شهيد الصحافة: الكفير تودع ابنها
عساف أبو رحال... اللقاء الأخير
قبل 28 عاماً، اجتاحت إسرائيل لبنان ووصلت إلى بيروت. اعتداءاتها الوحشية طالت بلدة الكفير، وأصابت المواطن جرجس أبو رحال الذي توفي متأثراً بجروحه بعد ستة أشهر من المعاناة. أول من أمس، عاودت إسرائيل اعتداءها على لبنان. وأصابت إحدى قذائفها الزميل الصحافي عساف جرجس أبو رحال، فأودت بحياته. كأنه قدر الجنوبيين مع إسرائيل. موعدها الدائم معهم حمامات الدم. وموعدهم معها صمود في الأرض ومقاومة لا تلين مهما عظمت التضحيات. أمس، في يوم دفن الشهيد عساف أبو رحال، عادت الذاكرة بأقاربه إلى يوم استشهاد والده عن عمر يناهز الستين. «كان عساف في السابعة والعشرين من عمره» يقول الأقارب، ويحكون عن أسرة من أربعة شبان فقدت والدها قبل أوانه. المأساة تتكرّر اليوم والمجرم نفسه. وكما ترك جرجس الأب عساف وإخوته الثلاثة، ها هو عساف المقاوم والأب، يترك أسرته الصغيرة ويمضي. لكنه ترك عائلة مقاومة بدورها، لا يخاف أفرادها الآتي من الأيام ولا يحيدون عما ربّاهم عليه والدهم. هذه رفيقة العمر سعاد تطالب السيّد حسن نصر الله بأن يثأر لها، وهذه ابنته تعلن الاستعداد لتقديم المزيد من الشهداء.
لم سقيتنا الكأس المرّة؟
مهى زراقط
سعاد في حضن نجلها مازن أمس (هيثم الموسوي)سعاد في حضن نجلها مازن أمس (هيثم الموسوي)«شو حلو بهالصورة»، تقول سعاد كأنّها تراه للمرّة الأولى. بل كأنها تعرف أنها لن تراه ثانية. تمسك غلاف جريدة الأخبار الصادرة أمس وتتأمل صورة رفيق عمرها. تقرأ العنوان: «حارس الحدود» فتصرخ «إيه والله... هيدا هو... حارس الحدود... إيه والله». تبكي، ويبكي المحيطون بها وهم يتناقلون الجريدة ويتأملون الصورة الجميلة لعسّاف. كان الهدف من تقديم الجريدة لسعاد جبر خاطرها بعض الشيء، قبل الاستعداد للحاق به في مسيرة وداعه الأخير. بدت منهكة بعد الصلاة التي أقيمت على راحة نفسه في الكنيسة. جلست على كرسي في باحتها بعدما سار المشيّعون خلف الجنازة منصاعة للذين طلبوا منها الاستراحة قليلاً. حاولت التماسك، وحاول ذلك أولادها نسرين ومازن وجرجس. لكن أيّ شيء يهوّن على هذه العائلة الصغيرة المتماسكة خبراً مماثلاً؟
لا تكاد تصل إلى البيت حتى تروح تتأمل وجوه الموجودين. تنادي كلّ منهم باسمه وتذكّره بعساف. تصمت قليلاً في محاولة لتمالك نفسها، لكنها سرعان ما ترفع صوتها بعبارتها التي ستتكرّر على لسانها: «لمَ سقيتنا الكأس المرّة يا عساف؟». تقولها بغضب وتنظر إلى الموجودين الذين تكاد ألسنتهم تنطق بالعبارة نفسها.
