13 نيسان: ذكرى قاسية والعبرة في تثبيت السلم الأهلي
63 مليار دولار خسائر اقتصادية 34 مليار دولار خسائر ناجمة عن الدمار الذي لحق بالمنشآت 500 ألف شخص تمّ تهجيرهم من منازلهم 184 ألف جريح 150 ألف قتيل 17500 مخطوف 13 ألف مفقود 2640 سيارة مفخخة 2000 سيدة لقين مصرعهنّ بعد اغتصابهن· هذه هي حصيلة الحرب الأهلية في لبنان التي يوافق اليوم الذكرى الـ 34 لانطلاق شرارتها الأولى وهي ذكرى تأتي في وقت يمر فيه لبنان بمرحلة عصيبة جعلت البعض يخشى من اندلاع هذه الحرب مرة أخرى·
تثبت الأرقام أنها كانت حرباً دموية وصراعاً معقداً استمر في لبنان ما بين عامي 1975 و1990، تعود جذورها للصراعات والتنازلات السياسية في فترة الإستعمار الفرنسي لسوريا ولبنان· وعاد ليثور بسبب التغير الديمغرافي في لبنان والنزاع الديني، الإسلامي المسيحي، وكذلك التقارب مع سوريا وإسرائيل·
وبعد توقف قصير للمعارك عام 1976 لانعقاد القمّة العربية، عاد الصراع الأهلي ليستكمل، وعاد ليتركز القتال في جنوب لبنان بشكل أساسي، الذي سيطرت عليه بداية منظمة التحرير الفلسطينية ثم قامت إسرائيل باحتلاله·
ويختلف الكثيرون في تاريخ بدء هذه الحرب ولكن يتفق الكثيرون أيضاً إنما بدأت في 13 نيسان 1975 حيث كان هناك محاولة فاشلة لاغتيال الزعيم الماروني بيار الجميّل، وبعدها حصلت مجزرة عين الرمانة التي هوجم فيها أحد الحافلات المدنية وبداخلها ركاب فلسطينيون مما أدى إلى مصرع 27 شخصاً·
حادثة عين الرمانة وفي التفاصيل أنه بتاريخ 13 نيسان 1975 تعرّض زعيم حزب الكتاب اللبنانية إلى إطلاق نار عند خروجه من كنيسة في ضاحية عين الرمانة· أدى إطلاق النار إلى وفاة 4 أشخاص· وقد اتهم الجميل الفلسطينيين بالوقوف وراء العملية· وفي نفس اليوم وفي نفس المنطقة ذاتها تعرّضت حافلة متوجّهة إلى مخيم تل الزعتر تحمل أعضاء في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين إلى كمين نصبه أعضاء في حزب الكتائب· أدى الكمين إلى وقوع 27 قتيلاً· واندلعت المعارك في نفس الليلة ولم تنجح محاولات التهدئة والمحادثات السياسية إلى لجم الوضع· فيما حمّلت الحركة الوطنية اللبنانية التي يقودها الزعيم كمال جنبلاط حزب الكتائب مسؤولية الحادثة وما لبثت ان انضمت للفلسطينيين· وقد توسع القتال ليشمل مناطق أخرى من لبنان لتدخل البلاد في دوّامة صراعات وأزمات دامت أكثر من 15 سنة·
واقع الحال؟ واليوم، لمْ يبقَ من تلك الحرب الأهلية البغيضة إلاّ شواهد قليلة في هذه المنطقة وتلك··· شواهد تحكي عن أيام صعبة و
قاسية عاشها اللبنانيون بين أسنان القذائف والصواريخ· بعض الأبنية التي بقيت عليها آثار الحرب على الخطوط المصطنعة بين اللبنانيين، والرصاص الذي نخر جدران الحيطان والبيوت·
