الخيام نسخة تجريبية · Khiyam v2
أخبار وذاكرة ومجتمع
← الأرشيف

حرمون... قمة جمالية يتسلقها الإهمال

2010/8/12 · · المقال رقم 9746
خيوط الشمس الاولى التي تلتقطها العين من قمم حرمون المتفاوتة الارتفاع سحر المشهد الذي ينسجه امتزاج الالوان الفريد يماهي بين الانسان والطبيعة، المنظر الذي تشاهده من أعلى قمة جبل حرمون يكاد يستعصي على الوصف، ذلك ان الجبل الشامخ الذي تتكلل تلاله بالثلج معظم ايام السنة يجمع الى الدلالة القدسية، معالم الجمال الطبيعي والسحر التاريخي والجغرافي الذي يجعله اهلا لاحتلال مكان فريد على الخارطة السياحة البيئية والدينية والترفيهية من قبل الجهات الرسمية، بحيث لا يتحول الاهتمام بهذا المكان الفريد الى اهتمام اعلامي عابر تحتمه مناسبة عيد التجلي السنوية حصرا.. الرمز الديني لجبل حرمون وارد فـــي انـاجـيـل متى ومرقس ولــوقــا، والجبل العالي الــذي يتحدث عنه الانجيل يعني "هــارا مــون"، مــون نسبة للجبل وهــارا للــعــالــي ومـــن هــنــا جــاﺀت تسمية حرمون. في كل 6 آب يستقبل جبل حرمون زواره، يستقبل مئات الأشخاص الآتين مــن المناطق اللبنانية كــافــة، من مختلف الطوائف، حيث يقصدونه للإحتفال معاً بذكرى التجلي. تجلي "السيد المسيح" عندما اصطحب ثلاثة من تلاميذه هم بطرس ويوحنا ويعقوب الــى جبل عال "ليكشف لهم امرا هاما". بحسب الرواية الدينية لم يكن يسوع يريد تلاميذه نياما الا انهم لما وصلوا الى الجبل كانوا مرهقين جدا فتناولوا طعام العشاﺀ وناموا، وبينما كان مختليا بنفسه للصلاة كالعادة شع وجهه نــورا اقــوى من اشعة الشمس وبانت ثيابه اكثر بياضا من الثلج وظهر الى جانبه شخصان من العهد القديم هما النبيان ايليا ومــوســى اي كاتب الشريعة ومعلم الشريعة، علم معهما يسوع كيف سيذهب الى اورشليم ويصلب ويقوم في اليوم الثالث، وكانت المرة الاولــى التي يرى فيها التلاميذ "معلمهم" بهذه الحالة وهي حالة التجلي. زيارة نوعية الى الجبل كفيلة بأن تنسيك هموم الحياة وتوابعها من مشاكل، علماً بأن الطريق المؤدي الى المخيم السنوي المقام من قبل بلدية راشيا، شاق جــداً، فالطريق وعرة، غير مؤهلة ومخيفة. ورغم كل تلك العوامل المقلقة إلا ان التوقف كل 15 دقيقة للتمتع بغرابة المنظر وفرادته أمر لا بد من القيام به. أمنت البلدية للمشاركين في الــمــخــيــم شــاحــنــات نــقــل للوصول الــى موقع التخييم. قبل الوصول الى المخيم تم التوقف عند نقطة أســاســيــة، وهــي نقطة الــصــلاة في كنيسة التجلي وهــي قيد الإنشاﺀ حيث اقــام المطران الياس كفوري راعـــي ابــرشــيــة صــور وصــيــدا للروم الارثــوذكــس قداسا وشهد المذبح عــمــادة اول طفل فــي هــذا الموقع بالذات هي ريتا ماريا اللحام، تلاها صلاة الغروب ومن ثم صلاة تقديس الــعــنــب كتقليد ســنــوي لمباركة الموسم لينتقل بعدها المشاركون الى مخيم ثان تقيمه البلدية وتحيي فيه سهرة موسيقية تستمر حتى الثالثة فــجــرا، موعد الانــطــلاق الى تسلق الجبل الى اعلى قمة بالقرب من مركز الـــ UNDOF التابع للامم المتحدة، حيث تسنى للمشاركين في الرحلة استقبال الشمس في شروقها، ومراقبتها في تفلتها من هالة الضوﺀ البرتقالي التي تحيط بها. وعند الوصول لا تهتم لا بالخيم ولا بالناس، لا يسعك إلا ان تشعر أنك وحيد، الوحيد الــذي ينظر الى غــروب الشمس من اعالي القمم. لا ترى سوى عدسات الكاميرات مسمرة تلتقط الصور