الخيام نسخة تجريبية · Khiyam v2
أخبار وذاكرة ومجتمع
← الأرشيف

جوليا.. عصفورة الجنـّة تنتظر والديها

2010/1/29 · · المقال رقم 8234
يتمايل النعش على الأكف. يتراقص بين ضريحين، والصلوات الى الله ترتفع، جوليا تدور وتدور وتدور. انهكها تعب الانتظار وهي للتو عادت من رحلة قسرية بعدما لفظتها امواج البحر الذي ابتلع الطائرة الملعونة ولعبة جوليا. امس عادت "جوجو" كما تناديها جدتها الى منزلها الابدي. تنتظر والديها محمد ورنا بعدما تركت لهما الوصية: "اخاف النوم وحدي، لا تطيلا الغياب في اعماق البحر، هنا الى جانبي مكان حفظ لكما". ربما يكون تراب برج البراجنة والرادوف ادفأ من مياه البحر التي غمرت جسدها لساعات بعد رحلة الدقائق الثلاث على متن الطائرة. هناك، على ضريحها، ثمة اكاليل كتب على احدها اسم جوليا الجديد "عصفورة الجنة". ستنام العصفورة الى الابد في ظلال اشجار السرو وعلى وقع زقزقة العصافير التي تؤنس وحشة من لا قدرة له على التذمّر من قضاء الله وقدره. لن تعود جوليا بعد اليوم الى سريرها الدافئ. لقد قال القدر كلمته وأسكنها في سرير جديد عليه سورة الفاتحة. ----------------------------------------------------------- وكتبت زينب ياغي في السفير: جوليا تستمع إلى الأغنية الأخيرة في منزل جدتها.. ثم تنام في مقبرة الرادوف وضعت قريبات جوليا الغطاء القطني الأبيض المطرز فوق نعشها الصغير، فرشن الزهور والألعاب حول جثمانها، وثبّتن صورها مع أمها رنا الحركة وأبيها محمد الحاج، على جدران المنزل وعلى الطاولات. اجتمع الأقارب حول النعش في منزل الجدة منى الحركة من أجل الاحتفال الأخير بجوليا، من أجل احتفال قصير لم يدم سوى نصف ساعة، لأن وضع جسدها لا يحتمل الانتظار. فقد كانت جوليا حتى الأحد الماضي، لعبة المنزل وفرحته، وتركت خلفها الآن حطاماً في القلب والروح. زغردت الجدة لحفيدتها، وغنت لها، ورقصت لها، ثم رفعت يديها إلى السماء وقالت بصوتها المبحوح والمجروح: يا رب، أنت تختبرني؟ لكن التجربة أكثر بكثير من طاقتي على تحملها! يا رب، هل تعتقد أني مثل فاطمة الزهراء، أريد أن أخبرك أني لست مثلها، دلني كيف سأعيش بعد اليوم؟ لو كان يمكن تبديل حياة شخص بحياة شخص آخر، لكانت جدة جوليا اختارت ذلك بملء إرادتها، لكي ترتاح من الحرقة التي تركها رحيل أغلى الأحباب، الحفيدة والابنة وزوجها. تجلس إلى الكنبة ثم تتحدث بصوتها المخنوق، فهي تريد أن يعرف كل المعزّين مَن كانت جوليا بالنسبة إليها، تريد أن تتذكر كل حركة لها، ما دام لم يعد لها سوى الذكريات. تقول: «عندما ولدت جوليا، أنا ربيتها منذ يوم ولادتها الأول حتى أصبح عمرها سنة وثمانية أشهر، وذهبت مع أهلها إلى الكونغو لمدة خمسة أشهر لكي أتولى العناية بها. أعددت لها غرفة نوم في المنزل، سريرها وخزانتها وألعابها، وملابسها، لم يكن أحد يزورنا من أقاربها إلا ومعه لعبة لها، لكنها كانت تنام إلى جانبي في سريري، أنام أنا على طرف السرير وأعطيها كل المساحة الباقية. يا ويلي مين بدو ينام حدي بعد اليوم». عندما سافرت مع أهلها، قالت الجدّة للأب: «يا محمد، إذا جاءت جوليا لزيارتي ولم تعرفني، فسوف أزعل منك كثيرا، وأقول إن أهل الجنوب بلا أصل، فكان محمد يضحك ويجيبني: ما تزعلي، بس أنا بدي أعرف هيدي بنتك ولّا بنتي؟». غابت جوليا عن جدتها لمدة شهرين، وعادت مع أهلها لزيارتها، وصلت الطائرة عند الثالثة فجرا، انتظرتها الجدة عند باب المنزل. عندما رأتها، ركعت على الأرض وفرشت يديها لاحتضانها، ركضت جوليا نحوها وهي تقول لها: تاتا «بيزو»، وتعني بالفرنسية قبلة، فاحتضنتها جدتها وقبلتها ثم نظرت إلى أبيها ضاحكة: «لقد نجوت من تهديدي، لكن ابنتك تحدثني بالفرنسية، أريد مترجما معها من الآن وصاعدا». تضيف: «كنت أصلي فجر كل يوم وأدعو إلى الله أن يخلّي لي ابنتي وحفيدتي وزوجها، ولكي يخلي أولاد كل الناس، لكن فجر أمس نهضت وصليت وطلبت من ربي أن يتم انتشال ابنتي وزوجها من البحر لدفنهما مع جوليا، لكن ذلك لم يحصل، هل تصدقون أي أمنية أصبحت أطلبها، فقط دفنهم معا». وتتابع الجدة حديثها: «كانت جوليا تحمل في يدها ذات مرة ألف ليرة، فقلت لها هل تعطيني إياها لكي أحتفظ بها، بعد أن تسافري، لأن فيها رائحة يديك؟ فأعطتني إياها، وطلبت من كل من في المنزل عدم لمسها، وإلا سيدفعون جزاء لمسها ألف دولار. ومرة، حاول أبوها لمس الألف ليرة فتركته لكي يدفع الجزية، لكن خالها الذي كان موجودا نده له بسرعة قائلا: سوف تدفع يا محمد ألف دولار، عندها تراجع ضاحكا وقال: الهيئة عاملي الألف ليرة مصيدة». عندما أصبحت جوليا في عمر السنتين، فكرت جدتها أنها لن تطلب من أهلها بعد اليوم أن يتركوها عندها. ربما، بعدما تكبر، سوف تعاتبها على عدم عيشها مع أهلها وتكرهها، وربما لن يقبل أهلها بذلك الطلب، كانت تقول لها دائما: «يا ستي يا حبيبتي، عندما أموت بدك تدفنيني بإيديك الحلوين.. فتجيب جوليا ببراءة: نعم. ثم أكمل: وسوف تبكين علي؟ فتجيبها ببراءة أيضا: نعم». وتردف الجدّة بما تبقى لديها من قوة: «أنا أدفن ابنتي وحفيدتي؟ يا ويلي مين صار معو هيك، أخبروني! يا ريتني فنيت عن وجه الأرض قبل ما شوف هيدا اليوم». وتعود لتخبر: «كانت جوليا تحب اللعب في المغطس في الحمام قبل استحمامها، فتبقى ساعتين وأنا أنتظرها عند حافة المغطس، حتى فكرت في إحدى المرات بتركيب مكيف في الحمام لأني أتصبب عرقا في انتظارها! فضحك خالها عندما طلبت منه ذلك وقال: تعوا شوفوا تريد مكيفا في الحمام من أجل انتظار جوليا». وتنده: «يا ربي، ما قدرنا حتى نحمم جوليا، يا حبيبتي يمموا جسدها، يا ويلي لو بتشوفوا جوليا اللعبة كيف تشوهت، يا رنا ماذا سأقول لك عندما تأتين؟ طلبت أن تنام جوليا عندي ليلة، والله يا إمي طلبت.. لكن الجواب كان ما في مجال على شان جسمها مشوه، ما بيحمل يبقى خارج البراد. يا أمي ما تعتبي عليي، ما تقولي بعدين: ولو لماذا لم تنم جوليا عندك آخر ليلة؟». ثم تنتبه أن رنا لا تزال في البحر فتناديها قائلة: «يا رنا متى ستأتين؟ بعد في إنت يا أمي بدي ودعك وأغني لك». وتروي أن عيد ميلاد محمد كان يوم الأحد الماضي وهو اليوم الذي سبق سفره. وكلما حاول إضاءة شمعة لقطع قالب الحلوى، كانت جوليا تركض وتطفئها. لم تدع أباها يضيء الشمعة: معك حق يا جوليا لم يبق ولا شمعة في حياتكم يا حبيبتي». وتوضح أن أشقاء محمد الحاج كانوا يريدون دفن جوليا في جويا، لكنها طلبت منهم أن يدفنوها قربها في مقبرة الرادوف في برج البراجنة، وقد استجابوا لطلبها. وتضيف إن فضل آل الحاج سيبقى علي طول عمري، «فهي ابنتهم ويستطيعون دفنها قرب والدها، أشكرهم على ما فعلوه معي». تصمت الجدة بعدما هدّها التعب ثم تضيف: «هي روحي وقلبي وعقلي وجسدي، ماذا سيبقى مني بعدها، لا أعرف، أعتقد لا شيء. لكن رنا سوف تحاسبني عندما نلتقي عند ربنا في ما بعد، لأن جوليا لم تستطع أن تبقى مع أمها وأبيها، ولم تنم عندي آخر ليلة». وعند مقبرة الرادوف في برج البراجنة، حمل الرجال نعش جوليا على أكفهم. تهافتوا على حمل نعش يتسع لكفين فقط، لكنهم كانوا يريدون لمسه، يريدون لمس من تأكد نشله من العائلة، ثم صلوا عليها ودفنوها. وقد مثل النائب أيوب حميد الرؤساء الثلاثة في التشييع، وشارك فيه النائب علي عمار، ورئيس بلدية برج البراجنة محمد الحركة وشخصيات سياسية واجتماعية وعائلة الطفلة لأبيها وأمها، وصلى على الجثمان الشيخ حسن المصري. ----------------------------------------------------- وكتب قاسم