الخيام نسخة تجريبية · Khiyam v2
أخبار وذاكرة ومجتمع
← الأرشيف

فايز أبو عباس: ذكريات من الماضي... أيام الصبا (الحلقة السادسة عشرة)

2026/11/8 · فايز أبو عباس · المقال رقم 53883
من مقاعد الدراسة إلى رحلة الاغتراب... من الخيام إلى الكويت عبر سكك الحديد وصحراء البصرة بعد توقّف الدراسة التكميلية في الخيام عام 1953، وجد الأستاذ فايز أبو عباس نفسه أمام منعطف جديد في حياته، انتقل فيه من أحلام مواصلة التعليم إلى الاستعداد لدخول عالم العمل. وفي هذه الحلقة، يستعيد الظروف التي دفعت والده إلى السفر للكويت، وكيف بدأ هو الاستعداد للحاق به، وصولاً إلى تفاصيل رحلة شاقّة امتدّت أياماً، عبر لبنان وسوريا والعراق، قبل بلوغ الكويت في ساعة متأخّرة من الليل.
من المدرسة إلى الحياة العملية... بداية مرحلة جديدة انتهت، بالنسبة إليّ، مرحلة متابعة الدراسة، ولو بصورة مؤقّتة، وأصبح عليّ أن أبدأ التفكير في طريق جديد لحياتي، وأن أتهيّأ لدخول عالم العمل وتحمل المسؤوليات. وكان ذلك في مطلع خمسينيات القرن العشرين، حين بدأت منطقة الشرق الأوسط تشهد تحوّلات سياسية واقتصادية واسعة، ارتبطت بنتائج الحرب العالمية الثانية، وتصاعد النفوذ البريطاني والأميركي، ولا سيّما في منطقة الخليج العربي. فقد أخذت دول الخليج، بما تمتلكه من ثروات نفطية هائلة، تستقطب اهتمام الدول الصناعية والشركات الأجنبية، التي رأت في هذه المنطقة مصدراً أساسياً للطاقة وسوقاً واعدة للاستثمار والعمل. وكانت الكويت، التي ارتبطت منذ أواخر القرن التاسع عشر باتفاقيات حماية مع بريطانيا، من المناطق التي بدأت تشهد تحوّلاً اقتصادياً وعمرانياً متسارعاً، بعدما انطلقت عمليات استخراج النفط وتصديره. وقبل هذه التحوّلات، كانت حياة قطاعات واسعة من سكان الخليج تعتمد على الرعي وصيد الأسماك والغوص لاستخراج اللؤلؤ والتجارة. ومع تدفّق عائدات النفط، بدأت الكويت تدخل مرحلة جديدة من البناء والتطوير، شملت المرافق العامة والطرق والمباني والخدمات، تمهيداً لقيام دولة حديثة بمؤسساتها وبنيتها التحتية. وفي هذا السياق، راحت الشركات الأجنبية، ولا سيّما البريطانية، تنفّذ مشاريع البناء والإعمار، وتعلن حاجتها إلى الأيدي العاملة الماهرة في مختلف الحرف والاختصاصات.
الكويت تفتح أبواب العمل أمام أبناء الخيام في المقابل، كانت فرص العمل في لبنان، وخصوصاً في الجنوب وبلدتنا الخيام، محدودة، فيما كانت الأجور متدنّية ولا تكفي في كثير من الأحيان لتأمين حياة كريمة للعائلات. ولذلك، شكّلت فرص العمل في الكويت أملاً جديداً لكثير من أبناء المنطقة، ولا سيّما أصحاب المهن الفنية والحرفية. وكان والدي، الذي يمتلك خبرة طويلة في نحت الحجارة والبناء، من بين الذين قرّروا الاستفادة من هذه الفرصة. فتقدّم بطلب للعمل في إحدى الشركات البريطانية العاملة في الكويت، وكانت تُعرف باسم «شركة الصحراء»، بصفته معلّم بناء أو «معلّم عمار»، كما كنّا نقول آنذاك. وقد قُبل طلبه، فسافر مع عدد من زملائه البنّائين والحدّادين وأصحاب الخبرة في أعمال البناء، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته المهنية بعيداً عن العائلة والبلدة.