هي كأس مرّة حلّت على العائلة الصغيرة. مازن أستاذ الرياضيات يحضن أمه، ولا يخفي تأثّره بفقدان الأب والصديق. أما جرجس، فيبدو أكثر تماسكاً، يملك دموعه حيناً وحين يفقد السيطرة يخفيها على كتفي صديق أو قريب. نسرين، الأم لثلاثة أطفال، تسرق لحظات لتهرب إلى الداخل. تقع عيناها على جريدة نشرت صورة لعساف مكان سقوطه شهيداً. تزعجها رؤيته، فتصرخ رافضة «مات ع الطريق». تتمنى لو أنها لم ترَ الصورة، لأنها قد لا تستطيع محوها من ذاكرتها. وتتمنى لو تستطيع أن تعود يومين فقط إلى الوراء لتكتشف أن كلّ ما يدور حولها اليوم ليس حقيقياً... أمنية لن تتحقق، فها هو طفلها الذي كان يلهو على الدراجة وسط المعزين «وين جدو؟ مات؟»، فتجيبه سعاد: «إيه.. مات جدّك».
وحده الصمت علاج لهذه اللحظات القاسية. أما الوشوشات بين الحاضرين فلا تحمل إلا ذكريات من حياة عساف المليئة بالتعب والكفاح من أجل تربية العائلة. هي أيضاً لحظات من السعادة التي كان يمنحها لشبان البلدة وشاباتها. كيف لا وهو رفيقهم ومستشارهم، وسائقهم. هو الذي لم يكن يعرف أن يقول يوماً كلمة «لا» لأحد تقول سناء واكيم العضو في الكشاف الوطني الأرثوذكسي. تحكي كيف كان عساف يساعدها وزملاءها في تنظيم
تصرخ نسرين عندما ترى صورة والدها في أرض المعركة
الاحتفالات وصناعة قفير النحل. وتحكي زميلتها كيف كان عساف يقلّهم بسيارته عندما يضطرون إلى التوجه إلى بيروت. الفتاتان مصدومتان بالخبر، وكذلك قريبته مريم أبو رحال التي تحكي كيف كان عساف منهمكاً في الأيام الأخيرة ببناء منزل لابنه مازن، وكان يختار له لوازمه بنفسه من دهان وبلاط وأدوات صحية.
كلّ هذه الصفات تحدّث عنها المطران إلياس كفوري في عظته عن الشهيد عساف أبو رحال، فقال إنه «الإنسان الذي يعمل بصمت وهدوء، لكن صمته أفضل من الكثير من الأصوات التي تصمّ الآذان بضجيج لا يحمل في معظمه إلا الكذب... عساف ذهب ضحية بريئة، ضحية تعنّت الإسرائيليين وظلمهم وعنجهيتهم، وهم الذين لم يراعوا حرمة القوانين الدولية. أن يتصدى المدفع لقلم، إنها لعمري قمة الجبن والخساسة».
وكان قد شارك في وداع عساف أمس ممثل رئيس مجلس النواب نبيه بري، النائب قاسم هاشم، النائب علي فياض، وممثل وزير الإعلام المدير العام للوزارة حسان فلحة، الأمين العام للحزب الشيوعي خالد حدادة، وممثلون عن نواب ووزراء وأحزاب سياسية.
سرّك الذي لم يعد سرّاً
عفيف دياب
الفلاحون مشوا خلف جنازتك يا عساف. قرعوا أجراس حزنهم ومشوا وأنت الذي اعتدت أن تمشي معهم من حقل إلى شجرة زيتون... ناصحاً ومرشداً ومساعداً. كلّ رفاقك كانوا هنا حاملين راياتهم الحمراء، وكلّ مقاومتك هنا وأنت الذي لم تخذلها يوماً من زمن «الحكيم» جورج حبش و«الرفيقين» جورج حاوي وجورج نصر الله، إلى زمن السيّد حسن نصر الله. رفاقك في سلاح القلم جاؤوا من كل حدب وصوب، وأنت الذي كان لك «طبعك» الخاص في كتابة جنوبك. فـ«المعمرجي» كامل ترك ورشته وجاء إليك، وأبو قاسم زهرة آخر «المنسحبين» بالقوة من مزارع شبعا المحتلة مشى حاملاً كلّ هموم العمر وزيتونات بسطرة وكلّ المزارع، وخليل زغيب أبى أن يبقى بعيداً عنك في لحظة الوداع، وأم رياض التسعينية تركت سنديانتها وجاءت دامعة، و«جمهور» جمهورية شانوح في مزارع شبعا وصل تاركاً قطعانه تسرح وتمرح على طول «خط» المواجهة في تلال كفرشوبا وبركة شبعا. فلاحو «الوزاني» تركوا حقولهم. كل روّاد «سوق الخان» وصلوا. و«الرفيق» أبو خالد ترك حانوته الصغير في البقاع الغربي وجاء حاملاً راية حمراء صغيرة وهو الذي لم يتعب من المشي و«بكرا راح طل عليك وأنا راجع من بيروت» وكان ينتظر عبورك وارتشاف القهوة معاً و«الحكي» عن زمن مقاوم جميل و«يلا يا عساف صار لازم تكتب شي عن تاريخ المقاومة»، فكنت تبتسم وتقول: «جايي الأيام... بعد ما خلصت المقاومة لاحقين نكتب».