شواهد قليلة بقيت من تلك الحروب الأهلية التي لمْ يسلمْ منها أحد··· شواهد قليلة بعد أن أسدلت عملية إعادة الإعمار الستار عن فصول هذه الحروب بين الإخوة الذين صنع كل منهم له تاريخاً منفصلاً وحاول أن يكتبه بطريقته الخاصة·
ومع ذلك يبقى هناك شهود شهداء وأحياء انخرطوا في هذه الحروب في أعمار مبكرة، فمنهم من بقي ومنهم من رحل··· شهود اختلفت آراءهم وميولهم فتخندقوا على خطوط التماس وفي الأزقة والشوارع يتقاتلون ويتبادلون القصف والرصاص حتى أصبح الوطن عبرة في العالم·
ومقاتلون وقفوا على الجهة الغربية وآخرون على الجهة الشرقية فصارت بيروت بيروتين وصار لبنان لبنانين: عزبية وشرقية·
ولمْ تقفْ هذه الحرب البشعة عند هذه الحدود بل تعدتها في مراحل لاحقة لتتحول الأحياء والشوارع إلى ساحات قتال في الغربية والشرقية، لتمتد الحرب الأهلية إلى داخل الطائفة أو المذهب نفسه·
وانتهت الحرب، وتوقف المقاتلون عن القتل، لكن آثارها لم تزل موجودة على المباني وفي بعض النفوس وما يأمله الجميع أن تعمم ثقافة العيش المشترك، والسلم الأهلي، والحوار والتنافس الديمقراطي ونحن على أبواب الإنتخابات النيابية·
عدد كبير من الذين شاركوا في هذه الحروب ما زالوا يستذكرون تلك الفترة وبأفكار وآراء مختلفة لكن معظمهم مع القول العامي:
<تذكر وما تنعاد>·
<اللــــــواء> التقت في هذه الذكرى عدداً من الشباب الذين شاركوا في القتال حينها لمعرفة ما الذي دفعهم لخوض هذا القتال آنذاك وبالتالي معرفة ما الذي تغير اليوم؟
منهم من اكتفى باللقاء متمنياً عدم التقاط الصور لهم نظراً لأسباب مختلفة لمْ يفصحوا عنها ونحن بدورنا احترمنا هذه الرغبة فكانت اللقاءات التالية:
القوات اللبنانية > هو أحد <القواتيين> الذين شاركوا في القتال أيامها، لكنه اليوم أمسى من أهم ْجراحي الدماغ والعمود الفقري، إنه الدكتور جو منتورة، وعن أسباب انضمامه لتلك المرحلة، يقول:
- <ما دعاني إلى المشاركة ودخول حزب الكتائب عام 1973 هو حاجز فلسطيني في تل الزعتر، وذلك بسبب توقيفنا كل ليلة وطلب هوياتنا وتفتيشنا، فكنّا كل ليلة كل ليلة <نتبهدل> على الطريق، مما دعاني للإنضمام إلى الحزب والمشاركة في القتال عام 1975·
وطبعاً، بما أنني أحب السياسة انخرطت أكثر، وبدأت الأمور تتطور وانغمسنا أكثر فأكثر>·
وعن الصِعاب التي واجهته في تلك المرحلة يقول د· منتورة: <في ذلك الوقت كان عمري 16 سنة، فلم أشعر حينها بالصعاب لأنني كنت مأخوذاً بحماس الشباب وخصوصاً أنه لم يكن لديَّ عائلة أو أولاد أو مستقبل، كل ما كنت أراه أمامي هو ضرورة التخلص من <العلّة الفلسطينية> الموجودة في البلد، وهذا كان الهاجش الأكبر بالنسبة لي بقدر ما <تبهدلنا> من ذاك الحاجز في تل الزعتر·
واستمريت في القتال لغاية عام 1985، بعدها غادرت لبنان وتخصصت في مجال الطب وكنت قد غادرت وأنا منزعج جداً لدى استلام إيلي حبيقية للقوات اللبنانية· خصوصاً وأن حزب الكتائب في ما بعد أصبح هو نفسه القوات اللبنانية التي كانت بمثابة جيش المناطق الشرقية>·
