إطلاق القادة الأربعة: نهاية مرحلة
أصدر قاضي الاجراءات التمهيدية في المحكمة الدولية الخاصة للبنان البلجيكي دنيال فرانسين من مقر المحكمة في لاهاي قرار علني (نقلته وسائل الاعلام مباشرة عبر الاقمار الاصطناعية) منذ بعض اللحظات أمر من خلاله السلطات اللبنانية بإطلاق سراح اللواءين جميل السيد وعلي الحاج والعميدين ريمون عازار ومصطفى حمدان الذين سجنتهم الدولة اللبنانية في آب 2005 أي لنحو أربع سنوات، على ذمة التحقيق في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
وكانت لجنة حقوق الانسان في الامم المتحدة قد اعتبرت في 27 نيسان 2007 أن سجن الضباط الاربعة تعسّفياً، ما يمثل تجاوزا واضحا للحقوق الانسان.
سجن رومية يحبس أنفاسه: الضباط يغادرونه أخــيراً
اختلف المشهد في سجن رومية المركزي أمس. كان وزيرا العدل والداخلية هناك صباحاً، وصفق لهما المحكومون ترحيباً. لكن ذلك كان حدثاً عابراً، بالمقارنة مع الساعات القليلة التي سبقت إطلاق سراح الضباط الأربعة
أحمد محسن
لم يعرف مبنى سجن رومية المركزي اهتماماً مشابهاً، كالذي شهده أمس. يكاد يكون الأمر يقيناً، فالسجن منذ نشوئه كان مكاناً معزولاً عن العالم. لا يزوره إلا أقارب السجناء وبعض المهتمين بحقوق الإنسان بين الحين والآخر، ما أضفى على جدرانه طعماً روتينياً صرفاً، فلا يرغب الناس بمعرفة ماذا يجري خلف تلك الجدران، إن لم يكونوا بحاجة إلى ذلك. لن يعنيهم الداخل إلى زنزانة، والخارج منها بعد حين. وعلى الرغم من أن السجن شهد حدثاً مهماً في الصباح، تمثّل بإعلان تطبيق قانون تنفيذ العقوبات، الذي حضره وزراء ونوّاب وقضاة، فإن الحدث الحقيقي الذي غيّر صورة السجن نهائياً، كان في الثالثة ظهراً. قبيل الثالثة بقليل، اصطف عشرات الصحافيين، مصوبين عدساتهم نحو بوابة السجن، غير آبهين بحرارة الطقس المرتفعة. كانوا ينتظرون خبر خروج الضباط الأربعة إلى الحرية.
إلى جانب الصحافيين، لوحظ وجود بعض أهالي الموقوفين الإسلاميين، الذين رأى معظمهم في إخلاء سبيل الضباط، نافذة ينساب منها أمل افتراضي، بخروج أقارب لهم لاحقاً. كان سهلاً على زائر السجن أن يميز التغير في حجم التأهب الأمني، بين الأيام العادية، وأمس. ازداد عدد الحرس عند البوابة الرئيسية، وجرى حشد لقوة من «الفهود» في صف واحد، على امتداد الطريق المؤدية إلى عالم رومية. إنها الثالثة ظهراً. عرف الإعلاميون من قنوات التلفزة أن القاضي فرانسين أمر بإخلاء سبيل الضباط الأربعة فوراً. ومنذ تلك اللحظة صار النهار طويلاً، في انتظار تأكد الخبر رسمياً. لم يتململ أحد، حتى رجال الأمن الذين من المفترض أنهم يعدّون السجن مكاناً يعجّ برتابة شؤون العمل اليومية، بدوا أكثر نشاطاً من المعتاد. صاحب الموقف وصاحب الدكان القريبين، أبديا اهتماماً بالحدث هما أيضاً. فيوميات السجن تتطابق مع يومياتهما. الصحافيون بدورهم، لم تجمعهم القضايا الحقوقية هذه المرة، فظهر بعضهم متحمساً أكثر من غيره.
كان السجن لا يشبه نفسه. في داخله، كان أهالي الضباط يلوّحون لهم فرحاً. سمر الحاج كانت أكثرهم حماسةً. زوجها أرسل لها قبلاً ووضع يده فوق صدره. العميد مصطفى حمدان رفع شارة النصر ووجه إصبعه إلى السماء، واللواء جميل السيد أشاح بيده لها من بعيد، وبادلها الأمر نفسه العميد ريمون عازار. وما هي إلا دقائق قليلة، حتى خرجت من باب السجن سيارة سوداء، تقودها سيدة مبتسمة. لم تنتظر السيدة الحاج أن يتعرف إليها الحاضرون. فتحت باب سيارتها، وخرجت بنفسها، رافعةً شارة النصر بكلتا يديها. وفي ثوانٍ قليلة، أصبحت هي مصدر الحدث الوحيد. يصعب وصف حجم التدافع الشديد الذي حصل. وقفت الحاج أمام الإعلاميين كمحاربٍ خرج منتصراً للتو، من معركة طويلة، وأعلنت انتصارها قبل أي شيء آخر: «خروج الضباط اللبنانيين على يد القضاء الدولي وصمة عار على القضاء اللبناني»، وطلبت محاكمة كل من حارب الضباط، وكل من «تاجر بالدماء» و«ركّب الشهود»، متوعدةً لهم «بحساب قانوني عسير».
أطلقت هذا التصريح الصاخب على القرب من باب السيارة، ووجهت رسالة إلى النائب سعد الحريري، تطالبه فيها «بالقبض على شهود الزور». سادت الفوضى مجدداً عندما قررت السيدة الحاج الحديث إلى الإعلاميين، فوضى بدت مستغربة في عيون رجال الأمن، الذين اعتادوا التعامل بصرامة مع الآتين إلى رومية، لكنهم لم يستطيعوا القيام بذلك أمس. لم تكتفِ السيدة الحاج بهذا الحجم من التصريحات التي أطلقتها، فوجهت تحدياً إلى «فرع المعلومات»، و«زلغط» لها بعض الصحافيين، حين أسفت أمامهم لأنها لا تستطيع القيام بذلك.
حتى تلك اللحظة، ظل الحدث ناقصاً. متى يتنفس الضباط هواءً غير ذلك الذي ألفوه في الزنزانة؟ متى تخرج قاماتهم إلى الضوء عملياً؟ ظل الجواب صعباً في البداية للموجودين أمام السجن. وعلمت «الأخبار» أن رئيس مكتب الدفاع فرنسوا رو، ومنسق الدفاع يوري ماس، لم يرغبا في أن تطول مدة احتجاز الضباط أكثر من 24 ساعة، وخصوصاً أن قرار القاضي فرانسين أمر بإطلاق سراحهم فوراً.