أمس، شاع «خبر» عساف أبو رحال. لم يصدّق أهالي القرى في جنوب الجنوب. وحدها رفيقة الدرب، سعاد، وصلتها الرسالة. لم يكن استشهادك بياناً سرياً يوزّع في القرى لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي يوم كانت أم مازن تحتضنه في أسرار فستانها المقدس. وحدها عرفت أن سرّك لم يعد سراً اليوم، وأن رفاقك حملوا النعش ومشوا و«يا ريتك ما رحت على العديسة». لقد جفّ الدمع يا سعاد... أعطي خبزك لمازن ونسرين وجورج، ولا تتطلعي بالصورة المعلقة على جدران الصمت. كان يوماً حزيناً في الكفير الجنوبية، وكانت وجوهاً لم يرها عساف منذ زمن. كانت أجمل السهرات تحكي عن هذه الوجوه، وعن مجد لم يفقد فرحه، وعن مقاومة افتخرت يوماً بأنك أطلقت رصاصاتها الأولى. رحلت باكراً وأنت الذي لم تتعب من الترحال والبحث عن يوم جميل... وعن رفاق غابوا.
كان أمس يوم عساف أبو رحال، وكشف كلّ الأسرار المقدسة. وكان يوم سعاد التي أبكت جرس الكنيسة. إنها الكنيسة التي تختزن كل أسرار «قلم الرصاص» ورفاق عبروا... كنيسة لا يعرف سرّها إلا عساف أبو رحال. كل المشاركين أمس لا يعرفون أسرارك، لا أصحاب التمثيل الرسمي ولا حتى الحزبي. وحدها رفيقة عمرك تعرف سرّ أسرارك، فهي الأمينة وحاملة الأمانة من بعدك.. فاترك لها سرّها قد لا تبوح به لأن لا أحد غيرك يعرفه، ويعرف «بريد» صواريخ «الكاتيوشا» ومتى ترسل إلى الرفاق في الأرض المحتلة، وعلى أي درب ستعبر «البغال» محملة ما يسهم في التحرير.
يوم تحرير الجنوب، اقتحمت كلّ السواتر والحواجز ووصلت إلى حاصبيا قبل أن يصل الناس، دخلت إلى مزارع شبعا لتتفقد الصامد الوحيد هناك أبو قاسم زهرة يوم كان لبنان الرسمي لا يدري أو يعلم أن «وطنياً» لبنانياً يعيش هناك وحده صامداً مؤكداً لبنانية المزارع المحتلة. لم تترك «أبو قاسم» بعدما هُجّر من المزارع يوم التحرير الكبير. لاحقته ودوّنت كلّ أخباره بعدما ترك بسطرة وتلالها. لم تنس أبناء «شانوح» ومواجهاتهم اليومية مع الاحتلال في المزارع، ولا «عنزات» محمد عبد العال التي «أسرها» جيش الاحتلال على تخوم المزارع، فأسر أبقاراً «إسرائيلية» لمبادلة قطيعه بها... كتبت كلّ أوجاع الناس هناك ومقاومتهم الصامتة، ولم يكتب أحد عن وجعك ولا تاريخ مقاومتك. الفلاحون هنا يا عساف... قم واكتب عنهم.