إلغاء الصف الثالث التكميلي... أحلام دراسية تتبدّد كما ذكرت في الحلقة السابقة، شهد عام 1953 إلغاء الصف الثالث التكميلي في مدرسة الخيام الرسمية، بعد أن كنّا قد بدأنا الدراسة فيه. وكان القرار مفاجئاً، فأدّى إلى تفرّق التلامذة، واضطرار كلّ منهم إلى البحث عن سبيل لمتابعة تعليمه أو الانتقال إلى العمل. فمن استطاعت عائلته تأمين نفقات الدراسة والإقامة خارج البلدة، انتقل إلى النبطية أو صيدا، حيث كانت تتوافر مدارس تتيح متابعة التعليم فوق المرحلة الابتدائية. أمّا الذين لم تسمح ظروفهم المادية بذلك، فقد وجدوا أنفسهم مضطرّين إلى البقاء في الخيام، والبحث عن عمل أو فرصة أخرى. وكنت من بين هؤلاء الذين توقّفت دراستهم فجأة، وبقوا في حيرة من أمرهم، لا يعرفون إلى أين يتّجهون. لكنّ رسالة وصلت من والدي في الكويت كانت كفيلة بتغيير مسار حياتي.
رسالة من الوالد... استعدّ للحاق بي إلى الكويت عندما علم والدي بأنّني أصبحت من دون مدرسة، أرسل إليّ يطلب منّي الاستعداد للسفر إلى الكويت والالتحاق به. غير أنّ السفر لم يكن أمراً بسيطاً، وكان عليّ قبل المغادرة إنجاز مهمّتين أساسيتين. الأولى تحسين معرفتي باللغة الإنكليزية، التي كنت قد بدأت تعلّمها خلال إقامتنا في فلسطين، قبل أن أضطرّ إلى استبدالها باللغة الفرنسية عند انتقالي إلى مدرسة الخيام الرسمية. أمّا الثانية، فكانت استخراج جواز السفر وتحضير الأوراق اللازمة للرحلة. وهكذا بدأت مرحلة جديدة من الاستعداد، تجمع بين متابعة التعلّم والتحضير لمغادرة البلدة والدخول إلى عالم الاغتراب.
أم عصام الجلبوط... العودة إلى تعلّم الإنكليزية في تلك الفترة، كانت السيّدة أم عصام ديبة الجلبوط، زوجة السيّد نعمان الجلبوط، من السيدات اللواتي يتمتّعن بمستوى تعليمي جيّد في اللغة الإنكليزية. وعلى ما أذكر، كانت تحمل شهادة دراسية تعادل مستوى «الهاي سكول». وقد أصبحت لاحقاً مديرة مدرسة البنات الرسمية في الخيام، عندما افتُتحت في أواخر خمسينيات القرن الماضي. وأذكر هنا أنّ الخيام لم تكن تضمّ، حتى عام 1954، سوى مدرسة رسمية واحدة، قبل أن تتوسّع المؤسسات التعليمية في البلدة خلال السنوات اللاحقة. اتّصلنا بالسيّدة أم عصام، واتّفقنا معها على أن أتلقّى دروساً خصوصية في اللغة الإنكليزية، استعداداً للسفر إلى الكويت. وهكذا أمضيت الأشهر المتبقّية من ذلك العام أتابع دروسي لديها، محاولاً استعادة ما تعلّمته سابقاً وتطوير قدرتي على القراءة والفهم والتحدّث بالإنكليزية. واستمرّت هذه الدروس حتى أواخر فصل الصيف، حين بدأت حرارة الأيام تخفّ، وظهرت أولى بشائر الخريف.
جواز السفر وانتظار موعد الرحيل إلى جانب دروس اللغة الإنكليزية، انشغلت بتحضير جواز السفر والأوراق المطلوبة للسفر. وفي تلك الأثناء، كانت رسائل والدي تتوالى من الكويت، حاملة أخبار العمل والظروف المعيشية هناك، وما يعانيه العمّال من مشقّات، ولا سيّما خلال أشهر الصيف التي ترتفع فيها درجات الحرارة بصورة شديدة. وكان من الأفضل تأجيل الرحلة حتى تخفّ الحرارة، وتصبح ظروف العمل والحياة أكثر احتمالاً. كما كان من الضروري تأمين رفيق أو مجموعة من الرفاق للسفر، لأنّ الطريق إلى الكويت آنذاك كان طويلاً وشاقّاً، ويتطلّب المرور في عدّة بلدان وتبديل وسائل النقل. وبالفعل، اتّفق عدد من شبّان الخيام، من أصحاب المهن والاختصاصات المختلفة، على السفر إلى الكويت في مطلع أيلول من العام نفسه. وكنت قد أنهيت دروس اللغة الإنكليزية، وأصبحت أحمل جواز سفري، ولم يبقَ سوى تحديد موعد الانطلاق.