تضاعفت حالة التأهب داخل باحة السجن، وحضر المزيد من أفراد القوة الخاصة «الفهود»، القوة التي اقتصر عملها هناك على قمع حركات التمرد، أو نقل السجناء روتينياً، ما أظهر حضور هذا العدد الكبير منها لافتاً أمس، فيما كان أقارب الضباط قد أعلنوا فيه أن وزارة الداخلية ستتولى نقل الضباط. ووسط ضوضاء الانتظار، أعلن مصدر مقرّب من الضباط، أن قرار إخلاء السبيل في طريقه إلى إدارة السجن، آتياً من مكتب المدعي العام التمييزي القاضي ميرزا، ما خفف من حدة الترقب.
أما عن تفاصيل الحادثة، فقد علمت «الأخبار» من مسؤول أمني رفيع أن المدعي العام التمييزي، القاضي سعيد ميرزا، أرسل أمراً شفهياً إلى قوى الأمن الداخلي بإطلاق سراح الضباط، ما لم يقنع رئيس مكتب التوقيف في المحكمة الدولية، وأحد مساعدي دانيال بلمار، الموجودين في السجن، فطلبا إذناً خطياً من لاهاي. وأكد المسؤول الأمني حدوث مفاوضات مع الشخصين المذكورين، أدت إلى قبولهما تبلغ الطلب عبر الفاكس، الذي وصل إلى سجن رومية من لاهاي، بعد اتصال أجراه المدعي العام التمييزي، سعيد ميرزا، بقاضي الإجراءات التمهيدية، دانيال فرانسين. وكان وزير الداخلية والبلديات، المحامي زياد بارود، قد أعلن في مؤتمر صحافي عقده بعد تبلغ قرار فرانسين أن «الإجراء فوري» وأنه أعطى التعليمات، «إلا أننا ندقق في الموضوع الأمني بدون أن يستغرق وقتاً، وهناك جهوزية كاملة عند قوى الأمن الداخلي»، من دون التطرق إلى الخلاف البسيط، غير المعلن، مع ممثلي المحكمة الدولية في سجن رومية. في موازاة ذلك، سرت شائعات أمام باحة السجن، مفادها أن الرئيس السابق إميل لحود سيرسل موكباً لاستقبال العميد حمدان، وقد قابلتها شائعة أخرى تحدثت عن رغبة جهاز أمن السفارات بنقل اللواء الحاج، لكون ابنه صلاح ملازماً أول في الجهاز المذكور. وفي نهاية المطاف رست الأمور على أن يتولى «الفهود» نقل الضباط، وفق ما أكده مصدر أمني.
في تلك الأثناء، فور تلقيها الخبر، كانت سمر الحاج تتابع احتفالها مع الإعلاميين، فمازحتهم بالقول إنها تحب اللون البرتقالي كثيراً، وفي سياق متصل، علمت «الأخبار» أن الحاج تلقت اتصالاً للتهنئة بخروج اللواء علي الحاج من العماد ميشال عون. استمر الانتظار حتى حصل اختراق آخر في أجواء رومية. في الرابعة تقريباً، وصلت سيارة أخرى، تقودها ايلان حمدان. تجمهر الصحافيون حولها من جديد. لم تستطع ملامح الفرح القوية التي احتلت تعابير وجهها أن تمنع يديها من الارتجاف، أثناء قراءتها رسالة من العميد مصطفى حمدان، مكتوبة بخط اليد، وباللون الأخضر. كررت مضمونها مرتين، وجاء فيها «اعتذار عن تقبل التهاني، بسبب وفاة السيدة ليلى قليلات (والدة العميد حمدان)، وشكر حار إلى الذين أسهموا في دعم قضية الضباط». لم تجب عن الأسئلة كلها، بدت على عجلة من أمرها لاستقبال زوجها. بعدها بقليل، وصل الملازم الأول صلاح علي الحاج، يرافقه وفد من جهاز أمن السفارات. شق طريقه إلى والدته بين الحشود، عانقها، وأجهشا في البكاء معاً. دخل الملازم الأول إلى باحة السجن ليرافق والده. مرت ساعتان إضافيتان، ومن دون سابق إنذار، خرجت مواكب الضباط على دفعتين إلى الحرية، قرابة السادسة مساءً. سينامون في منازلهم اليوم، أما سجن رومية، فيفترض أن يستعيد حالته الطبيعية. لقد كان يوم أمس يوماً لم تشهده رومية في تاريخها.
عتقالات تعسّفية
سجنت السلطات اللبنانية في 30 آب 2005 الضباط القادة الأربعة في المقرّ العام لقوى الأمن الداخلي، ومن ثمّ نُقلوا إلى السجن المركزي في رومية حيث خضعوا ظلماً لنظام عزلة، حتى أمر رئيس المحكمة الدولية القاضي أنطونيو كاسيزي بفكّه يوم السبت الماضي (25 نيسان)، احتراماً للمعايير الحقوقية الدولية. السلطات اللبنانية كانت قد خالفت المعايير الحقوقية والقانونية بحقّ الضباط عبر احتجازهم تعسّفياً، كذلك فإنها تخالف اليوم تلك المعايير عبر احتجاز مئات الآخرين لمدد طويلة قبل محاكمتهم. إذ إن أكثر من نصف المعتقلين في السجون لم تصدر أحكام قضائية بحقّهم.
لن تتدخّل المحاكم الدولية لرفع الظلم عن هؤلاء، إذ إنهم وضحايا الجرائم التي يشتبه في أنهم ارتكبوها لا يحظون بأي اهتمام. فـ«العدالة انتقائية»، وهي تخضع لأهواء السياسة والسياسيين كما أكّد الرئيس كاسيزي لـ«الأخبار» أخيراً.
هل تذكرون؟
إبراهيم الأمين
هل تذكرون، قبل أكثر من أربع سنوات، شبّاناً شُغلوا طوال الليل، على طريقة العمل السري، وهم يحملون من إحدى المطابع لافتات عليها صور الضباط الأربعة التي سرعان ما انتشرت في اليوم التالي بين المتظاهرين المحتشدين في ساحات بيروت. رفعوها عالياً، بينما كان قياديون من القوى المنظّمة يراقبون ردود الفعل، قبل أن يهمسوا في آذان البعض: قريباً سوف يكونون خلف القضبان.
هل تذكرون الكلام الذي قاله نمور 14 آذار عن «العفوية» التي نسبها هؤلاء إلى الناس لأنهم اتهموا الضباط، ثم جاء القرار بتوقيفهم. قد يقال لنا أيضاً إنها العفوية نفسها التي حملت غيرهارد ليمان، الرجل القوي في فرقة ديتليف ميليس، على عرض المقايضة على الضباط، قبل أن يقرر رئيسه توقيفهم.