سعاد
«يا سعاد جهّزي الأكل... الشباب صاروا بيوصلوا»، يقول عساف لرفيقة عمره يوم كان ينتظر «الرفاق» على دروب جبل الشيخ. لم تتعب سعاد يوماً من العمر. لا، لقد تعب العمر ولم تتعب هي. كانت مقاومة مجهولة، ومراسلة حفظت دروب الجنوب وأوجاع الناس المنسيين هناك مع رفيق عمرها عساف. هذا الإنسان الذي كان صانعاًَ لخلايا النحل من سفوح جبل الشيخ الى بحر صور وبساتين البقاع، ولو قدّر له لوضع «نحله» في سهل الحولة. هذا السهل «الفلسطيني» كان عساف يجول على تخومه كفرض صلاة مع سعاد. يرصدان معاً جنود الاحتلال في مزارع شبعا، يمشيان مع الرعاة في أوديتهم وفوق تلالهم... يقتنص هو صورة محترف «سري» في اقتناص جنود الاحتلال الإسرائيلي يوم كانوا يسرقون الليمون في وادي الحاصباني، وتقتنص هي النظر إلى حيث يجب أن يقتنص هو الصورة. إنهما صورة واحدة لم تفارق الجنوب يوماً.
أتعبك العمر أم تعب منك العمر يا سعاد؟
كان الصمت يسرق من سعاد حروفها. لم يمت عشقها يوماً لمن أسعفها عشرات المرات في الليالي الظلماء. لم يخنك يوماً واحداً في رحلة العمر المشتركة، وإن كان عاشقاً لراشيا الفخار وبيادر حنينها فهو من عشقه لكِ. لماذا تركت رفيقة دربك وحيدة، وهي التي لم تفارقك لحظة؟ أكنت تصرخ معها بصمت ومن تعب رحلة العشق والبحث عن سعادة حملتها معك يوماً بيوم وساعة بساعة. لم تترك سعاد عساف يحمل الرصاص وحده إلى مغاور «مقاومته» في تلال كفرشوبا وأودية كفرحمام وراشيا الفخار؟ فلماذا تركت سعاد تبكي؟ أكنت تحب أن تسمع منها أنك الآن «الخبر» وكل «الأخبار»؟ ألم تقل لي إنك ستنتظرني قبل أن تصل إلى العديسة؟ ولماذا لم تسمع من سعاد وتبقى في المنزل؟ كم عمراً كنت تحتاج بعد حتى تتعب وهذه «السعاد» لم تتعب بعد منك.
في يوم من الأيام كتب عساف إلى سعاد في مفكرته الصغيرة: «صعدنا إلى جبل الشيخ، وكان البرد القارس يحثّنا على المشي سريعاً، وكنا نسابقه كي نصل إلى قمة الجبل مع شروق الشمس، وكان البرد «رفيقاً» أنيساً يعطينا «صكّ» ملكيّة لهذا الجبل على بياض. فجنود الاحتلال يختبئون من الرصاص ويخافون من شروق الشمس. وكنا نحمل «جعب» الرصاص قبل أن تأخذه «أم رياض» كأمانة وتخبئه تحت سنديانتها المعمرة. وكان خليل زغيب «على راس السطح» ينتظر حتى نصل الى شجرات الكينا في راشيا الفخار. وكنت تنتظرينني تحت زيتونة أم جرجس قبل أن أعود الى الكفير وأجدك هناك».
بكت سعاد في يوم حزنها الطويل. لم تكن تدري أن «رجل» البيت سيغادرها على غفلة منها وهي التي لم تتركه لحظة: «كيف تركتو يروح لوحدو... طول عمري روح معو وما خلّيه يروح ع مطرح لوحدو... يا ريت تغدّى... ويا ريت سمع مني. ما بعرف يمكن أمّو خلّفتو بالعديسة وهونيك بدّو يموت.. آخ».