أما أصعب الذكريات التي لا تُمحى من باله، يقول: <إنه يوم السبت الأسود>·
وعمّا إذا كان راضياً عمّا قام به في تلك المرحلة، يقول: <طبعاً، فأنا لست نادماً على أي شيء قمت به لكنني لست راضياً تماماً، فبعد 30 سنة عندما ترين الأشياء من السهل جداً أن تنتقديها، لكن هل كنت قمت بالأفضل لو كنت في موقع المسؤولية؟ لا أدري· لذلك أنا مقتنع بكل ما قمت به تماماً· وأنا رغم مغادرتي لبنان، وإمكانية حصولي على الجنسية رفضت ذلك تماماً لأن هدفي الداذم كان العودة إلى لبنان· وفعلاً عام 1992 عدتُ إلى لبنان، لكنني شعرت بالإحباط من الناحية المسيحية، وهذا الإحباط لمْ أكن ألمسه أيام الحرب، لكنني رغم ذلك بقيت أمارس مهنتي، وعدت لممارسة السياسة ضمن القوات اللبنانية>·
وعن رؤيته للوضع السياسي الحالي يقول د· منتورة: <بالتأكيد أنا متفائل وخصوصاً أن البلد لا يُمكن أن تتغير بسنتين أو ثلاث، فالثورة الفرنسية بقيت 100 سنة لتنتقل من النظام الملكي إلى ما يسمى بالنظام الديمقراطي نسبة للمفهوم الغربي، فليس بسهولة أن تنتقل البلاد من نظام إلى نظام>·
وعن إمكانية عودته للقتال في حال استدعت الضرورة، يقول: <طبعاً، لمْ يعد بإمكاني أن أقاتل، فالقِتال هو بالأساس للشباب، لذلك أقول للشباب لا يجب على أحد أن يخجل من ماضيه، مثلما <حزب الله> لا يخجل بشهدائه وماضيه كذلك نحن لا نخجل من ماضينا·
هُمْ يتباهون بأنهم حرروا الجنوب، كذلك هناك من صور إلى الشمال غيرهم أيضا مَنْ حرّر، هُم فرحين بتحرير 15% ونحن حرّرنا 85%، ونحن أفضل لأننا حررناها دون أن نُحطّم الزجاج أو نُطّلق النار على أحد، فالسوريون خرجوا دون قِتال وهذا أمر يجب أن نفتخر به لذلك أنا مُقتنع تماماً بِمَا قمت به>·
حركة <أملْ> > بدوره، خالد دندن وهو أحد المشاركين في القِتال خلال الحرب الأهلية، وينتمي إلى حركة <أملْ>، يقول:
- <المرحلة الأولى شكّلت مرحلة عزّ المقاومة الفلسطينية، وكانت كل الناس تتعلق بالكوفية والفدائي، فالفدائي كان رمز القِتال·
وطبعاً يومها كُنّا شباباً لا تتجاوز أعمارنا الـ 15 سنة، فأصبح لدينا حب المعرفة، والذي ساعدنا أكثر هو تواجد العديد من التنظيمات في محيط المنزل·
وما ترسخ في ذهننا العدو المتواجد على بضعة أمتار من منازلنا، فكنا نسمع القنص والقصف المتبادل· وكانت المسألة سهلة، وانخرطنا بداية في المقاومة الفلسطينية عام 1976 إلى أن انضممنا في صفوف <الحركة> عام 1978، فتغيّرت كثيراً <الأيديولوجية>، وكل شيء أصبح منظماً، فالسلاح له قيمة ومسؤولية والإنتساب والدخول إلى هذه <الحركة> بالتحديد كان صعباً والمراقبة كانت شديدة أيضاً على العنصر·
وقد عانيت كوني أتيت من محيط وبيئة غير بيئة ومحيط <الحركة>، لكنني الحمد لله أثبتت نفسي من خلال عملي>·