هل تذكرون تلك الروايات التي وصلت إلى إعلاميين مصنّفين، وإلى سياسيين من الذين يقرأون ما يكتب لهم ولا يزالون، وتضمّنت كلّ ما ورد في اتهامات ميليس التي صادق القضاء اللبناني عليها ونفذها، خطوات كان من بينها توقيف الضباط الأربعة. تلك الروايات التي جعلت هؤلاء الضباط مجموعة من العملاء المرتزقة، الذين تجمعوا في عصابة فخططوا ودبّروا وراقبوا ونفذوا دون أن يستعينوا بسائق أو مرافق أو حتى هاتف.
هل تذكرون تلك المطالعات التي لم تُبق لأحد كرامة أو سمعة، أو وجوهاً بيضاء، وهي المطالعات التي أعدّها الفريق نفسه الذي أعدّ الصور واللافتات، وهو الفريق نفسه الذي أعدّ الشهود والروايات البوليسية، وهو الفريق الذي توعّد العائلات بأن يبكوا دماً، وتوعّد المتضامنين بعقوبة الحرم، وهدّد من هدّد برزقه وعرضه وحياته إن اعترض على ظلم قام في نفس هؤلاء منذ ولدوا؟
هل تذكرون تلك اللائحة الطويلة من الأشرار الذين لا يزالون ينتشرون بيننا، ينشدون المزيد من الفتن والدماء، هؤلاء الذين لا يعرفون الهزيمة إلا تلقيناً كالدرس، ساعة بساعة ويوماً بيوم؟
من الأفضل لنا جميعاً ألا ننسى أيّاً من هؤلاء، ولا تغيب عن بالنا كل هذه الوجوه. تلك التي يجب أن تجد من يحاسبها، حتى تصحّ العدالة، ولو بعد حين!
السيّد يخرج وسقفه عالٍ: ما زال رفيق الحريري في الأسر
خرج اللواء جميل السيّد من السجن رجلاً سياسياً. تحدّى فريق 14 آذار بأن يُقدّم أي شخص شكوى «إذا ما كنا قد ظلمناه». ورأى السيّد أن السجين الوحيد الذي بقي في السجن بعد خروج الضباط الأربعة هو الرئيس رفيق الحريري، «وهو سجين مطلوب إطلاق سراحه».
أشار السيد إلى أن السلطة «قررت منذ 4 سنوات فرض حقيقة معينة على الناس، نحن قلنا لهم اتهموا من تريدون، لكن لا تزوّروا الحقيقة لتدخلوا الناس إلى السجن»، لافتاً إلى أنه «منذ استقلال لبنان لم تحدث مؤامرة بهذا الحجم، ليس ضد ضباط بل أشخاص عاديين سجنوا 4 سنوات بدون إثبات». وأوضح أنه «عندما كنت أراجع القاضي كان يقول لي: «مغلوب على أمري، وسيحاسبني سعد الحريري».
ورأى السيّد أن سعد الحريري يحب أباه ويريد الحقيقة، لكن يوجد إلى جانبه أشخاص لا يريدون الحقيقة لوالده، وسعد الحريري إما ضُلِّل وإما قايض السياسة بأبيه».
وقال إن «سعد الحريري إنسان محترم وابن عائلة محترمة، وأنا أقول له: المطلوب منك أن تحاسب. حاسب مَن حولك ونظفهم ليرتاح أبوك. أنا لا أحقد ولا أريد أن أنتقم، وإذا تكلم معي الحريري غداً فسأتكلم معه، جثة رفيق الحريري استعملتها 14 آذار لإخراج السوريين».
أضاف السيد: «اسمعوا وزير العدل الذي يمثّل العدل السياسي عند سمير جعجع، الذي أشار إلى أنه إذا أخرجتهم المحكمة فهذه ليست براءة، وإذا بقوا محتجزين فلا يعني أنهم متهمون. فعندما العلم يصبح بخدمة السياسة لا يعود علماً».وتوجه بالكلام إلى جعجع قائلا: «لم يصحّ الصحيح عندما دخلنا السجن، بل صح عندما خرجنا من السجن. لم نظلم سمير جعجع، وكنت قد جلست معه 13 مرة وقلت له اترك الأمن واعمل في السياسة، فأجابني بالنفي القاطع»، موضحا أن «جعجع يعتبر أنه لم يتورط بتفجير الكنيسة، لكن بالنسبة إلينا هو متورط».
الحريري يقبل قرار المحكمة: لست خائباً ولن أعتزل السياسة
رأى رئيس كتلة المستقبل النيابيّة، النائب سعد الحريري، أن بعض اللبنانيين لا يرتاحون لقرار الإفراج عن الضباط الأربعة، ورأى أنهم يشعرون بخيبة أمل، وربما كانوا يخشون على مصير قضية الرئيس الشهيد رفيق الحريري. فتوجّه، عبر مؤتمر صحافي عقده عصر أمس، إلى جميع اللبنانيين، و«خصوصا إلى محبي رفيق الحريري في لبنان والوطن العربي والعالم، وإلى عائلات الشهداء الذين سقطوا في 14 شباط 2005 الذين سقطوا على طريق الحرية والمحكمة منذ ذلك اليوم المشؤوم. أتوجه إليهم بكلام واضح وحاسم ومسؤول: أنا سعد رفيق الحريري أقول لكم جميعاً، للقاصي والداني، إنني لا أشعر بذرة واحدة من خيبة الأمل ومن الخوف على مصير المحكمة الدولية أو حتى أدنى شك في أن ما جرى اليوم هو إعلان صارخ بأن المحكمة انطلقت جدياً، وأنها ستصل حتماً إلى القتلة وستقيم العدالة وستحمي لبنان بإذن الله. أنا سعد رفيق الحريري، أعلن مباشرة وبوضوح، ترحيبي بأي قرار يصدر عن المحكمة الدولية، سواء تعلق بمصير الضباط الأربعة أو بأي أمر من اختصاصها في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وقضايا الاغتيال الأخرى التي استهدفت قيادات لبنان».
ورأى الحريري أن ذلك دليل على عدم تسييس المحكمة. وتوجّه بالتحيّة إلى القضاء اللبناني والقوى الأمنية اللبنانية على كل ما «قاموا ويقومون به للمساعدة على الوصول إلى العدالة». وحمّل الحريري مسؤوليّة ما قد ينتج من قرارها إخلاء سبيل أي فرد من الأفراد بانتظار انعقاد المحكمة. وحمّل فريق 8 آذار مسؤوليّة إطالة مدّة بقاء الضباط «بسبب إقفال مجلس النواب»، وأعاد تكرير الاتهام السياسي لسوريا. و«طمأن» الحريري اللبنانيين بأنه لن يعتزل السياسة، بسبب إطلاق سراح الضباط.