أبو غالب علي مهنا... قائد رحلة الاغتراب كان من بين المسافرين أبو غالب علي مهنا، الذي كان يدير طاحونة البلدة، المعروفة بين الأهالي باسم «البابور». وقد تولّى أبو غالب تنظيم الرحلة وقيادة المجموعة، بحكم خبرته وقدرته على تدبير شؤون السفر. وبدأنا نجهّز حقائبنا وأغراضنا، ونتأكّد من تذاكر السفر والأوراق المطلوبة، استعداداً لرحلة كنّا نعلم أنّها ستكون طويلة ومتعبة، في زمن لم تكن فيه وسائل النقل والاتصالات متطوّرة كما هي اليوم. وكانت وجهتنا الكويت، حيث ينتظرني والدي، وحيث سأبدأ مرحلة جديدة من حياتي.
صباح الوداع... دموع الأهل وقلق الغربة حلّ صباح السفر. كان الطقس هادئاً، لكنّ الأجواء داخل منزلنا لم تكن كذلك. فقد خيّم الحزن والقلق على أفراد العائلة، وارتفعت أصوات البكاء والنحيب، ولا سيّما من والدتي وإخوتي الذين كانوا يودّعونني وأنا أستعدّ لمغادرة الخيام. كان الوداع مؤثّراً، فالرحلة طويلة، والمسافات بعيدة، ولا أحد يعرف متى ستكون العودة. حملت حقيبتي الصغيرة، وفيها بعض الملابس وقليل من الزاد، وانطلقت مع رفاق السفر باتجاه بيروت، على متن إحدى الحافلات التي كنّا نسمّيها «البوسطات». وكانت تلك بداية رحلة الاغتراب الأولى في حياتي.
من الخيام إلى بيروت... نحو محطة سكة الحديد وصلنا إلى بيروت في وقت مبكر، إذ كان علينا أن نكون في محطة سكة الحديد في الموعد المحدّد، استعداداً للانطلاق في رحلتنا الطويلة. وكانت السكك الحديدية في تلك الفترة وسيلة أساسية للتنقّل بين عدد من مدن المنطقة، ولا سيّما في ظلّ محدودية الطرق البرية المعبّدة ووسائل النقل الحديثة. ومن بيروت بدأت رحلتنا بالقطار نحو الداخل السوري، تمهيداً للانتقال إلى العراق، وصولاً إلى البصرة، التي كانت المحطّة الأخيرة قبل التوجّه إلى الكويت.
«الإكسبرس»... عربة واحدة تنطلق من بيروت عندما وصلنا إلى محطة القطار، فوجئنا بأنّ وسيلة النقل التي ستقلّنا لم تكن قطاراً طويلاً يضمّ عدّة عربات، كما قد يتخيّل المرء. بل كانت عربة واحدة طويلة مخصّصة للركّاب، مزوّدة بمحرّك خاص بها، وتُعرف باسم «الإكسبرس». كانت أشبه بقطار صغير مستقلّ، لا تجرّ خلفها عربات أخرى للبضائع أو الركّاب، وتتميّز بسرعة أكبر نسبياً من القطارات التقليدية. انطلقنا بها من بيروت باتجاه حمص، ثم حماة، وصولاً إلى حلب. ولأنّ معظم الركّاب كانوا متوجّهين إلى حلب، مررنا بحمص وحماة من دون أن نشعر كثيراً بتفاصيل الطريق أو نتوقّف عند معالم المدينتين. وكانت هذه المرحلة الأولى من رحلتنا الطويلة نحو الكويت.