يضيف: <عندما كنا نقاتل، كنّا نقاتل بهدف وكان هناك محاسبة على <الطلقة> والكلام والأخلاق· بعدها انتقلنا من معارك خطوط التماس إلى خارج خطوط التماس حيث بدأت المعارك الداخلية منذ العام 1978 إلى العام 1982 أي ما قبل الإجتياح بأشهر· وطبعاً هذه المرحلة فرضت نوعاً من الخوف لعدم تمكننا من الإنطلاق من مكان لآخر إلا بسرية تامة· أما أواخر 1981 فكان هناك حرية في التحرك أكثر·
لكن مرحلة ما بين 1976 لغاية 1978 كانت بالنسبة لي مرحلة عبثية استفدت من تجاربها· لكن منذ العام 1978 لغاية 1982 كانت المرحلة الأهم ومع بداية العام 1984 كانت مرحلة التحضير لدخول الجيش إلى بيروت وبداية تحضيرنا أيضاً لـ 6 شباط التي كانت بمثابة القنبلة التي انفجرت وخلطت الأوراق مع بعضها البعض، كل الناس انسحبت لتبقى <الحركة> وحدها على الساحة، مما خلق نوعاً من <الضعضعة>·
أما القِتال بالنسبة لنا فتجسد بأن هناك طرفاً يتعامل مع إسرائيل، ونحن طرف لديه عمقه الاستراتيجي، وهو العمق السوري· وطبعاً، مرّت حروب كثيرة وبقيت خطوط التماس العامل اليومي>·
وعن أكثر مشهد لا يُمحى من ذاكرته، يقول دندن:
- <هناك إنسان تربيت على يديه واستشهد في المدينة الرياضية خلال الإجتياح الإسرائيلي، بالإضافة إلى ذلك هناك أشخاص من الحزب الشيوعي قتلوا أمام أعيني بقذيفة مما اضطرنا إلى التقاط أشلائهم ووضعها بالأكياس، هذه صور لا أنساها وتبقى في ذاكرتي ما حييت>·
وعن أبرز المحطات التي أثرت فيه شخصياً، يقول دندن: <مجزرة الزرارية، معركة السكسكية، وغيرها بالتأكيد خصوصاً وأنني أُصبت عدّة مرات أيضاً، لكن هذا لم يمنعني من معاودة القِتال مجدداً>·
وعن شعوره لدى انتهاء الحرب وكيفية التخطيط للمستقبل يقول: <أنا تزوجت بعمر الـ 20 سنة وحينها لمْ أكن أعلم معنى الأبوة، وتوظفت ببنك <مبكو> ولكنني لمْ أتمكن من الإستمرارية لذلك عدت وتوظفت في وزارة الإعلام، والرئيس بري كان يشملني دوماً برعايته نتيجة للتضحيات التي قمت بها· وبدوري أعتبر الرئيس بري الرئة التي أتنفس بها لأن ما حمله ويتحمله لا يتحمله إنسان، إضافة إلى كافة مبادئ الإمام موسى الصدر التي لم يتنازل عنها يوماً·
والحمد لله اليوم لديّ أسرة، وأولادي ينتسبون إلى <الحركة>، وفي نفس الوقت هم على درجة عالية من العِلم، وأنا أوليهم قدر الإمكان الرعاية كما أقدم لهم الإهتمام اللازم، ووالدتهم تتكفل بالباقي نظراً للظروف التي تضطرني حالياً للتواجد باستمرار في العمل الحزبي>·
وعمّا إذا كان على استعداد لخوض المعركة من جديد في حال استدعت الظروف لذلك، يقول، دندن: <أنا مرتاح بهذا الخط، ولو لم أكن مرتاحاً كنت رحلت كما فعل غيري الكثيرين، لكنني مقتنع بهذه <الحركة>، حركة الإمام موسى الصدر، واليوم مُكمل هذه الحركة وراعيها هو الرئيس بري، لذلك نحن مستمرون في هذه الحركة وسنبقى ضمن هذا الخط وسنقدم كل ما يطلبه هذا النهج لقناعتنا به· وكل ما نتمناه أن يأخذ الله من عمرنا ليمد بعمر الرئيس نبيه بري لأننا بحاجة ماسّة إليه في هذا البلد>·