الأقليّة تسيّس الإفراج والأكثريّة تعتبر القرار مهنيّاً
فور صدور قرار المحكمة الدوليّة بالإفراج عن الضباط الأربعة، توالت ردود الفعل السياسيّة المرحّبة بهذا القرار من أحزاب وسياسيي فريق الأقليّة النيابيّة. ولكن بعدما تحدّث النائب سعد الحريري، خرج سياسيو فريق الأكثريّة إلى الضوء. فرأى نائب رئيس مجلس النواب فريد مكاري أن قرار تخلية الضباط الأربعة يثبت بوضوح وبما لا يدع مجالاً للشك أن المحكمة الدولية غير مسيّسة، وأنها «انطلقت نحو إحقاق العدالة وكشف الحقيقية، وهو مطلب جميع اللبنانيين ومطلب ثورة الأرز».
وكرّرت وزيرة التربية والتعليم العالي بهية الحريري كلام مكاري عن عدم تسييس المحكمة، مشيرةً إلى «أن هناك جهات تحاول تسييس إخلاء السبيل، لكن لدينا ثقة بهذه المحكمة التي أردناها إيقافاً للجريمة وطلباً للعدالة لا للانتقام».
وحده، النائب مصطفى علّوش رأى أن هذا لا يعني أن الضباط أبرياء، معتبراً أن هذه الخطوة هي بداية التنفيذ العملاني للمحكمة الدولية.
أما رئيس الهيئة التنفيذيّة في القوات اللبنانيّة، سمير جعجع، فاعتبر أنه «بعد ما حصل معي شخصياً ومع القوات اللبنانية، أصبحنا نعرف تماماً معنى الحق والقانون». وقال إنه مؤمن بقرار المحكمة كيفما أتى و«سأهنئ بعض هؤلاء الضباط لأن البعض الآخر لديه مخالفات جسيمة بحق النظام اللبناني، ولكن هذا بحث آخر لا علاقة له بالمحكمة الدولية».
بدوره، قال النائب وليد جنبلاط لـ«الأخبار» إنه سيزور الحريري اليوم، ويُعلن موقفه من هناك.
وكان حزب الله أوّل من أصدر بياناً رحّب فيه بالإفراج عن الضباط الأربعة «بعد طول احتجاز تعسّفي في الزنازين فرضته سلطة 14 آذار افتراءً وظلماً من دون أية حجة أو دليل، ضاربة عرض الحائط بالقوانين والإجراءات المرعية، ومسبّبة حالة من التوهين والتسييس لإحدى أهم السلطات المنوط بها صيانة الحياة والقانون في البلد وهي السلطة القضائية».
ورأى أن إطلاق الضباط الأربعة على النحو الذي تمّ يجب أن يشكل محطة مراجعة مفصلية مهمة في حياة الوطن والمواطن. فهو «يشكل إدانة صريحة للسلطة التي قامت به، ويؤكد منطق الثأر والعصبية والتشفي». ورأى أن الأولوية الآن «لمحاسبة المسؤولين عن سنوات التضليل والتضييع والمماطلة ومقاضاتهم».
ورأى الرئيس حسين الحسيني «أن حجز حرية مواطن، أي مواطن، من دون وجود دليل، بصرف النظر عن أمد الاحتجاز، إنما هو جريمة حقيقية يرتكبها الحاجز مهما كانت صفته. واحتجاز الضباط الأربعة، هذه المدة الطويلة من دون وجود أي دليل، إنما هو ظلم لا يطاق».
أمّا الرئيس سليم الحص، فقد رأى أن خبر الإفراج عن الضباط يشكل «مفاجأة سارة لكل من ينشد العدالة في هذا البلد، ولو أن هذه الخطوة يمكن، للأسف الشديد، أن تنعكس في أصدائها سلباً على سمعة القضاء اللبناني الذي لم ينصف هؤلاء، بل أصر على احتجازهم هذه المدة الطويلة من الزمن من دون مسوّغ قانوني».
وتمنّت حركة أمل أن تكون حرية الضباط الأربعة قرينة للعدالة. أمّا الكتلة الشعبيّة فرأت أن المحكمة الدوليّة أظهرت بقرارها الإفراج عن الضباط الأربعة مدى «احترافها ومهنيتها العالية، بحيث غلّبت القانون على السياسة والاجتهاد العلمي الموضوعي على كل ما هو شخصي وذاتي».
وقال رئيس الحزب السوري القومي الاجتماعي، النائب أسعد حردان، إن صدور القرار الدولي بترك الضباط يؤرخ «لانهيار مرحلة سوداء قاتمة، كادت أن تدخل لبنان في أتون نار ملتهبة لا تبقي ولا تذر». وأشار إلى أن حزبه «ومنذ لحظة الاعتقال التعسفي للضباط الأربعة، كان واثقاً من براءتهم».
وتمنى نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، الشيخ عبد الأمير قبلان، لو أن هذا القرار صدر عن القضاء اللبناني. كذلك صدر بيان تهنئة عن الحزب الديموقراطي اللبناني.
أمّا في ردود الفعل الدوليّة، فقد قال فرحان الحق، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، رداً على سؤال لـ«الأخبار» (نزار عبود) عن مدى مسؤولية الأمم المتحدة في احتجاز القادة الأمنيين الأربعة لمدة أربعة أعوام من دون اتهام، «صحيح أن المفوض الأول ديتليف ميليس أوصى السلطات اللبنانية باعتقال الأفراد المعنيين بناءً على معلومات حصل عليها في حينه. ثم اعتقلتهم السلطات اللبنانية بعد ذلك في 2005 واحتفظت بهم بموجب القانون اللبناني».
وأضاف أن المفوّض اللاحق سيرج براميرتز، ومن تبعه دانيال بلمار، «وبناءً على تحرياتهما كانا على اتصال مكثف مع السلطات اللبنانية وجعلا موقفيهما واضحين بشأن هذه القضية. والأمين العام لم يكن مشاركاً في أي قرارات سابقة لاعتقال الأشخاص، أو في قرار اليوم بإطلاق سراحهم. وهو يحترم استقلال العملية».
وقال المدير المساعد للإعلام في وزارة الخارجية الفرنسية رومان نادال لـ«الأخبار» (بسام طيارة) إن باريس «متمسكة باستقلالية المحكمة الدولية» وإنها تدعمها بقوة، وصولاً إلى كشف الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري. وأضاف نادال أن أي خطوة تقوم بها المحكمة في «سبيل إحقاق العدل تحظى بدعم فرنسا».
