واقع الحريات الإعلامية في لبنان
ماذا يبقى من وسائل الإعلام بعدما فقدت الجانب الكبير من حريتها ومصداقيتها؟
ما هو واقع الحريات الإعلامية في لبنان للعام 2008؟
سؤال حاولت مؤسسة "مهارات" الاجابة عنه عبر تقرير أطلقته بالتعاون مع مكتب اليونيسكو الاقليمي عبر برنامج "المرصد الوطني لحرية الرأي والتعبير". نتائج التقرير حملت استنتاجات لا تخلو من المفاجآت، فيما يبدو بعضها مقلقاً جدا ً(*) والجديد في التقرير ان التقييم هذه المرة، في جزء منه، يقوم به الصحافيون انفسهم، فينقلون رؤيتهم الى المهنة في لوحة تحمل المعاناة والامنيات في آن معا. ونستعرض في ما يلي ابرز ما اورده هذا التقرير.
سعيا إلى تقييم واقع الحرية الإعلامية في لبنان عمد المرصد إلى إجراء دراستين مختلفتين: الأولى هي استفتاء لرأي الإعلاميين حول ظروف ممارستهم المهنة، والدراسة الثانية تعمد إلى تقييم مجموعة مؤشرات تعتبر مقياسا لوجود الحرية الإعلامية في مجتمع ما.
تهدف دراسة المؤشرات هذه إلى قياس نسبة وجود الحرية الإعلامية في الممارسة من خلال دراسة جملة عناصر تشكل مرتكزات للحرية. فمن خلال تقييم هذه المؤشرات مجتمعة يمكن استنتاج مدى الحرية المعطاة لوسائل الإعلام. وقد تم تحديد 24 مؤشرا تشكل أساس الممارسة الإعلامية الحرة في المجتمع عموماً.
استفتاء رأي الإعلاميين
أجرى المرصد استفتاء للرأي شارك فيه61 صحافيا يعملون في وسائل الإعلام اللبنانية المختلفة. وقد طلب من المستفتين الإجابة عن استمارتين من الأسئلة، الأولى حول موضوع "الرقابة الذاتية، الموضوعية، التوجيه الإعلامي والحصانة". والاستمارة الثانية حول :"الحق في الوصول إلى المعلومات الرسمية، حماية المصادر، التغطية بحرية، ملاحقة قضائية وعقوبات، اعتداء وأعمال تعسفية".
وقد كشفت هذه الدراسة الميدانية عيوبا خطيرة في ممارسة مهنة الصحافة. فعلى السؤال الموجه للمستفتين عن تقييمهم واقع الصحافة اللبنانية: "في رأيك هل الإعلام في لبنان مستقل، موضوعي وحيادي؟"، جاءت الأجوبة "كلا"، مئة في المئة. هذه النتيجة على خطورتها، تشير إلى إدراك الجسم الإعلامي وجود مشكلة في هذا الميدان. وهذا أمر ايجابي يبشر بإمكان المعالجة في المستقبل.
الرقابة الذاتية
ويأتي سؤال آخر عن مدى التزام الصحافيين الرقابة الذاتية ليؤكد الخلل في ممارسة المهنة، اذ يؤكد حوالى 90 % من المستفتين أنهم امتنعوا في وقت من الأوقات أثناء عملهم عن التطرق الى موضوع معين. فالرقابة الذاتية هنا هي في مثابة خطوط حمر يخشى الصحافي من تجاوزها، فقد يسكت عن أمور مهمة في المجتمع كالفساد أو سرقة المال العام او قضايا اجتماعية مهمة خشية خلق المشاكل لنفسه. هذا الأمر يعني الحد من حرية الرأي والتعبير عند الصحافيين.
وتتأكد أجواء الحذر السائدة في أوساط الصحافيين عند السؤال عن مدى "حرية التنقل والتغطية" التي ينعمون بها، وهل سبق أن منعوا من التحرك بحرية أثناء قيامهم بعملهم الإعلامي. وقد جاءت أجوبة حوالى 42% منهم بأنهم تعرضوا لمثل هذا المنع. وهذه النسبة مرتفعة جدا وتستوجب تحرك السلطات الرسمية لضمان عمل الإعلاميين، كما تستوجب ردة فعل من جانب المؤسسات الإعلامية على تنوعها لضمان حرية حركة مندوبيها.