س. قاسم في الأخبار: في هذا القبر الواسع تنتظر جوليا أمّها افترقت جوليا محمد الحاج عن والدتها قسراً. الطفلة ابنة السنتين التي أمضت ثلاثة أيام في غرفة الموت الباردة في مستشفى بيروت الحكومي، خرجت أمس لتسبق والديها إلى مثواهم الأخير. عادت جوليا وحيدة لتنتظر والدتها، رنا يوسف الحركة، ووالدها محمد الحاج، اللذين لم يُعثر عليهما بعد من بين ضحايا الطائرة الإثيوبية المنكوبة. هكذا، تسلّمت عائلة الوالدة جثمانها من أمام المستشفى لتحملها إلى منزل جدتها، زائرة للمرة الأخيرة، في منطقة الأوزاعي. هناك، كانت الجدة منى في انتظار حفيدتها، فالجدات يقمن مقام الأمهات في غيابهن. تدخل جوليا التي كانت لا تزال تتعلم المشي، على عكس كل المرات التي كانت تأتي فيها «مدبدبة» على أرض المنزل، مرفوعة على الأكف. وفي صدر الصالون، وضعوها «بملابسها الجديدة» الخضراء، بين نسوة بالسواد من جهة، وألعابها التي لم تهنأ بها من جهة أخرى. لا تطيل الطفلة البقاء في منزل جدتها، فمثواها الأخير قد فغر فاه وهو في انتظارها. ينطلق الموكب الذي شارك فيه النائب أيوب حميد ممثلاً الرؤساء الثلاثة والنائب علي عمار ورئيس بلدية برج البراجنة محمد الحركة، من منطقة الأوزاعي. يصل الخبر إلى آل الحركة في منطقة المنشية برج البراجنة. تقفل أغلب المحال التجارية أبوابها. اليوم لن يسأل أصحاب المحال «مين المتوفى وابن مين»، فالطفلة أصبحت أشهر من نار على علم. يصل الجسد الصغير محمولاً على الأكف إلى باب جبانة الرادوف. تدخل جوليا، تمرّ بقرب قبر بدا أنه أكبر من حجم جسدها الصغير. تسأل حولك فيقال إن القبر حفر واسعاً لترافقها «الماما»، التي لا شك في أنها ستنضم إلى ابنتها، في القبر نفسه. فالصغيرة أصغر من أن تترك وحدها. هكذا، خيّم الصمت على الحضور في الجبانة، صمت لم يكسره سوى التكبير والصلوات وزقزقة العصافير على شجر الصنوبر الذي ظلّل قبر الطفلة. خالاتها أدركن أن ما يعشنه حقيقي. بعد قليل ستنام جوليا، ومع غيابها لن ينتظرن عودتها مع والدتها في الصيف المقبل. يرتفع صوت أنينهن، «رحتي بكير يا جوليا، يا حبيبة قلب خالتك»، تهمس إحداهن. أخرى ترمي وجهها بين كفيّها لتمسح بهدوء دمعاً ظلت عيناها تذرفه لثلاثة أيام. أما الرجال، فوقفوا بعيداً، تأمّلوا كفن الطفلة المحمول بصمت. آخرون رموا بعض الورود في لحدها، عساهم يخبّئون بذلك ترابه الأحمر. يقترب الجميع من الجسد كانت الجدة في انتظار حفيدتها، فالجدّات يقمن مقام الأمهات المسجى أمامهم، يصلّون عليه، ثم يحملونه مجدداً بهدوء كأنهم لا يريدون إيقاظ «الأميرة النائمة»، يضعونه بالقرب من لحدها، ينزع كفن «الشهيدة جوليا محمد الحاج»، كما كتب عليه. تنزل جوليا إلى بيتها الجديد. يخرج المعزّون من الجبانة. بقي خال الفتاة، محمد، واقفاً للحظات بالقرب من حافة القبر. الرجل كان قد خسر ابنته منذ فترة بمرض عضال، ويعرف معنى أن يفقد المرء عزيزاً. ينظر إلى حفّار القبور كيف يهيل التراب عليها، ففي هذه الحفرة دفنت ابنة أخته، وستنضم إليها أخته رنا، لاحقاً. ينتظر محمد انتهاءه من تمسيد التراب، يحمل أكاليل ورد من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، ورئيس مجلس الوزراء سعد الحريري، وقائد الجيش العماد جان قهوجي، وقائد الدرك أنطوان شكور، وقائد قوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي. يقبّل بعض أوراق الورد ثم يضعه بخشوع فوق قبرها، لينسحب كمن طبع قبلة النوم على خد ابنة أخته. عاد الجميع إلى منطقة الأوزاعي لتقبّل التعازي. هناك ملأ صوت تلاوة الآيات القرآنية فضاء المنطقة الهادئة. صوت لم يكسره سوى تكسّر موج اليمّ الأزرق على صخور الشاطئ وهدير طائرات لامبالية تمّر فوق رؤوس المعزّين.