والناس منهمكة بتأريخ اللحظات الفريدة. بعد الغروب تهتم كل مجموعة بإيجاد مكان لها لتمضية الليلة تحت خيمة نصبتها البلدية، او اخــرى خاصة بها، علماً ان النوم يبدو من الصعوبة بمكان مع صدى الموسيقى الحماسية المنتشرة في ارجاﺀ المكان والتي تبقى تتردد حتى ساعات الفجر الاولــى، فيما يتحلق محبو السمر حول موقد النار.. يرقبون الافق البعيد المطل على فلسطين المحتلة من الجنوب الشرقي وعلى بحيرة القرعون من جهة الغرب، يتأبطون بمعطف يقيهم قساوة الــطــقــس حــيــث تنخفض درجـــات الحرارة الى 5 (سيلسوس) في نقطة المخيم والــى مثلها تحت الصفر في القمة التي يتطلع الجميع الى بلوغها بــعــد حــيــن. يتعب هــواة الرقص من "الدبكة"، يستسلمون لرغبة في الراحة لبعض الوقت فيما يــقــرر بعضهم مــعــانــدة النعاس والتمتع بفرادة الليلة، ينضمون الى حفلة، شواﺀ او الى جلسة تطلق فيها الحكايا والمواويل. الثالثة فجرا، يستعد المتحمسون لصعود الجبل، يتحصنون داخــل ثيابهم السميكة، يقبضون على عصاهم الغليظة التي تساعدهم في معاندة الطريق الوعرة صعودا. وهؤلاﺀ ثلاث فئات، منهم المؤمنون الذين نذروا الوصول الى القمة، ومنهم من هواة التسلق الذين جعلوا من يوم التجلي موعدا سنويا لكي يبلغوا القمة التي يبلغ ارتفاعها 2600 متر عن سطح البحر، اما الفئة الثالثة فهي من الهواة الراغبين بتجريب انفسهم والالتصاق بالطبيعة. وهنا يلاحظ ان لا مسيرة واحدة تــجــمــع الــصــاعــديــن الــواضــعــيــن المصابيح الخاصة بالتسلق الليلي فــي جــبــاهــهــم، بــل تـــرى الجموع يصعدون الجبل فــرادى او ضمن جماعات صغيرة. في الطريق الشاق، قلة تتمكن من الوصول الى القمة، فيما الاغلبية هي من تبلغ منتصف الــطــريــق قبل ان تضطر للعودة بسبب تعبها او انكفاﺀ احد اعضاﺀ المجموعة. لــكــن مــهــمــا كــانــت الــمــســافــة المسجلة فان خيوط الشمس الاولى الــتــي تلتقطها الــعــيــن مــن قمم حرمون المتفاوتة الارتفاع يجمع بينها مشترك السحر وامتزاج الالوان الفريد الــذي يماهي بين الانسان والطبيعة، السحر الــذي يستولد الروحانيات في لحظات مادية صرفة، تــجــدك آثـــرت الــجــلــوس بمفردك منكفئا الـــى فــعــل تــأمــل طويل يعيدك الى صفاﺀ الذهن والــروح.. تمتلىﺀ الروح بالهواﺀ العليل الذي تتناقله نسائم الارض اليك، قبل ان تتناقل النسائم نفسها روائح الحطب المحروق جراﺀ سهرات النار الطويلة، هنا تلتفت لظاهرة غريبة مفادها ان البشر اينما حلوا جلبوا المآسي للطبيعة، حرقا للاخضر او تخليفا للنفايات في المكان.. يقر رئيس بلدية راشيا العميد مروان زاكي ان الحدث الذي ينظم بشكل ســنــوي لا يشكل الطموح المطلوب. يدرك الرجل الذي يأمل في ان يتمكن من اقامة المخيم بشكل فصلي، ان يجعل الحدث يرتقي الى مستوى وطني او حتى عالمي يجب ان يمر من قناة الدعم الرسمي الذي يبقى خجولا. يقول زاكي "لدينا نعمة علينا ان نعرف كيف نستفيد منها ومن ارتداداتها التنموية على المنطقة". يضيف "لـــدي افــكــار كثيرة لكني دائما اصطدم في سلم الاولــويــات الذي يحكم التعاطي من قبل الجهات الرسمي". وتبقى دعوة الى المعنيين بأن يجربوا الوقوف على قمم حرمون حــتــى يــعــرفــوا القيمة الجمالية والطبيعية الممزوجة بعظمة الاديان وبسحر الحضارة وبلاغة التاريخ.. وحينها ربما اقتنعوا بتحويل بوصلة اهتماماتهم الانمائية والسياحية صوب حرمون بعض.. الشيﺀ.