مستوى الضمانات والعمل النقابي
وتبين الأجوبة على أسئلة أخرى معاناة كبيرة في أوساط الصحافيين، ولا سيما منها ما يختص بمستوى الحياة والضمانات الاجتماعية المقدمة لهم من أرباب عملهم بما فيها الراتب. فعلى السؤال: هل الراتب الذي يقبضونه "يكفي لضمان حياة كريمة لهم"، أجاب حوالى 67% منهم بان أوضاعهم لهذه الناحية "سيئة". حوالى 19% رأوها "وسط"، فيما حوالي 13% فقط رأوها "جيدة".
هنا أيضا تبدو المشكلة خطيرة إذ أن الاكتفاء المادي من خلال راتب محترم هو من الحقوق الأساسية لأي عامل، ولاسيما الصحافي كي لا يضطر إلى اللجوء إلى وسائل أخرى لتأمين حاجاته وكي يتمكن من الحفاظ على نزاهته. فمكافحة الفساد في وسائل الإعلام تبدأ بتأمين الضمانات الضرورية للصحافيين وبمنحهم الراتب الكافي الذي يستحقونه.
ويبدو الإعلاميون في حال يأس من وضعهم النقابي المفترض ان يكون وسيلتهم للوصول الى حقوقهم. فعند السؤال عن ثقتهم بالعمل النقابي وفعاليته للدفاع عنهم يجيب حوالى 86% بان الوضع النقابي "سيء". هذه النسبة العالية من الإدانة للوضع النقابي الإعلامي يفترض ان يواكبها تحرك من الصحافيين من اجل تحسين ظروف تمثيلهم النقابي بكونه أداة أساسية لتحسين ظروف العمل ورفع مستوى المهنة.
وتتأكد معاناة الصحافيين من ظروف عملهم من خلال الإجابة عن سؤال آخر عن الحصانة المهنية التي يفترض بالصحافي ان ينعم بها، وهل يشعر بأن هناك من يرعى مصالحه ويدافع عنها. وقد جاءت الأجوبة بنسبة 72% بالنفي لتظهر غياب الضمانات المهنية وظروف العمل غير الثابتة التي يعانيها الصحافيون في لبنان.
ويبين الاستفتاء جانبا مهما من الحياة المهنية للإعلاميين في لبنان، وهو عدم الإلمام الجيد بالقوانين المنظمة للمهنة. فعلى السؤال: هل يوجد قانون يضمن حقك في الوصول الى المعلومات الرسمية؟ فبدلا من أن يكون الجواب "كلا"، انقسمت الأجوبة إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية: 18% أجابوا: "لا اعرف"؛ 20%: أجابوا: "نعم"؛ 62 % أجابوا: "كلا".
رصد المؤشرات
ينشر التقرير جدولا مفصلا يتناول مؤشرات قياس الحرية الإعلامية، وهي تتوالى بالتراتبية تبعا لأهميتها، ومنها: الضمانات الدستورية، الاعتداءات الجسدية والمعنوية، الرقابة المسبقة، العقوبات الجزائية، توزيع ملكية وسائل الاعلام، اداء السلطة القضائية، حرية تملّك وسائل الاعلام، الشفافية في عمل المؤسسات الإعلامية، وغيرها... هذا فضلا عن مؤشرات اخرى عبّر عنها الصحافيون: الرقابة الذاتية، التنظيم النقابي، الحصانة المهنية، الضمانات الاجتماعية، حرية الوصول الى المعلومات، حرية التغطية...
وقد اظهر جدول المؤشرات التي يقترحها المرصد ان حرية الإعلام في لبنان لعام 2008 هي بدرجة "حرة جزئيا" اذ حققت معدل 52.3 نقطة ، أي أنها تقع في رتبة ما بين 31 و 60 نقطة التي تعتبر بدرجة متوسطة. أي أنها أدنى من درجة "حرة" 61-100 نقطة، وأعلى من درجة "ليست حرة" (0-30 نقطة).
ويستنتج التقرير ان درجة "حرة جزئيا" قد تحققت بفضل المؤشرات القانونية: الضمانات الدستورية، غياب القيود القانونية، عدم إقفال او حجب وسيلة إعلامية... اما مؤشرات الممارسة الميدانية فهي سلبية. وهذا يبيّن التناقض بين الواقع القانوني الذي يؤكد الحرية الإعلامية ويضمنها والممارسات من جانب المعنيين بقطاع وسائل الإعلام، على تعددهم، التي تتعارض وروحية الحرية هذه.