أمّا الولايات المتحدة فأكّدت أن قرار المحكمة الدولية إخلاء سبيل الضباط الأربعة، تم بسبب نقص الأدلة وهم لا يزالون رهن التحقيق حول دورهم المفترض في الاغتيال. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية روبرت وود «على حد علمي، أن الجنرالات الأربعة لا يزالون رهن تحقيق يجريه المدعي العام».
بدورها، الخارجيّة المصريّة رحّبت بقرار الإفراج. وقال المتحدث باسمها حسام زكي إن من شأن الافراج أن «يفتح الطريق أمام محكمة محايدة وغير مسيّسة لقضية اغتيال الشهيد رفيق الحريري والاغتيالات التي تلته».
الحدث
كثيرون، في العاصمة والمناطق، عرفوا بأمر إخلاء سبيل الضباط الأربعة، من الصخب الذي رافق جلسة المحكمة الدولية في لاهاي. فإطلاق النار، وحتى القذائف، بدأ مع نطق قاضي الإجراءات التمهيدية دانييل فرنسين قراره. فالمتحمسون لإخلاء السبيل، وكذلك الذين عضّوا على الجرح وسكتوا، فهموا الأصوات التي سمعوها، ولم يبذلوا جهداً كبيراً ليفسروها. وكأن أول قرارات المحكمة الدولية كان متوقعاً. وهكذا، عبر الفرحون على طريقتهم التي باتت معهودة وعادية، بينما التزم الآخرون الصمت غير مصدقين، ربما، ما يشاهدونه ويسمعونه. ولا يسعنا في المناسبة إلا شكر الله على أن حادثاً لم يسجّل في أي مخفر على امتداد الوطن، وأن لا إصابات بين المواطنين. بين النبي أيلا البقاعية، بلدة اللواء جميل السيد، وبرجا الشوفية، بلدة اللواء علي الحاج، وبلونة، مكان إقامة العميد ريمون عازار، وبيروت، حيث عنوان العميد مصطفى حمدان، كانت الضاحية الجنوبية لبيروت (منهال الأمين) أم العريس. إذ استعد «أنصار» الضباط، منذ الليلة السابقة، وربما قبل ذلك. فحضّروا الصوتيات والحلويات والمفرقعات وشرعوا ينتظرون ساعة الصفر عند المفارق الرئيسية هناك. وما إن وردت كلمة إفراج على الشاشة حتى أُطلق العنان للفرح «بعودة الأبطال»، كما يسميهم الناس هناك. وشبّه البعض الوضع بيوم «إعلان إسرائيل الموافقة على صفقة التبادل مع حزب الله» قبل أقل من سنة، بل إن الاحتفالية تجاوزت ذلك بكثير، لكن الرصاص الذي لم يغب عن الحدث كان قليل الحضور، فيما أدت المفرقعات المهمة، إذ تبين أنها أعدت مسبقاً بكميات كبيرة. وانتشرت على معظم الطرقات والساحات والتقاطعات الرئيسية حواجز المحبة المزينة بالأعلام اللبنانية مطلقة أناشيد المعارضة اللبنانية، التي تطالب «صناع الفتن» بأن «يحلّو عن هالوطن». مواطنون نزلوا إلى الشوارع لتوزيع الحلوى ابتهاجاً، وآخرون شُغلوا بإطلاق المفرقعات، وفئة أخرى كانت يدها على الزناد في انتظار سماع خبر الإفراج. واللافت أن المواطنين أينما وجِدوا في البيوت والمحالّ والمؤسسات الصحية والمراكز التجارية تسمروا أمام الشاشات، وفي أحد هذه المراكز خرج بعض الأطباء مع مرضاهم إلى قاعات الانتظار ليتابعوا عبر أجهزة التلفزيون التفاصيل أول بأوّل. فأطلق بعض المواطنين هتافات التكبير لحظة لفظ القاضي فرانسين قراره. ومنهم من أبدى شماتته بالموالاة التي رأوا أنها «تلقّت هزيمة سياسية» لهذا الفريق. وعلى الرغم من ذلك، بقيت العاصمة بيروت، حيث بيوت الضباط، مسرح الاحتفال، وقد تعاملت مع الحدث برحابة صدر متسعة للاختلاف. فتجاورت مظاهر الاحتفال، وربما تحاورت، مع مفردات الصمت واستيعاب الحدث. كأنها كانت تقرأ في كتاب التاريخ، وتفسّر طلاسم ما حدث ويحتاج إلى وقت كي يُفهم
النبي أيلا تحتفل بإطلاق «جنرالها»
البقاع ــ عفيف دياب
لم يكتف أهالي بلدة النبي أيلا البقاعية بالاحتفال بخروج ابنهم اللواء جميل السيد من السجن، بل نزلوا إلى بيروت للقاء اللواء والاحتفال معه بحريته في أفضل تعبير عن صدق مشاعرهم نحو من أعطى لقريتهم صيتاً وشهرة طوال عمله الأمني والسياسي في السلطة وخارجها ومن داخل سجنه أيضاً. فالنبي أيلا التي اعتصمت بالصمت طوال سنوات توقيف «جنرالها» في رومية أطلقت أمس العنان لفرحتها ورصاصها ومفرقعاتها، فيما فرغت خزائن المونة من الأرز الذي نثر في طول وعرض القرية المزنّرة ببساتين الكرز والكرمة.
احتفال أهالي النبي أيلا الذين تدفّقوا إلى دارة اللواء السيد ومعهم أهل الجوار، ولا سيما من أبلح التي كانت ممراً ومستقراً للواء السيد طوال نحو عقدين من الزمن، قد يطول إلى أكثر من زمن، وفق قول رجل كان يلوّح بكوفيّته فرحاً: «كنا متأكدين من براءة أبو مالك... وابن النبي أيلا طول عمرو بريء يا أهل الله»، فالاتهام بتورط اللواء السيد باغتيال الرئيس رفيق الحريري أثقل كاهل الأهالي الذين يستعدون لإقامة حفل كبير يوم السبت المقبل بحضور السيد وأفراد عائلته وأسرته حسب ما ردّد أهالي النبي أيلا أو قرية نبيّ الله «أيلا» الذي يغصّ مقامه يومياً بزوّار للتبرّك وإيفاء النذور وتقديم الأضاحي لنبيّ يقول الأهالي إنه كان قاضياً عادلاً يفصل في نزاعات ويوصل الحق إلى صاحبه و«نحن كنا كل يوم نزور مقام النبي أيلا لحماية أبو مالك ولفكّ أسره من سجنه»، قالت الحاجة أم محمد السيد التي لم تتعب من إطلاق الزغاريد ونثر الأرز والورود التي قطفتها على عجل.