وختاماً تمنى دندن على شباب اليوم أن يتسلحوا بالعلم لأنه هو الأساس لتحصين السلاح، واستشهد بقول للإمام الصدر: <إني أخاف أن يضغط زند <الحركة> على عقلها>، فليس كل شيء <بالبارودة>، لكن العلم يأتي بالدرجة الأولى وبعدها التدريب العسكري فالعلم يحفّز على المعرفة التي تؤدي بدورها لإدراك معني المسؤولية· باختصار الشهادة العلمية ما هي إلاّ تعزيز للقوة العسكرية>·
وعمّا إذا كان نادماً على شيء ما في تلك المرحلة، يقول دندن: <ندمت جداً لأنني لم أتمكن من إكمال الدراسة وخصوصاً أنني كنت مجتهداً في دراستي، لكن الحرب جاءت وكان لها الأولوية، لكنني أفتخر بأن أولادي اليوم من حَمَلة <الماجستير> الأمر الذي يخفف من ندمي بعض الشيء>·
الكتائب اللبنانية > لقاؤنا التالي هو مع بشير أبو عاصي الذي فقد والده وهو بعمر السنتين، إثر إطلاق النار على رئيس حزب الكتائب اللبنانية بيار الجميل عام 1975 في محاول لاغتياله لدى خروجه من كنيسة الخلاص، واليوم بشير ينتمي بدوره إلى حزب الكتائب، يقول:
- <والدي جوزف أبو عاصي وكان هناك تدشين لكنيسة سيدة الخلاص في عين الرمانة، وكان والدي المسؤول عن أمن الشيخ بيار أيامها، وجرى إطلاق النار فاستشهد والدي قرب الكنيسة إثر محاولة إغتيال الشيخ بيار فتصدى لها الوالد وتوفي حينها>·
يضيف أبو عاصي: <أنا عايشت ذكرى 13 نيسان كل سنة من خلال القدّاس الذي كان يُقام في هذه الذكرى وكنت ما أزال طفلاً لكنني نشأت على هذه الذكري وتعايشت معها، وأذكر يومها الشيخ بشير الذي كان يحرص على إقامة القداس، خصوصاً وأننا كنا دوماً سوياً في المنزل، وهذه الحادثة بقيت في ذاكرتي رغم أنني كنت صغيراً في السن>·
وعن انضمامه للحزب يقول: <أنا عضو فعّال جداً لكن على الصعيد السياسي لا العسكري، وقد انتسبت إلى الحزب عام 1990 وبدأت العمل الفعلي عام 1993 مع الشيخ بيار أمين الجميل رحمه الله إلى حين إستشهاده>·
وعمّا إذا كان انتسابه للحزب في الإطار السياسي لا العسكري كنوع من الرفض للحرب التي اندلعت آنذاك، يقول: <كل إنسان يرفض الحرب لكن عندما تفرض عليك لا بد وأن تخوضينها، فالظروف كانت صعبة على الجميع دون استثناء لذلك نتمنى أن لا تعاد، وأن يغلب الحوار أي لغة أخرى، ويبقى التفاهم السياسي هو الأقوى لأن البرهان أن لا شيء يحل بالقوة، فنحن نعتبر جيل الحرب وقدراتنا بأم العين الى أين أخذتنا هذه الحرب فهي لم تترك الا المآسي والخراب لذلك يبقى مفهوم الكلمة أقوى من السلاح>·