انتهاكات حرية الرأي والتعبير
رصد المرصد انتهاكات عدة لحرية الرأي والتعبير وتشمل اعتداءات متنوعة كان من شأنها إعاقة عمل الصحافي وترهيبه ومنع وصول المعلومات إلى الجمهور.
ويبين الجدول الآتي نوع الاعتداءات على الصحافيين وحرية الإعلام خلال العام 2008:
نقاط ضعف الإعلام اللبناني
ان الانقسام السياسي والمذهبي الحاد الذي يضرب مؤسسات المجتمع اللبناني كلها ينعكس بقوة على وسائل الإعلام. فعلى رغم التجربة الإعلامية الليبرالية الرائدة والغنية في لبنان، لا يزال الإعلام أسير عوامل عدة داخل المجتمع تضعه مباشرةً أمام تناقضاته فتحد من نجاحه وتعوق تقدمه وتطوره. ومن هذه العوامل:
1- الانقسام الطائفي والسياسي
كان لقانون الإعلام المرئي والمسموع أثرا سلبيا سواء من حيث مضمونه أو من خلال طريقة تطبيقه. فهو كرس محاصصة رخص البث وتوزيعها بين القوى السياسية والطائفية التي تابعت في مرحلة ما بعد الحرب عملية التعبئة والتجييش والتحريض بتقنيات إعلامية حديثة ومعقدة.
2- الأزمة المالية
شكلت الفضائيات العربية التي تطورت وانتشرت بسرعة متمتعةً بقدرات تقنية ومالية كبيرة، منافسة حقيقية للمحطات اللبنانية. وقد أدى تراجع السوق الإعلاني الداخلي في السنوات الأخيرة إلى تراجع مداخيل وسائل الإعلام اللبنانية على تنوعها، الأمر الذي عمق الأزمة. وقد سعى الإعلام اللبناني إلى البحث عن مصادر تمويل تمكنه من تطوير قدراته التقنية والحفاظ على دوره. فكان من بين أبرز نتائج هذه العملية تعزيز سيطرة رأس المال السياسي على الإعلام في لبنان، وطغيان الترويج السياسي وهمّ الكسب المادي على حساب الرسالة الإعلامية ومضمونها.
3- تردي المضمون الإعلامي
كرست وسائل الإعلام الانقسام العمودي للمجتمع بعدما أصبحت امتدادا مباشرا للأحزاب السياسية والطائفية، ولاسيما منذ العام 2005. وانعكس ذلك على مستوى الرسالة الإعلامية، فتدنى مضمونها وتراجع موقع البرامج المرتبطة بمصالح المواطنين وهمومهم وبالسياسات العامة، وهيمنت السياسة وخطب السياسيين على النشرات والبرامج الإعلامية. أما البرامج الإخبارية والسياسية، فلم تعد أكثر من كونها وسيلة لتنفيس الاحتقان السياسي لدى المشاهدين، وهي لم تستطع أن تخلق رأياً عاماً يسائل ويحاسب لدى المواطنين.
معوقات الحرية في القانون اللبناني
يتبين من مراجعة النصوص القانونية المتعلقة بالمطبوعات في لبنان ان هناك قيوداً على حرية التعبير والطباعة لا تخدم أي مصلحة مشروعة في مجتمع ديموقراطي كالمجتمع اللبناني وتتعارض مع المفهوم الواسع لحرية الرأي والتعبير المنصوص عنه في المواثيق الدولية التي صادق عليها لبنان وجعلها ملزمة في مقدمة. من الثغرات القانونية لحرية المطبوعات في لبنان نذكر:
-1 تقييد حرية إصدار المطبوعات
لقد حد القانون اللبناني من حرية إصدار الصحف ونشرها وبيعها. فالمرسوم الرقم 74 - الصادر في 13/4/1953 حدد عدد المطبوعات الدورية السياسية التي يمكن ان تصدر على الأراضي اللبنانية بخمس وعشرين مطبوعة يومية سياسية وعشرين مطبوعة سياسية موقوتة.
-2 الرقابة على الصحافة الأجنبية
نصت المادة 50 من قانون المطبوعات على انه يحق لوزير الإعلام، بقرار منه، منع دخول أي مطبوعة أجنبية الى لبنان ومصادرة أعدادها.
