سوق الأحد·· عالم آخر الأسبوع
سوق الأحد·· بوابة مفتوحة يعبر إليها ومن خلالها آلاف اللبنانيين والأجانب أسبوعياً ليجدوا داخل أسوارها <عجائب وغرائب> الوجود·
إنّه سوق مفتوح على كل ما يخطر ببالك من أشياء·· تُحف، ملابس، أحذية، إلكترونيات، كتب، حتى الحيوانات على أنواعها وكذلك النباتات·· أما من جهة الزبائن فترى من كل الأعمار والاجناس، فقراء وأغنياء·· إنّه فيسفساء بشرية في لوحة لا تُقلَّد·
يُقام <سوق الأحد> أو <السوق الشعبي الكبير> كما هو مكتوب بأحرف عريضة على لافتة عُلّقت على مدخله، في نقطة تابعة لمنطقة سن الفيل، تحديداً في منطقة جسر الواطي، على الضفة الجنوبية لنهر بيروت، حيث لا يتعدى طول الساحة التي يُقام فيها السوق بعرض الـ 100 متر تقريباً·
الداخل <غابة>·· والأغراض المعروضة للبيع فاكهة شهيّة متاحة للجميع، لانتهاز الفرصة بسعر أقل من زهيد أحياناً، ولا بد من أن تكون ماكراً كالثعلب، أو قدرك أن تكون <خروفاً>، وهو لقب يُطلق على الأشخاص الذين لا يساومون على الأسعار، فتشتري بسعر عادي، لكن يبقى أقل من الثمن المعروض في المحلات التجارية خارج أسوار السوق·
كل ما تستطيع أن تتخيّله تجد مَنْ يعرضه للبيع، السعر مفتاح الصفقة، والباعة نوعان بل أنواع، كالمعروضات، ولكل سياسته وفلسفته المختلفة في البيع·
- النوع الأول متمرّس في قراءة تعابير الوجه، وغالباً ما يبيع خردة أو أشياء مستعملة، منها ما قد يكون تُحفة لا تُفوّت في نظر ذوّاق فن، وهذه الأشياء لا سعر محدّداً لها، وهو يترقّب كالنسر وينقضّ على الزبون عند ثاني أو ثالث خطوة ابتعاد عن حدود مملكته الصغيرة، فالزبون فرصة لا تأتي مراراً، البيع فيه شطارة، والخوف أن يجد الشاري مبتغاه في الزوايا القريبة عند جاره الغريم· يجلس البائع القرفصاء، أو على كرسي عتيق في الزاوية· صنم لا تعنيه الحركة من حوله، تتمعّن عيناه في وجوه المقبلة، فيتوقف أحدهم أمام الطاولة أو البسطة، فيقلّد اللامبالي، في سرّه يظن أنّه خدع البائع، لكن القابع وراء الأغراض يبتسم بمكر·
من أناملهم يعرفهم البائع، من لباسهم الأنيق، من تسريحة شعرهم، من الساعة في معصمهم، من أظافر أيديهم ومن لمعان الحذاء، وقبل أن ينتهي الزبون من تفحّص أول قطعة يقوم خيال البائع بتحضير ملف عن الشخص، اهتماماته وحالته المادية·
السعر أكثر بقليل مما قد يدفعه الشاري بدلاً للقطعة، والمساومة مفتوحة على مصراعيها·
قد يخاف الزبون، وقد يتركه البائع ولا يناديه، إذ يعرف أنّ أمثاله يعودون دائماً صاغرين، ومرّات يسارع إلى انتشاله من هوّة الرحيل صارخاً بصوت جهوري <ما تزعل، ما فيا شي ها الدني> ويُلقي سعراً جديداً على مسمعه·
في نهاية النهار يضحك الإثنان، يفاخر كل واحد منهما بذكائه، ويضحك على غباء الآخر·
- النوع الثاني غالباً ما يفرش طاولته بالقطع الحديدية، أسعاره لا تحتمل التفكير ملياً، الباهظ منها لا يتعدّى البضعة آلاف من الليرات اللبنانية·
يعلّق على حبال الغسيل بضاعته، تعجّ مساحته بعشرات الملصقات عن الحسومات والأسعار، ومن الصعب ألا تجد أيضاً بوقاً أو مسجلّة تردّد إلى ما لا نهاية <أي قطعة بألف> أو بسعر ما، وهو ترداد لا يتعب ورغم ذلك يساعد البائع الضجة مردّداً العبارة نفسها بطبقة صوت أعلى، كمن يركض داخل فنجان، فيضحك البائع، ويحيّي العابرين، ويرد الفكّة، ويبحث عن كيس، وينظر في كل الاتجاهات ويُعيد ترتيب ما خرّبه زبون مضى بانتظار زبون آخر·
إنها شريعة <سوق الأحد>···