وهنا لا بد من الاشارة الى ان المأساة كادت ان تتكرر مع اخي بشير اطال الله في عمره الذي كان بدوره مسؤولاً عن امن الوزير السابق بيار امين الجميل وكاد ان يلاقي نفس مصير والدنا لولا تزامن وجوده في واجب للعزاء، وكان قد سمح له الوزير بيار بالذهاب لأنه لم يكن ينوي الخروج لمكان معين، الا انه عاد ليغير رأيه في آخر لحظة ليلقى حتفه، وكأنه كان على موعد مع الموت·
ويقول بشير أبي عاصي: <عندما سمعت الخبر ورأيت السيارة لم أصدق ما أرى، فكان كابوساً، وأذكر أنني سارعت للإتصال بزوجتي لأطمئنها لأنها لم تكن تعلم بأنني ذهبت لأقدم واجب التعزية فظنت أنني استشهدت مع الشيخ بيار رحمه الله>·
الحزب التقدمي الاشتراكي جميل غيبة هو من احد الكوادر في الحزب التقدمي الاشتراكي الذين قاتلوا منذ بدء الحرب الاهلية، عن الدافع الاساسي لخوض المعركة في ذلك الوقت، يقول غيبة: <عندما ابتدأت الحرب لم تبدأ بحادثة بوسطة عين الرمانة، فهذه الحادثة كانت مجرد مدخل لحرب كان مخطط لها·
لكن الشهيد كمال جنبلاط في ذلك الوقت حاول ان يأخذ الاحداث اللبنانية من مسارها الطائفي ليضعها ضمن المسار الوطني، وخلال هذه المرحلة ابتدأ فعلاً، وطرح برنامج الحركة الوطنية حينها· لقد كنا فعلاً اصحاب مشروع، ومن اجل هذا المشروع الذي يتضمن وحدة البلد، العلمنة والعروبة حملنا السلاح، حملنا السلاح ضد مشروع آخر وليس كما يحصل هذه الايام>·
وعن أصعب اللحظات التي عايشها في ذلك الوقت ولا تذهب من ذاكرته، يقول: <اصعب لحظات عندما كان الاحتلال الاسرائيلي جاثماً على ارض بيروت، وكنت امر في منطقة الحازمية، وللأسف كان هناك احد رفاق السلاح على الحاجز مع القوات الاسرائيلية، وكنت يومها أتنقل على اسم غير اسمي وأمام عيني رأيت ذلك الشخص يطلق النار على احد الاشخاص المقرّبين لنفس خطنا السياسي، فأرداه، وكان الدور آتياً اليّ لكن كان امامي 7 اشخاص، وإذا بأحد الشباب يناديني الى سيارته ويقول لي، <انا نازل تفضل معي>، بهذه العملية خلصني من الحاجز وبالتالي خلصني من الموت، وفعلاً هذه الحادثة لا انساها لأنه كان بالامكان ان يكون مصيري الموت>·
وعما اذا كان راضياً عما قام به في تلك المرحلة، يقول: <في ذلك الوقت كنت فعلاً مقتنعاً، ولكن بمسار الاحداث، وبعد ان طالت الاحداث، هذا المسار فعلاً حَوَلَ البوصلة، ولا سيما ان هذا البلد في النهاية محكوم· فمنذ العام 1860 لغاية اليوم وهذا البلد اما يجب ان يكون تابعاً لوالي عكا او لوالي الشام· وبكل المراحل الاطراف اللبنانيين جربت الواليين وبكل الادوار وآخرها الايام التي نشهدها· لكن عندما يكون المشروع سياسي، ومشروع البرنامج سياسياً، تقاتلين من اجل تحقيقه لرفعة المواطن، وهذا يشكل فرقا عندما يقاتل الانسان اخيه في المواطنية فقط نتيجة للانتماء الطائفي>·