-3 عقوبة الحبس في قضايا المطبوعات
ان قانون المطبوعات اللبناني نص على الجرائم المرتكبة بواسطة المطبوعات ونص على عقوبات جزائية بالغرامة والحبس، كما انه أحال على قانون العقوبات اللبناني لتحديد عقوبة الأفعال التي لم يرد بشأنها نص صريح في قانون العقوبات. في المبدأ لا يجوز تطبيق عقوبة الحبس بوجه من استعمل حق إبداء رأيه بأية وسيلة كانت.
-4 عدم وجود قانون يكفل حرية الوصول الى المعلومات.
-5 في الترخيص لوسائل الإعلام المرئي والمسموع
ان حصر الترخيص لوسائل الإعلام المرئية المسموعة، التي تبث محلياً أم فضائياً، بمجلس الوزراء جعل منح الرخص يخضع للمحاصصة السياسية والطائفية. فحق الترخيص لوسائل الإعلام هذه يجب ان يحصر بالمجلس الوطني للإعلام الذي يمنح الترخيص متى توافرت الشروط القانونية والفنية والتقنية اللازمة للبث.
6- في تعيين المجلس الوطني للإعلام وصلاحياته
إن آلية اختيار أعضاء المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع تؤدي الى تبعيتهم للسياسيين وتعطل عملهم بشكل مستقل. كما ان القانون الحالي يعطي المجلس دوراً استشارياً فقط وليس تقريرياً. فضلا عن ان المجلس لم يوضع في تصرفه الجهاز البشري والتقني اللازم الممارسة مهامه بشكل فاعل.
7- وثيقة البث الفضائي العربية
ان هذه الوثيقة، التي وقّعها وزير الإعلام اللبناني، تضع قيودا جديدة على القنوات الفضائية اللبنانية وتنتهك حرية الرأي وتضرب عرض الحائط المبادئ الدستورية والمواثيق التي صادق عليها المجلس التشريعي اللبناني، وأهمها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
وسائل الإعلام ادوات الصراع
تبدو وسائل الإعلام اللبنانية بعيدة كل البعد عن الدور المفترض ان تلعبه كمساحة حرية وحوار بين مكونات المجتمع. فهي بدلا من ان تعمل على نبذ العنف والحفاظ على السلم المدني وتماسك المجتمع، فإنها بالعكس تماما تشكل أداة الصراع الأولى بين القوى الحزبية والطائفية والمالية والعسكرية. وجاءت التغطية الإعلامية لحوادث شهر أيار 2008 في بيروت والجبل دليلا واضحا على التراجع النوعي لوسائل الإعلام اللبنانية من خلال تحولها، في غالبيتها العظمى، أدوات عسكرية في خدمة القوى المتصارعة فكانت إحدى أسلحة هذه الحرب وامتدادا للصدامات في الشارع. ولقد برر الخطاب الإعلامي المعتمد العمليات العسكرية من خلال تخوين الآخر واتهامه بالعمالة وتصوير الأعمال العسكرية بأنها "إنقاذية" وإظهار العنف الموجه ضد الشريك في الوطن كأمر مقبول ومنطقي لا بل ضروري وشرعي. ان الدعوات الى تصفية الآخر، لأي ذريعة كانت، هي ذروة العنف، وهذا ما بلغته مواقف بعض الإعلام اللبناني.
خاتمة
يختم التقرير ان واقع وسائل الإعلام اللبنانية يدعو الى القلق بالنظر الى التراجع الكبير الذي بلغه الأداء الإعلامي وتراجع حرية الصحافيين وتردي ظروف عملهم ومستوى تغطيتهم الاجتماعية. ويضيف: "ان هذه الخلاصة تنال من الصورة التقليدية التي نعمت بها لفترة طويلة وسائل الإعلام اللبنانية على أنها مميزة بحريتها ودورها وعلى أنها العين الساهرة على الديموقراطية". وينتهي الى السؤال "ماذا يبقى من وسائل الإعلام اللبنانية بعدما فقدت الجانب الكبير من حريتها ومصداقيتها وبعدما تحوّلت أبواقاً دعائية؟".
رلى مخايل
( "حرية الرأي والتعبير في لبنان عام 2008". مؤسسة "مهارات" ومكتب الاونيسكو الاقليمي-بيروت. اعداد المحامي طوني مخايل ومراجعة الدكتور جورج صدقة. (24 صفحة).)