الاحتفال بالإفراج عن اللواء السيد ورفاقه، شمل عدة قرى في البقاع، حيث أطلقت المفرقعات في شتورة وتعلبايا وجلالا والفرزل وأبلح وغيرها من البلدات المجاورة، فيما نفذت وحدات من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي إجراءات أمنية على طول الطريق الدولية من شتورة مروراً بتعلبايا وسعدنايل، وصولاً إلى مداخل بعلبك تحسباً لأي ردّات فعل قد تعكّر الهدوء الأمني.
في السياق ذاته، أكدت مصادر العائلة أن اللواء السيد سيزور بلدته نهاية الأسبوع الجاري، وسيقام له استقبال شعبي.
أثقل ثلاث ساعات في بيت جميل السيّد
حسن عليق
يوم 30 آب 2005، قال اللواء الركن جميل السيد لزوجته إنه سيرافق ضباط لجنة التحقيق الدولية إلى مقرهم في المونتيفيردي لساعتين، ثم سيعود إلى المنزل. لكن أحد أقوى رموز جمهورية ما بعد اتفاق الطائف في لبنان بقي خلف القضبان حتى يوم أمس، حين أخرجته المحكمة الدولية من زنزانة اعتقله فيها القضاء اللبناني لنحو ثلاث سنوات و8 أشهر. في منزله في الرملة البيضاء، كان حشد من الصحافيين قد تجمع منذ ساعات الصباح الأولى لمواكبة قرار المحكمة الدولية المتعلق بمصير اعتقال السيد ورفاقه. يمازح مالك جميل السيد أحدهم قائلاً: إذا كان قرار فرانسين سلبياً فستكون أنت المسؤول! لكن السيد الابن كان واثقاً بأن والده سيخرج إلى الحرية. شقيقه سامر أتى من قطر ليشهد القرار «التاريخي». يقول إنه متيقن من براءة والده، لكنه كان يخشى قرار فرانسين.
بدأ الأصدقاء التوافد باكراً للوقوف إلى جانب العائلة في «اليوم المصيري». يزدان المنزل بصور اللواء السيد، منذ زواجه بالسيدة سوسن حمدان. تَجمع إحدى الصور العقيد جميل السيد والرائد بشار الأسد بالزي العسكري، وأخرى السيد والرئيس نبيه بري، وثالثة له مع الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد. وقرب خزانة الميداليات ودروع التقدير التي نالها ضابط الجيش المتقاعد خلال مسيرته العسكرية والأمنية الطويلة، وضعت فوق البيانو صورة للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله. يجلس أفراد العائلة قبيل الثالثة محدقين في شاشة التلفزيون، محاطين بوكلاء الدفاع، المحامين أكرم عازوري ويوسف فنيانوس وأنطوان قرقماز. لم يطل الأمر حتى نطق قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين بأمره: إخلاء سبيل الموقوفين فوراً... قفز الجميع من أماكنهم صارخين. أفلتوا عقال انفعالاتهم ناسين العدد الهائل من الكاميرات المحدقة بهم. أم مالك كانت أكثرهم بكاءً. تحضن أبناءها وتتقبل تهانئ أصدقائها. تحمل باقة ورد وترميها قائلة: هذه هي الحقيقة.
ابنتها سارة تؤكد أنها كانت واثقة طوال الوقت من براءة والدها، لكنها خافت من تدخلات ما تؤثر في القاضي فرانسين. جدتها لوالدها تقول إنها رأت ابنها في سجنه قبل نحو أسبوعين. تؤكد السيدة التي ترك الزمن أثراً في تجاعيد وجهها أن «الله سيأخذ حق ابنها ممن ظلموه». أما والده فيكتفي بالقول: «ظلموه، الله لا يسامحهم».
بعد ذلك، تبدأ ساعات ثلاث هي الأثقل على العائلة التي انتظرت هذه اللحظة لأكثر من 3 سنوات. «خرجوا من السجن»... «لم يخرجوا»... بدأت الشخصيات السياسية المعارضة بالتوافد. أول الواصلين كان النائب حسن فضل الله ورئيس لجنة الارتباط والتنسيق في حزب الله الحاج وفيق صفا. بعد قليل، يصل رئيس المكتب السياسي لحزب الله السيد إبراهيم أمين السيد إلى منزل ابن عمه اللواء جميل السيد. يتوافد حشد كبير من أبناء بلدة النبي أيلا البقاعية، ومن الشبان الذين يقطنون منطقتي الأوزاعي وبئر حسن المجاورتين، وسط انتشار كثيف لأفراد الحماية الشخصية في حزب الله. تصل فرقة الزفّة، وفتيات يافعات يحملن أوراق الورد. يتواصل دخول الأصدقاء إلى المنزل، أبرزهم المدعي العام التمييزي السابق القاضي عدنان عضوم والوزير السابق ميشال سماحة الذي يلثم يد والدة اللواء السيد. وفي الخارج، معظم من تجمعوا لا يعرفون المدير العام السابق للأمن العام ولا يمتّون له بصلة قرابة. يقول أحدهم إنه قدم لتهنئة السيد «لأنه مظلوم»، ويرى آخر أن الإفراج عن الضباط الأربعة هو «انتصار لخط المقاومة، لأن توقيفهم كان يستهدف هذا الخط». ومن أجل ذلك، أتى للاحتفال مع شبان عبروا عن فرحتهم «الشديدة» بوصول النائب علي عمار والوزير السابق وئام وهاب.
قبيل السادسة كان معظم نواب حزب الله موجودين في المنزل، وكذلك عدد كبير من سياسيي 8 آذار. في الخارج، لم يتوقف إشعال المفرقعات، ولم تصمت مكبرات الصوت التي كانت تبث أهازيج النصر، فيما لم يظهر التعب على الشبان الذين لم تنفرط حلقات الدبكة التي عقدوها.
ازداد الجمع مع وصول الموكب الأمني مقلاً السجين الأشهر في لبنان على مدى السنوات الأربع الماضية. ترجّل جميل السيد من إحدى السيارات العسكرية التابعة لفرقة الفهود. لم تتغير ملامحه عمّا كانت عليه قبل توقيفه. وبعدما نحرت له الخراف، تحدث السيد إبراهيم أمين السيد قائلاً إن الإفراج عن الضباط الأربعة يمثّل «لحظة من لحظات النصر والسعادة والعزة والشرف الكرامة». بعد ذلك، ألقى جميل السيد خطبة شكر فيها أصدقاءه ومن أتوا لاستقباله، ثم توجه إلى مدخل منزله على سجاد أحمر. داخل المنزل، استقبله «رفيقا» السجن اللذان سبقاه إلى الحرية أحمد ومحمود عبد العال. كان العرق يتصبب منه في مكان كاد يضيق «بالأصدقاء الذين لم يتركونا لحظة واحدة»، كما قالت زوجته.