وعن المتغيّرات التي انتجتها الحرب الاهلية يقول: <في العمل السياسي ليس هناك من صديق دائم او عدو دائم، فالحزب التقدمي الاشتراكي مع الاخوان في حزب الكتائب والقوات كانت معارك دامية واليوم من خلال الحوار اصبح هناك بعض القواسم المشتركة· اليوم نرى خلافاً مع الاخوة في حزب الله وبالرغم من ذلك من الخطأ على كل طرف أن يلجأ للسلاح، فالمخطط له خارجياً كل 20 سنة او 30 سنة ان يكون هناك ضربة كفّ لطرف معيّن· لذلك عندما نلغي الطائفية ويصبح لدينا قانون عصري للانتخابات ويصبح لدينا تكافؤ، سوف نشعر بأن البلد يتجه الى الاستقرار والامان>·
يضيف غيبة: <انا اصبت اكثر من مرة، وانا نادم على كل نقطة دم سقطت مني او اسقطتها من الآخرين· فبالنهاية كل الاطراف وضعوا لهم اسم شهيد، فليس هناك من شيء يبلسم جراح امهاتنا او اخوتنا لنخاف الله·
فالسلاح لم يعط نتيجة لاحد، بل دمر بيوتنا ومستقبلنا وبلادنا، لذلك نصيحتي للشباب بأن يتوجه السلاح فقط نحو العدو الاسرائيلي وخصوصاً انه في الداخل ليس لدينا اعداء بل اطراف، مختلف معهم في وجهات النظر· اما السلاح فموقعه مع العدو الاسرائيلي لمواجهته، على ان يكون هذا السلاح هو سلاح تحت اشراف الشرعية ولا شيء غير الشرعية>·
وعمّا يعني له تاريخ 13 نيسان 1975، يقول: <اذكر انني كنت في رحلة الى سد القرعون، وكنا حوالى 15 بوسطة من الجامعة اللبنانية، وكنا مزيجاً من كافة شرائح المجتمع اللبناني، اليوم كل طائفة تذهب برحلة وكل طائفة تذهب ببوسطة، لذلك اقول لكل السياسيين خافوا الله على هذا الشعب الذي عانى الامرّين، وبالنتيجة السلاح لا يخدم سوى الخارج، وبأيادينا داخلياً يؤدي الى اعدامنا جميعا، فقط السلاح الموجّه الى اسرائيل هو الذي يرفع رؤوسنا شرط ان يكون تحت اشراف الشرعية>·
الشيوعي ختاماً، تحدثنا مع هاشم ابراهيم الذي خاض القتال مع الحزب الشيوعي وما يزال ملتزماً بهذا النهج، يقول: <نحن من جيل السبعينيات، وقد دخلنا الى الحزب الشيوعي بعد ان قام الحزب بانتفاضة داخلية فكرية وسياسية، وفي العام 1973 بدأ هذا الجيل يعاني من موضوع الاصلاحات الى ان وصلت الازمة لدى ارباب النظام ان ينسلخ شبابهم لينشئوا حركة تحت اسم <حركة الوعي>، التي خرجت من رحم حزب الكتائب اللبنانية·
نحن من هذا الجيل الذي كان لديه تطور وإمكانية بأن يقوم بإصلاح النظام السياسي ولا سيما انه لم يعد هناك من حل إلا بالإصلاح وخصوصاً ان الموجود كان مجرد سيطرة فئوية طائفية مذهبية مارونية على الآخرين حتى على الاورثوذكس، وبالتالي كان البلد امام خيار إلغاء الطائفية السياسية التي اصبحت حاجة انقاذية والدليل انه لغاية اليوم وبسبب عدم إلغائها لا يزال لدينا مشكلة كبيرة داخلياً·
وبدأت الحرب الاهلية وعلى رأسها حزب الكتائب فخلقوا شروطاً ليحدثوا هذه الحرب لوقف المسار المطالب بالاصلاح الديمقراطي، فبدأت الحرب ببوسطة عين الرمانة لكن قبلها كان هناك تحضيرات منذ العام 1973 وكان هناك مناوشات وكانت اجهزة الدولة يتحكم بها حزب الكتائب·