من حلب إلى الموصل... عبور الأراضي التركية عند وصولنا إلى حلب، كان علينا تبديل وسيلة النقل، والانتقال إلى قطار آخر مؤلّف من عدّة عربات. وكان هذا القطار يسلك خطّاً حديدياً قديماً يعود إلى العهد العثماني، ويمرّ عبر جزء من الأراضي التركية، قبل أن يتّجه نحو مدينة الموصل في العراق. وقد أثار استغرابنا آنذاك أنّ الرحلة بين سوريا والعراق تستلزم المرور بالأراضي التركية، لكنّ ذلك كان مرتبطاً بمسار السكك الحديدية القديمة التي أُنشئت في العهد العثماني. وخلال الرحلة، اضطررنا إلى تبديل العربات مجدّداً، لأنّ العربة التي كنّا نستقلّها كانت ستعود مع قطار آخر باتجاه حلب، فيما كان علينا متابعة الطريق نحو بغداد والبصرة. وكانت هذه التنقّلات بين القطارات والعربات تزيد من مشقّة السفر، خصوصاً أنّ الرحلة كانت تمتدّ لأيام، ولم تكن وسائل الراحة متوافرة بالشكل الذي نعرفه اليوم.
على إيقاع عجلات القطار... موسيقى تخفّف مشقّة الطريق استمرّت رحلتنا بالقطار أكثر من يومين، كنّا خلالها ننام أحياناً في العربات، وأحياناً ننتظر في المحطات، بحسب حركة القطارات ومواعيد انطلاقها. ومن أجمل ما بقي في ذاكرتي عن تلك الرحلة صوت عجلات القطار وهي تسير فوق القضبان الحديدية. فقد كانت تصدر إيقاعاً متتابعاً ومنتظماً، ناتجاً عن انتقال العجلات من قطعة حديدية إلى أخرى، حتى كان يخال إليّ أنّني أستمع إلى أنغام موسيقية ترافقنا على امتداد الطريق. وكنت أخلد إلى النوم، أو أغفو قليلاً، على وقع تلك الأصوات، متخيّلاً أنّني وسط فرقة موسيقية تعزف لحناً متكرّراً، أو في حلقة رقص تتوالى فيها الإيقاعات. وكان لذلك الصوت أثر غريب في نفسي، إذ يخفّف شيئاً من تعب الانتظار، ويهدّئ اضطراب المشاعر، ويكسر رتابة الرحلة الطويلة. وما زلت، بعد كلّ هذه السنوات، أستعيد ذلك الإيقاع الذي رافقني في أوّل رحلة اغتراب، كأنّه موسيقى خاصة بتلك الأيام.
البصرة... نهاية رحلة القطار وبداية انتظار جديد وصلنا إلى البصرة في صباح اليوم الثالث من الرحلة، بعد أن قطعنا مسافة طويلة عبر لبنان وسوريا وجزء من تركيا والعراق. وقد سرنا في مسار واسع يشبه نصف الدائرة، من ساحل البحر المتوسط غرباً، باتجاه الشمال والشرق، ثم جنوباً عبر بلاد الرافدين، وصولاً إلى البصرة. وكانت البصرة آخر محطّات القطار، لكنّ رحلتنا إلى الكويت لم تكن قد انتهت بعد. فقد كان علينا الحصول على الإذن اللازم لدخول الكويت، التي كانت آنذاك مرتبطة باتفاقية حماية مع بريطانيا، وكان دخولها يخضع لإجراءات وتصاريح. وكانت المعاملة تتمّ عبر القنصلية البريطانية في البصرة، حيث كان علينا تقديم جوازات السفر وانتظار الحصول على التأشيرات المطلوبة.
تأشيرة الدخول... انتظار في القنصلية البريطانية أمضينا ساعات في البصرة ننتظر إنجاز معاملات الدخول إلى الكويت. وكان القلق يرافقنا، لأنّ أيّ تأخير أو مشكلة في الأوراق قد تعني إطالة الرحلة أو تعثّر الوصول إلى وجهتنا. واستمرّ الانتظار حتى بعد الظهر، عندما تسلّمنا جوازات سفرنا بعد استكمال الإجراءات ودفع الرسوم المطلوبة. وعندها تنفّسنا الصعداء، وبدأنا نستعدّ للمرحلة الأخيرة من الرحلة، التي ظننّا أنّها ستكون أسهل بعد كلّ ما قطعناه من مسافات. لكنّنا لم نكن نعلم أنّ أصعب مراحل السفر كانت لا تزال تنتظرنا.