وعندما سألته «الأخبار» عن الأسلوب الذي سيتعامل عبره مع من كانوا السبب في سجنه، أجاب جميل السيد: «الأسرى في السجون الإسرائيلية تُطوى مرحلة أسرهم يوم خروجهم إلى الحرية، أما من كانوا أسرى في وطنهم، فتُفتَح الصفحة يوم خروجهم من خلف القضبان».
برجا تتحدى واشنطن... مجدّداً
برجا ـ خالد الغربي
دقائق معدودة تلت إعلان القاضي الدولي الإفراج عن الضباط الأربعة، حتى خرج العديد من أبناء بلدة برجا، في إقليم الخروب، حيث بلدة اللواء علي الحاج، إلى الشارع في احتفالات عمّت البلدة بطريقة عفوية. فاحتشد العشرات من الشبان والنسوة في الشارع الرئيس للبلدة، وأُقيمت حلقات الدبكة، وأطلقت المفرقعات ابتهاجاً، وأُطلقت النيران من بنادق صيد، فيما عمد الشبان إلى رفع اللافتات المهنّئة بإطلاق «أبو صلاح» (اللواء الحاج)، وتضمّنت اللافتات عبارات تؤكد الدور الوطني لبلدة برجا، ومنها: «برجا جمال عبد الناصر، لا أنظمة الاستسلام والخيانة، ترحّب باللواء علي الحاج»، وأخرى: «برجا الوطنية لا الرجعية، برجا تاريخ البطولة والشهادة والعنفوان تهنّئ بالبطل العائد».
ومع مرور الوقت، بدأ التجمع يكبر وحلقات الدبكة تزداد والطبول تدق وإشارات النصر ترتفع والحاجة أم أحمد ترقص بصورة اللواء الحاج وتصرخ: «ظهرت الحقيقة والعدالة قالت كلمتها. أبو صلاح وطني ومقاوم مش مجرم. بدنا اللي ما سمع يسمع». الحلوى توزّع والأرز ينثر على المحتفلين، فيما أغنية «والعين مشتاقة تشوفك يا علي، وبعد عيونك يا علي» تمعن في تأجيج مشاعر الابتهاج لدى المحتفلين. إنه «عرس برجا»، تقول أم محمد الحاج التي تطالب «باعتذار يقدمه الذين أساؤوا إلى ابن بلدتها اللواء الحاج فاتهموه مع رفاقه الضباط الشرفاء زوراً بأنهم يقفون وراء جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري»، ومجدداً تعلو الأصوات: «بان الحق، بان الحق، ببرجا ما بضيع الحق».
الاحتفال في برجا بدا لوهلة أنه يتعدّى مجرد التعبير عن فرحة بالإفراج عن اللواء الحاج، ليلامس تأكيد دور وموقف برجا ذات التاريخ الوطني العريق (كما يصرخ كثر). ومن بين المحتفلين يخرج الحاج حسن الخطيب ليعيد صوغ الموقف، فيقول العبارة التي لطالما أطلقها البرجاويون «برجا تتحدى واشنطن، وهي اليوم عادت لتتحداها»، يقول الرجل ذلك، ويؤكد أن برجا وطنية وعروبية، مشيراً إلى تمثال الريّس (جمال عبد الناصر).
داخل منزل علي الحاج قصّة أخرى
نادر فوز
حتلّ أهل برجا دارة آل الحاج في الأونيسكو. شرّعت العائلة أبواب المنزل أمام الأقارب والأصدقاء وأنصار قوى 8 آذار. احتلّ المحتفلون بإطلاق سراح اللواء علي الحاج غرف المنزل، فحلّوا أيضاً في المطبخ وغرفة داندي، مساعدة ربّة المنزل. في الداخل والخارج انتشر شباب حزب الله لمتابعة الأوضاع الأمنية وإحاطة المكان بالأمان اللازم. وحضر النائبان، حسين الحاج حسن وعلي المقداد. في صلب هذه الفوضى «الشعبية»، أدت سحر، أخت سمر زوجة اللواء، دور تخفيف «الغليان» الحاصل. وفي صورة مطابقة لشخصية أختها أعطت بعض الأوامر، فانسحب جزء من الحاضرين إلى مدخل المبنى. وجرى إجلاء المدنيين من شرفة المنزل وانحصر الوجود فيها بالصحافيين والمصوّرين.
تحدّثت سحر، لدى سؤالها خلال ساعات الانتظار، عن الأشهر الطويلة التي مرّت على العائلة. وذكرت خطبة صلاح وتلبيس الخواتم الذي جرى في رومية بحضور والدَي العروس واللواء الحاج وغيرها من الأحداث التي جرت في غياب اللواء.
في هذه الأجواء، جرت محاولات الاستماع إلى كلمة النائب سعد الحريري، عند الساعة السادسة مساءً. التصق النائب الحاج حسن بالتلفزيون محاولاً استراق بعض الكلمات الحريرية. «طوّلوا بالكم ما في خيبة أمل»، علّق النائب ضاحكاً. ليعود ويجلس في مقعده بعدما فقد الأمل بإمكان سماع بيان قريطم. استمرّ الحاضرون بحركتهم، إلى أنّ أسرع النائب الحاج حسن وبعض مرافقيه في النزول إلى مدخل المبنى. عرف الجميع أنّ موكب اللواء يوشك على الوصول. لحق الجميع به وعلت الزغاريد تلقائياً. وبعد دقائق قليلة وصل الموكب.
علت أصوات الطبول وبدأت المفرقعات تدوي، نُحرت الخراف مع خروج الحاج من سيارة الجيب. أما الزوجة، فعبّرت عن فرحتها بأسلوب آخر. خرجت من السيارة بصيحات «الله أكبر». لم تكتف بهذا القدر. صعدت إلى سطح السيارة وراحت تحيّي من حولها، فيما خطفت الأيادي زوجها ورفعته على الأكف فيما قلق الأمنيون من الزحمة التي تحاصر المحتفى به.