وأذكر ان التدريبات العسكرية لدى حزب الكتائب كانت منتشرة وبكثرة وبشكل منظم، لذلك شاركت بالحرب الاهلية لمنع <الفاشية> من ان تضع يدها على كامل البلاد>·
وعن اصعب اللحظات ، يقول: <الذبح على الهوية، الذبح الطائفي من كافة الطوائف لكن اهمها المذبحة التي قام بها حزب الكتائب في المرفأ: <السبت الاسود>، فذبحوا الناس عشوائياً كذلك هناك القصف العشوائي، وانا لا ابرر لاحد، لكننا الوحيدون في الحزب الشيوعي عشنا الحرب دون ان نتعرّض لأي طائفة كما اننا الوحيدون ايضاً الذين لم نسرق بينما الكتائب والقوات والآخرين سرقوا المرفأ وما زالوا لغاية اليوم يعيشون من امجاده>·
وعما اذا كان راضياً عما قام به في تلك المرحلة يقول ابراهيم: <طبعاً راضٍ وخصوصاً اننا ساهمنا بأن لا يكون البلد <فاشياً> بكل بساطة، بالرغم من كل المآسي التي حصلت· لكنني بالتأكيد لست راضياً عن نتائج الحرب لأنها لم تنته كما نريد، وانا مستعد لإعادة الكرة بمنظار اليوم·
بالامس في 7 ايار ذبحوا بعضهم البعض، وطالما الطائفية موجودة سيستمر الوضع على حاله فلا خلاص إلا بإلغاء الطائفية السياسية>
· وعن طموحاته يقول: <انا ما زلت في الحزب الشيوعي، واطمح ان يكون للحركة اليسارية من دور فعال اكثر لأن احداً لم يتمكن من تعبئة هذا الدور، وحزب الله رغم انجازاته، عبأ جزءاً من الدور المقاوم لكنه لم يتمكن من تعبئة الكل·
ولا بد من الاشارة الى ان عدداً كبيراً منا ساهم بالانخراط في المقاومة الوطنية اللبنانية، لكن ايضاً بسبب ظروف التحاصص الطائفي ابعد الشيوعيون عن المقاومة، بمقاييسهم ربما هم على حق لكن بمقاييسنا كنا نرى ذلك بمثابة الجريمة، ونحن جداً نادمون على تطبيق المقاومة رغم كل الانتصارات التي تحققت>·
وانطلاقاً من تجربته اكد ابراهيم <ان النظام الرأسمالي لا يمكن ان يعطي املاً للشباب، وبعد الازمة التي حصلت بالعالم بات حصيلة مؤكدة، وبالتالي النظام الطائفي ايضاً لا يمكن ان يبني وطناً وكل المدعين بأنهم يريدون اقامة دولة، كل ذلك لا ينفع ان لم نطبق الدستور ونلقي الطائفية وعلى رأس هذه المطالب اليوم اصلاح النظام السياسي كي يكون مستقبل الشباب له علاقة بالحضارة والديمقراطية من خلال اقرار قانون انتخابي عصري مبني على الاساس النسبي مع اقامة مجلس شيوخ يتضمن كافة الطوائف>·
وختاماً، لا يسعنا سوى ان ندعو الله ان لا يعيد مثل تلك الايام السوداء على اهلنا، ولا سيما ان اللبنانيين لم يكونوا سوى وقوداً لهذه الحرب، لذلك نتمنى على سياسيينا اليوم ان يبتعدوا عن التجاذبات لما فيه مصلحة هذا الوطن، لأننا لن نقبل بعد اليوم بأن يكون شبابنا مجرد ادوات لمصالح الآخرين على ارضنا وخصوصاً ان الارواح في لبنان خلال الحرب الاهلية سقطت من اجل الاوهام، والاوهام فقط· تحقيق: سمار الترك