من البصرة إلى الكويت... رحلة العذاب عبر الصحراء كانت الرحلة البرية بين البصرة والكويت، في ذلك الزمن، من أشقّ ما اختبرته خلال سفري. فلم تكن هناك طرق معبّدة كما هي الحال اليوم، بل مسالك صحراوية رملية، كثيرة التعرّجات والحفر والنتوءات، تمتدّ وسط أرض قاحلة تكاد تخلو من مظاهر العمران. وكانت وسيلة النقل التي أقلّتنا أشبه بسيارة نقل صغيرة، أو ما نسمّيه اليوم «فان»، لكنّ شكلها وتجهيزها كانا أقرب إلى العربات القديمة التي تجرّها الخيول. فهي مصنوعة من الخشب والمعدن، وتتحرّك بواسطة محرّك، وفي داخلها مقاعد خشبية تفتقر إلى أبسط وسائل الراحة. وكانت المسافة التي قطعناها، بحسب ما أذكر، تقارب مئة كيلومتر، لكنّها بدت لنا أطول بكثير، بسبب رداءة الطريق وبطء المركبة.
مقاعد خشبية وطريق مليئة بالحفر لم تكن سرعة المركبة تتجاوز، في معظم الأحيان، ثلاثين كيلومتراً في الساعة. ومع كلّ حفرة أو نتوء أو منعطف، كنّا نهتزّ فوق المقاعد الخشبية، فنرتفع ونهبط، وكأنّنا نرقص رغماً عنّا! وكانت المركبة تتمايل يميناً ويساراً فوق الرمال، فيما الغبار يتطاير من حولنا، والحرارة تزيد من مشقّة الطريق. ولم تكن أمام أعيننا سوى الصحراء الممتدّة، برمالها وتضاريسها القاسية، من دون ماء أو خضرة أو عمران يُذكر. وكانت مظاهر الحياة القليلة التي نصادفها تتمثّل ببعض المخافر الحدودية، التي ظهرت بين أشجار النخيل، حيث كانت غرف طينية بسيطة تستند إلى جذوع الأشجار، وتستظلّ بها اتّقاءً لأشعّة الشمس. وكانت تلك المشاهد بمثابة محطّات عابرة وسط امتداد صحراوي بدا لنا بلا نهاية.
الوصول إلى الكويت... الثانية بعد منتصف الليل بعد رحلة شاقّة، امتزج فيها التعب بالإرهاق والقلق، وصلنا أخيراً إلى الكويت. كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل، وشارفت الساعة على الثانية صباحاً. توقّفت المركبة في بقعة أرض رملية واسعة، قيل لنا إنّ اسمها «ساحة الصفا». وهناك أنزلنا حقائبنا وأغراضنا، وجلسنا ننتظر شروق الشمس، حتى نتمكّن من الاتصال بوالدي وإبلاغه بوصولنا. كانت لحظة غريبة، تجمع بين الارتياح لانتهاء السفر، والرهبة من المكان الجديد الذي لا نعرفه، والتساؤل عمّا ينتظرنا في الأيام المقبلة. لقد غادرت الخيام قبل أيام، تاركاً خلفي والدتي وإخوتي ورفاق الدراسة، وها أنا أصل إلى بلد بعيد، لأبدأ حياة مختلفة تماماً عمّا عرفته في طفولتي.
نهاية رحلة... وبداية تجربة جديدة وهكذا انتهت رحلة السفر الطويلة من الخيام إلى الكويت، بعد أن عبرنا مدناً وبلداناً، وبدّلنا وسائل النقل، وواجهنا مشقّات لم نكن نتصوّرها قبل المغادرة. كانت تجربة جديدة بالنسبة إلى فتى انتقل، خلال سنوات قليلة، من بلد الشيخ في فلسطين إلى الخيام، ثم من مقاعد الدراسة إلى رحلة الاغتراب والعمل. وإذا كانت تلك الرحلة قد علّمتني الصبر وتحمّل المشقّة، فإنّ ما كان ينتظرني في الكويت سيحمل معه دروساً أخرى في الحياة والعمل والاعتماد على النفس. فكيف كانت الكويت في مطلع الخمسينيات؟ وكيف كانت ظروف العمل والمعيشة فيها؟ وكيف بدأت تجربتي الأولى في عالم العمل بعيداً عن الخيام والأهل؟ ذلك ما سأحاول استعادته في الحلقة المقبلة من ذكريات الماضي وأيام الصبا في الخيام.
فايز أبو عباس يتبع: العمل في الكويت... بداية الحياة العملية.