ع. د.
ما بعد حادثة العديسة
العديسة ــ آمال خليل
غصّ الموقع الذي شهد أول من أمس مواجهات بين العدو الإسرائيلي والجيش اللبناني، بالمواطنين الذين قدموا من خارج المنطقة ليشاهدوا «واقعة شجرة السرو». الصحافيون توافدوا إلى المكان لأخذ حديث أو التقاط صورة لعائلة خليل عبود، الشاهدة على الحادث لوقوع منزلها قبالة الأشجار المقتلعة ولأنّ ابنها إبراهيم أصيب في قدمه في القصف الإسرائيلي على بعد أمتار قليلة من الموقع.
في إحدى الزوايا، احتشدت الآليات العسكرية، فيما نصبت الوحدتان الإسبانية والإندونيسية نقاط مراقبتها على الطريق بين العديسة وكفركلا.
أما «نزلة» العديسة العريضة المتاخمة للحدود، فقد استعادت هدوءها ابتداءً من ساعات الظهيرة بعد تحقيق الجنود الإسرائيليين هدفهم باقتلاع الأشجار الحاجبة لرؤية إحدى كاميرات المراقبة التابعة لهم. هنا، رُفع العلمان اللبناني والفلسطيني وراية حزب الله وصورة ضخمة للأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله كتب عليها «نحن المفاجآت».
كاد المكان يُفرغ لأصوات الريح التي تحرّك عشرات الأشجار البرية والمثمرة في حقول المستوطنات المقابلة وهدير الطائرات الحربية التي حلت مكان الدوريات العسكرية التي غابت عن الخط الأزرق لساعات النهار، لولا قدوم عباس وأفراد أسرته الذين يمضون إجازتهم الصيفية في لبنان ومجيء بعض أقرانهم لتفقد وقائع «المعركة البطولية للجيش اللبناني»، كما يقول عباس. يحنّ الرجل الذي يعيش في الولايات المتحدة إلى أيام الانتصارات التي «نفتخر بها». لم يتردد وزوجته وأطفاله الخمسة في التنزه والترفيه بعد يوم واحد من حادث خشي كثيرون من أن يكون شرارة حرب جديدة. بل زاده الحادث إصراراً، كما يقول، على المجيء من بعلبك إلى «جنوب الجنوب» ليحظى «بتحية الجيش وينعم بهواء الحرية والنصر»، على حد تعبيره.
لكن عباس لم يحظ بإجماع مطلق على التوجه جنوباً، حتى من بعض الجنوبيين الذين فضل بعضهم قضاء هذين اليومين بعيداً عن العديسة وجاراتها حتى تهدأ الأمور، و«يظهر الخيط الأبيض من الأسود»، كما فعلت سهى دباجة التي حملت أطفالها الثلاثة ونزحت بهم إلى منزل عائلتها في منطقة أخرى. ترفض دباجة أن يزايد أحد على صمودها بعدما رابطت هنا طوال أيام الاحتلال، لكن الخوف على أطفالها أجبرها على إبعادهم عن مرمى الرعب الذي لم تنقطع آثاره منذ عدوان تموز. وبالمناسبة، لم تقفل المحالّ التجارية أبوابها، لكن الحركة بدت أقل من المعتاد.