داخل المنزل قصة أخرى. انتظر الحاج أكثر من ثلث ساعة ليجلس على الكنبة ويبدأ إلقاء خطاب الحرية. في هذه الأثناء كان «الأخذ والردّ» جاريين بين الصحافيين والمدنيين الموجودين. حسم الموضوع لمصلحة الإعلاميين. انسحب المهنّئون العاديون من صالون المنزل، وخلت الساحة للصحافيين والمهنّئين الرسميين. تحدّث اللواء الحاج، فقال «إن العودة اليوم من وراء القضبان هي إلى الحرية وإلى حقيقة من اغتال (الرئيس الشهيد) رفيق الحريري». وأشار في كلمة مقتضبة إلى أنّ لحظة خروج الضباط الأربعة من السجن هي «بداية ظهور الحقيقة، لأن كل ما جرى في السابق كان تعمية عن الحقيقة لأهداف سياسية ضيقة». أضاف: «المحكمة الدولية اتخذت قراراً اليوم بإنصافنا، وكنا نتمنى هذه العلامة الجيدة أن تكون على جبين القضاء اللبناني، لا على جبين الأجنبي الذي هو ليس معنياً بقضيتنا كما هو معني». ودعا المراهنين على مشاريع خارجية إلى الاتعاظ، ليعود ويؤكد قائلاً: «لن يعود إلى العمل غداً، فمجرد وجودي هنا عدت وسأرتدي بزة قوى الأمن الداخلي من جديد. بقي لدي خمس سنوات، وبذة قوى الأمن ملكي كما كانت ملك أبي، وكما هي ملك ابني، وهذه المؤسسة للجميع».
بعد هذه الكلمة خفّت الزحمة تدريجاً. خرج نجل الحاج، الملازم الأول في قوى الأمن الداخلي صلاح، وبدت عليه علامات عدم الرضى عن بعض المقرّبين: «أنتم ستبقون معه (اللواء الحاج) عشرين سنة، أما الصحافيون فحاضرون لساعات قليلة، افسحوا المجال أمامهم وهذا اليوم مخصّص لهم».
وفي تعليق سريع على توقيف الضباط الأربعة وإطلاق صراحهم، قال: «أنا ضابط في قوى الأمن، وأقول للمواطنين إنه بدل تقديم الدعاوى والشكاوى للقوى الأمنية والمؤسسات اللبنانية، الأفضل التوجّه إلى المحكمة الدولية وانتزاع الحق»، مع العلم بأنّه كان قد عانى مضايقات جمّة خلال السنوات الماضية.
في هذه الأثناء كانت داندي تقف جانباً محاولة استراق النظر إلى مستخدمها، تحمل وعاءً أحمر أُفرغ من الأرُز والورد. وربما كانت تفكّر في أمر واحد: كلنا مسرورون بعودة الـMr إلى المنزل. لكن كل هذه «الخربطة» الحاصلة في أثاث المنزل، والفوضى العارمة التي تعمّ المكان، من سيساعدني في ترتيبها؟
انقضت الليلة السابقة في منزل آل الحاج وقد التمّ الشمل. عادت الأمور إلى مجاريها، فيما الوضع السياسي على موعد مع بعض التقلّبات.
همس مصطفى حمدان: سلام إلى سيّد المقاومة
محمد نزال
احتشد منزل قائد الحرس الجمهوري، العميد مصطفى حمدان، أمس، بالأهل والأقارب والأصدقاء والمتضامنين، في مساكن الضباط، مقابل المدينة الرياضية في بيروت. أصوات المفرقعات لم تهدأ على طول الشارع الذي يقع فيه المنزل، منذ الساعة الثالثة عصراً وحتى لحظة وصوله عند السابعة والنصف. سادت حالة من الصخب مع وصول السيارة التي تقله، فتعالت الزغاريد والترديدات العفوية من النسوة، وضج المكان بالهتافات المهنئة التي صدح بها الرجال. امتلأت عيون بعض أطفال العائلة بالدموع، علماً بأن بعضهم لم يكن قد رآه بعد في حياته. «مبروك يا بطل»، عبارة ما انفكّ يرددها شقيقه ماجد، وهو يتنقل أمام مدخل المبنى بعد سماعه خبر الإفراج. وفي لحظة الوصول عانقه بشدة، وصرخ بصوت عال: «سنلاحقهم قضائياً يا مصطفى، سنلاحق كل من سبّب حجز حريتك يا أخي، وسنبقى وراءهم إلى ولد الولد مهما طال الزمن، ولن ننسى».
اختلطت دماء الخواريف التي ذبحت، بالأرز والورود التي نثرت على رأس العميد حمدان. وصل إلى منزله في الطابق الثالث بشق الأنفس، بعد احتشاد قاسٍ من المحبين كاد يوقعه أرضاً، لولا تدخل رجال الحماية والأمن. «حاولوا أن يضعونا في موقع نكون فيه ضد جزء من الشعب، الشعب الذي نحبه ونقدره، لكن هذا ما لم ولن يحصل. واليوم، ها قد سقطت الحملات التي حاولت إبعادنا عن أهلنا». تلك كانت أولى الكلمات التي نطق بها العميد مصطفى حمدان بعد وصوله إلى المنزل، مضيفاً: «لطالما كنّا متأكدين من حقنا، رغم أنهم حاولوا تصويرنا كمجرمين. لكن في كل الأحوال لن نندفع إلى استعداء شعبنا». وصل في تلك الأثناء وفد من «حزب الله» برئاسة النائب السابق السيد إبراهيم أمين السيد إلى المنزل، وبعد عناق طويل، همس حمدان في أذن السيد قائلاً: «السلام أمانة إلى سيد المقاومة السيد حسن نصر الله، الذي كان نبراساً لنا». ثم توجه إلى الإعلاميين وقال بحرقة: «لم يكن لنا شرف المشاركة في حرب تموز عام 2006، هذه هي حرقتنا الوحيدة، وأقول يا ليتني كنت مع المقاومين، لكنّا فزنا فوزاً عظيماً».
تجدر الإشارة إلى أن المدة التي أمضاها العميد حمدان خلف القضبان حملت ذكرى أليمة مضافة إلى إلم السجن، ألا وهي وفاة والدته، التي أوصت قبل رحيلها زوجها العميد المتقاعد فهمي حمدان، بعبارة «لا تترك مصطفى... لا تترك مصطفى». انهمر الدمع من عيني والد العميد الخارج إلى الحرية، وهو يستذكر زوجته «التي حاربت المرض بكل ما أوتيت من قوة، لعلها تكحّل ناظريها بوجه ابنها، بيد أن القدر لم يسعفها، وأنا كلي يقين بأن روحها الآن حاضرة بيننا، تشاركنا الفرحة من عليائها».
قبل وصول حمدان إلى منزله، حضر النائب علي عمّار لتهنئة الأهل، ولدى خروجه علّق والبسمة على وجهه: «سقط القضاء اللبناني في غياهب سجون بعض الساسة، من الذين لم يقرأوا المرحلة جيداً، فقرار اليوم يفضح كل الأقلام التي كتبت، والألسن التي تكلمت، وأولئك الذين فبركوا شهود الزور»، وتابع عمّار: «أما وقد حصل ما حصل، نتمنى أن يكون الأمر عبرة للقضاء في لبنان، الذي كنا نتمنى أن يحل القضية قبل أن تحلها المحكمة الدولية».