار ما تعلّمناه خلال السنة الدراسية، وما تدربنا عليه في الاختبارات التحضيرية التي كان يجريها لنا الأستاذ علي حسين عبدالله.
مواد «السرتفيكا»... امتحانات في يوم واحد كانت امتحانات الشهادة الابتدائية آنذاك تشمل عدداً من المواد الأساسية، من بينها: اللغة العربية: مسابقة في الإنشاء والتعبير، يُطلب فيها من التلميذ وصف حدث أو مكان أو رحلة أو مشهد من الطبيعة، أو الكتابة في موضوع آخر يُحدّد له. الحساب: مجموعة من المسائل الحسابية البسيطة، إضافة إلى مسألة رئيسية أكثر تعقيداً، تتطلّب التركيز وفهم المعطيات للوصول إلى الحلّ الصحيح. اللغة الأجنبية: مسابقة في الإملاء، يتلو فيها أحد المراقبين النصّ على التلامذة باللغة الأجنبية، ويُطلب منهم كتابته بصورة صحيحة. التاريخ والجغرافيا: أسئلة تتعلّق بتاريخ لبنان وجغرافيته، وما تعلّمناه عن مناطقه ومعالمه وأحداثه. وكان يُخصّص لكلّ مادة وقت محدّد، على أن تُنجز الامتحانات جميعها في يوم واحد، يبدأ نحو الساعة الثامنة صباحاً وينتهي قبل الرابعة بعد الظهر. وكان ذلك اليوم طويلاً وشاقّاً بالنسبة إلى تلامذة صغار، يخوض كثير منهم تجربته الأولى في الامتحانات الرسمية خارج بلدته ومدرسته.
امتحان الإملاء... وعيوننا تلاحق شفتَي المراقب! من المشاهد الطريفة التي لا تزال حاضرة في ذاكرتي امتحان الإملاء باللغة الأجنبية. فقد كان المراقب يتلو علينا الكلمات والجمل، ونحن نصغي إليه بكلّ انتباه، محاولين تمييز الحروف وطريقة لفظ الكلمات لكتابتها بصورة صحيحة. وكنت أراقب، مع بقية التلامذة، حركة شفتَيه وملامح وجهه، لعلّنا نستطيع من خلالها فهم الكلمة التي ينطق بها. وكان يتجوّل بين المقاعد بخطوات متأنّية ومظهر جادّ، حتى خُيّل إليّ أنّه يتحرّك مثل الديك الرومي، ونحن نلاحقه بنظراتنا من جهة إلى أخرى! كانت عيوننا معلّقة بوجهه، وآذاننا منصتة لكلّ حرف يلفظه، خوفاً من أن تفوتنا كلمة أو نخطئ في كتابتها. وما زلت أستعيد هذا المشهد بابتسامة، متعجّباً من شدّة التركيز والقلق اللذين كنّا نعيشهُما في تلك اللحظات.
انتهاء الامتحان... أسئلة لا تنتهي بين التلامذة وأخيراً، انتهى يوم الامتحان، وسُمِح لنا بمغادرة القاعات. خرجنا إلى باحة المركز، وإذا بالتلامذة يتحلّقون في مجموعات صغيرة، وقد بدأ كلّ واحد يسأل الآخرين عمّا كتبوه وكيف أجابوا عن الأسئلة. «كيف كان الامتحان معك؟» «هل تمكّنت من حلّ مسألة الحساب؟» «ماذا كانت إجابتك عن السؤال الأخير؟» «هل كانت الأسئلة سهلة أم صعبة؟» وكانت الأجوبة تتداخل، فهذا يؤكّد أنّه حلّ المسألة بصورة صحيحة، وذاك يكتشف أنّه أخطأ في إحدى الخطوات، وثالث يحاول الاطمئنان إلى صحّة إجاباته من خلال مقارنة ما كتبه بأجوبة زملائه. لقد كانت لحظات تجمع بين الارتياح لانتهاء الامتحان، والقلق من النتائج التي ستحدّد نجاحنا أو رسوبنا.
العودة إلى الخيام... وانتظار النتائج على أحرّ من الجمر بعد مغادرتنا مركز الامتحان، توجّهنا إلى الشارع العام، حيث انتظرنا وصول «البوسطة» التي ستعيدنا إلى بلداتنا وقرانا. وعندما وصلنا إلى الخيام، كان أهلنا ومعلمونا وأقاربنا ينتظرون أخبارنا، وكلّ منهم يريد أن يعرف كيف جرت الامتحانات، وما إذا كنّا قد تمكّنا من الإجابة عن الأسئلة. وبدأت جولة جديدة من الأسئلة والاستفسارات، لا تقلّ في كثرتها عن أسئلة الامتحان نفسه! وكان علينا أن نروي تفاصيل اليوم، وأن نشرح كيف كانت المسابقات، وما الذي وجدناه سهلاً أو صعباً، وكيف تعاملنا مع أجواء الامتحان الرسمي. ثم بدأت مرحلة الانتظار. أسابيع تمرّ ببطء، ونحن نترقّب صدور النتائج، بين الأمل والقلق والحيرة، ونتساءل عمّا إذا كان تعب السنة الدراسية وجهودنا ستُتوّج بالنجاح. وكان انتظار النتائج امتحاناً آخر للصبر والأعصاب، لا يقلّ رهبة عن يوم الامتحان نفسه.
ذكريات «السرتفيكا»... حين كان النجاح فرحة للعائلة والبلدة حين أستعيد اليوم تلك المرحلة، أدرك كم كانت للشهادة الابتدائية قيمة كبيرة في حياة التلامذة وعائلاتهم. فالحصول على «السرتفيكا» لم يكن مجرّد انتقال من مرحلة دراسية إلى أخرى، بل كان إنجازاً يبعث الفخر والاعتزاز في نفوس الأهل، ويشكّل خطوة مهمّة في مستقبل أبنائهم. كما أستعيد بكلّ تقدير دور المعلّمين والمربّين الذين بذلوا جهوداً كبيرة في تعليم أبناء الخيام، رغم محدودية الإمكانات وصعوبة الظروف. وفي مقدّم هؤلاء يبقى الأستاذ علي حسين عبدالله، الذي منحني ثقته عندما قرّر ترفيعي إلى صف الشهادة، ثم شجّعني على تجاوز تعثّري في الاختبار الأول. لقد تعلّمت منه أنّ المعلّم الحقيقي لا يكتفي بتلقين الدروس، بل يسعى إلى اكتشاف قدرات تلامذته، ويمنحهم الثقة بالنفس، ويعلّمهم أنّ النجاح ثمرة الجدّ والاجتهاد والمثابرة. وما زالت تلك الأيام، بما حملته من رهبة الامتحانات وفرحة التعلّم وأمل النجاح، من أجمل الذكريات التي احتفظت بها من سنوات الصبا في الخيام. وإلى لقاء آخر مع صفحة جديدة من ذكريات الماضي، نستعيد فيها صوراً من حياة أهلنا وبلدتنا، ونحفظ ما بقي من حكايات تلك الأيام للأجيال القادمة.
فايز أبو عباس