العديسة التي أنجزت حسابها مع عدوان تموز في ذكراه الرابعة بإقفال ملف تعويضات أضرار الوحدات السكنية وإعادة إعمارها، وقفت مجدداً تتقبل العزاء والتبريكات بمواجهة جديدة مع العدو الإسرائيلي، وهي التي تضم أقرب نقطة مع الخط الأزرق. لكن المارة لم يجدوا جنوداً للجيش اللبناني عند نقطة التفتيش الثابتة للسماح لهم بالمرور، فالكشك الإسمنتي استحال دماراً في وسط الطريق على غرار المحالّ التجارية المقابلة له. على الجدار المقابل تهشّمت لوحات التحية للجيش التي كانت قد رفعت لمناسبة الأول من آب. «الجيش لم يتقاعس ولن يتقاعد»، هكذا تقول اللافتة التي مزقها القصف الإسرائيلي إلى جانب أعلام الجيش والرايات اللبنانية. لكن الحفاوة التي أبداها المواطنون في استقبال قائد الجيش جان قهوجي خلال تفقده للموقع أحيت مشاعر النصر في المكان. هنا سقط الشهداء الثلاثة للمواجهات. وهنا أيضاً أطلق الجندي قذيفته نحو المقدّم الإسرائيلي فقتله وجرح زميله النقيب.
نزولاً إلى الساحة العامة، يتأفف محمد البعلبكي كلما مرت دورية لليونيفيل. لا يكترث الرجل السبعيني لإسرائيل المرابطة على بعد أمتار من منزل ابنه الذي أصر على بنائه عند أعلى نقطة في البلدة. المشكلة ليست هنا، بحسب البعلبكي، بل في ما يصفهم بـ«حماة إسرائيل» الذين هربوا عند بدء المواجهات بسيارات المواطنين ثم عادوا في اليوم التالي ليشهروا قوتهم في وجهنا.
يذكر أنّ أحد جنود الوحدة الإسبانية تعرض للزميل المصور حسن بحسون بينما كان يصوره هو وزملاءه وآلياتهم خلال وقوفهم في العديسة.
على صعيد آخر، شيّعت قيادة الجيش كلاً من الرقيب الشهيد عبد الله طفيلي في بلدة دير الزهراني، والرقيب الشهيد روبير العشي في بلدة درب السيم، اللذين استشهدا خلال المواجهات التي خاضها الجيش اللبناني ضد العدو الإسرائيلي في بلدة العديسة، بمشاركة حشد من رفاق السلاح وأهالي البلدتين والجوار وفاعليات المنطقة. وألقى ممثل العماد قائد الجيش في كل من المناسبتين، كلمة نوه فيها بسيرة الشهيدين، وبما أظهراه من شجاعة ونكران للذات أثناء تأديتهما واجبهما في الدفاع عن تراب الوطن.
تعاز
تتقبل أسرة «الأخبار» التعازي بمراسلها الزميل عساف جرجس أبو رحال الذي استشهد أثناء قيامه بواجبه المهني في بلدة العديسة في الجنوب، بين الخامسة من بعد ظهر اليوم والثامنة مساءً، في دار نقابة الصحافة. وأمس اتصل الرئيس نبيه بري بعائلة الشهيد معزيا، وكان زار الجريدة معزّياً وزير الداخلية والبلديات زياد بارود.
وقد توالى صدور بيانات النعي وبريقات التعزية بالزميل. وفي هذا الإطار، قدم التعازي لعائلة الشهيد و«الأخبار»، النائبان أسعد حردان وعاطف مجدلاني والوزير محمد الصفدي والوزير السابق عبد الرحيم مراد والمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، الوزير السابق فريد هيكل الخازن، اتحاد الصحافيين في سوريا، رئيس مجلس إدارة سوليدير ناصر الشماع، عرب 48، وحزبا التقدمي الاشتراكي والاتحاد، وتيار التوحيد، حركة التوحيد الإسلامي، جبهة العمل الإسلامي، اتحاد نقابات سائقي السيارات العمومية للنقل البري في لبنان، وحملة التجمع لكسر الحصار الطبي عن غزة، تجمع الأطباء، التجمع الوطني الديموقراطي ولجنة حقوق المرأة اللبنانية.
يذكر أنه ورد خطا في عدد «الأخبار» أمس مقتطفات من بيان لـ «صحافيون بلا حدود» والصحيج أنه «مراسلون بلا حدود»، فاقتضى التوضيح.